كلمة الملك سلمان كشفت كل ما كان مستوراً
كلمة الملك سلمان كشفت كل ما كان مستوراً

في كلمته أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، كشف الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، خفايا "الحوار الأوّلي" الذي يجري في العراق، بين بلاده من جهة، وإيران من جهة أخرى.

قبل هذه الكلمة الملكية، اكتفى المسؤولون، عبر تصريحات مقتضبة للغاية وبعض التسريبات الإعلامية، باطلاع الرأي العام على أنّ لقاءات تحصل بين الرياض وطهران، من دون أن يشيروا إلى مواضيع البحث ومدى التقدّم أو... التقهقر.

كلمة الملك سلمان كشفت كل ما كان مستوراً، وجاء التعليق الإيراني عليها، من خلال المتحدّث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده، ليظهر أنّ استعمال السعودية عبارة "حوار أوّلي" يقع في مكانه الصحيح، إذ إنّ المسافة بين مفهوم الرياض للانطلاق نحو وضع أسس للتفاهم ومفهوم إيران لا تزال شاسعة للغاية.

ما ورد في كلمة الملك السعودي يُظهر، بوضوح النقاط التي تضع بلاده في موقع الخصومة مع "الدولة الجارة"، ومن بينها "وقف جميع أشكال الدعم للجماعات الإرهابية والمليشيات الطائفية التي لم تجلب إلّا الحرب والدمار والمعاناة لجميع شعوب المنطقة".

وقال الملك سلمان في كلمته لهذه الجهة الآتي: "إيران دولة جارة، ونأمل أن تؤدي محادثاتنا الأوّلية معها الى نتائج ملموسة لبناء الثقة، والتمهيد لتحقيق تطلعات شعوبنا في إقامة علاقات تعاون مبنية على الالتزام بمبادئ وقرارات الشرعية الدولية واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ووقفها جميع أشكال الدعم للجماعات الإرهابية والميليشيات الطائفية التي لم تجلب إلا الحرب والدمار والمعاناة لجميع شعوب المنطقة".

وهذه الفقرة التي تضمنها خطاب الملك سلمان تعني اليمن والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين وغيرها من الدول.

وبيّن تعليق طهران على هذا الموقف السعودي أنّ ثمة خشية حقيقية من أن ينحدر "الحوار الأوّلي" إلى مستوى "حوار الطرشان"، إذ قال زادة: "إذا أولت المملكة العربية السعودية رسالة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنّ حلّ المشكلات في المنطقة يكمن داخل المنطقة نفسها، اهتماماً جاداً حينها يمكن أن تكون لدينا علاقة مستقرة وجيّدة".

إنّ موقف الملك سلمان، من جهة والتعليق الإيراني عليه، من جهة أخرى يسمحان بالاعتقاد أنّ الأمور بين البلدين لا تزال عالقة عند النقطة الخلافية نفسها، فالرياض تشكو ممّا بات يُعرف بـ"النفوذ الخبيث" لإيران في منطقة الشرق الأوسط، فيما تصرّ إيران على اعتبار أنّ هذه الشكوى السعودية دخيلة على المنطقة، وتالياً فإنّ الرياض تحمل "أجندة" غربية معادية لها.

وهذا المنحى الإيراني لتبرير قطع كل نقاش حول أذرعها في دول الشرق الأوسط، ليس دقيقاً، فهذا مطلب طالما تهاونت في شأنه الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد الأوروبي، ولكنّ الرياض بقيت متشدّدة، حياله.

في الواقع، إنّ إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بيّنت أنّ بدء تطبيع العلاقات مع إيران غير مشروط بوقف "نفوذها الخبيث" في المنطقة، كما أنّ إدارة الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون أظهرت استعداداً أوروبياً لإقامة علاقات شراكة مع طهران، من خلال التعامل الطبيعي مع الأذرع الإيرانية، كما هي عليه الحال في لبنان.

ولولا إصرار السعودية على هذه المسألة، في تقييم علاقاتها بالدول الكبرى، لكان موضوع "النفوذ الخبيث"، قد اختفى، في كثير من الأحيان، عن جدول الأعمال "الإعلاني".

وما ابتعاد الرياض عن المساعي الفرنسية الخاصة بلبنان إلّا لرفضها المبدئي كل تصوّر يقوم على الشراكة مع "حزب الله" الذي أدرجته السعودية في قائمة المنظمات الإرهابية.

وعلى الرغم ممّا تسيل به الأقلام من أفكار وروايات وأخبار تتصل بأحزاب وتيارات وشخصيات، فإنّ رفض المملكة العربية السعودية القيام بأيّ جهد في لبنان إنّما يعود إلى رفضها لهذا التسليم الرسمي اللبناني، بحجة الضعف والاختلال الكبير في "توازن القوة"، بالأدوار التي يلعبها "حزب الله" في صناعة القرار اللبناني.

وفي الخلفية السعودية إنّ ما يعجز اللبنانيون عن القيام به، لوضع حدّ لهيمنة "حزب الله" على قرارهم الوطني تتولّاه الرياض، في محادثاتها الدولية والإقليمية، وبالتالي فإنّ ما يُسمّى غياباً سعودياً عن لبنان هو "وهم مالي" وليس حقيقة استراتيجية.

وهذا يعني أنّ الرياض تعتبر أنّ تسليمها بالأمر الواقع في لبنان، تحت مبرّرات إنسانية وسياسية وطائفية وقومية، هو تخلّ عن لبنان الذي يريده اللبنانيون ويطمح العرب إلى استعادته كمنارة انفتاح، وتسامح وسلام وتعايش.

وهذا ما أفهمته الرياض، بوضوح، إلى كل الدول التي راجعتها في شأن لبنان، مشيرة إلى أنّها سبق لها أن دعمت الدولة اللبنانية، في مختلف المراحل، ولكنّ هذا الدعم، وبسبب الأدوار التي يلعبها "حزب الله" بالتعاون مع "الفساد السياسي"، لم يحل دون وصول لبنان الى الكارثة التي وصل إليها، وتالياً، فإنّ مساعدة الشعب اللبناني لا تكون من خلال المال، بل من خلال رؤية سياسية واضحة يمكنها أن تستقطب ما يلزم من تمويل إنقاذي مستدام.

من الواضح أنّ كلّاً من السعودية وإيران، في ظل عدم استقرار النهج الأميركي في التعاطي مع الشرق الأوسط الذي ثبت انتقاله الى موقع ثانوي في أولويات واشنطن لمصلحة منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تملكان مصلحة في التواصل، فالرياض يهمّها، في هذه الفترة الصعبة من علاقتها مع إدارة الرئيس جو بايدن، أن تظهر قدرتها على إقامة حوار مع أعتى خصومها في المنطقة، فيما طهران يُفيدها أن تُظهر مقبولية نظامها في المنطقة، في ظل "كباشها" لمصلحة برنامجها النووي والأثمان المرتفعة التي تطلبها في إطار "المقايضة".

ولكن من الواضح أكثر أنّ ما يفرّق الرياض عن طهران شاسع للغاية، فإيران تثابر على "تصدير الثورة" التي ترى فيها السعودية خطراً على استقلاليتها وسيادتها، لأنّها، بالنتيجة، ليست سوى وسيلة إيرانية لفرض هيمنتها على المنطقة ودولها وشعوبها. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.