تظل الدعوة للإصلاح الديني تعكس حاجة موضوعية، لا تشعر بأهميتها الحكومات فقط وإنما جميع الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين
تظل الدعوة للإصلاح الديني تعكس حاجة موضوعية، لا تشعر بأهميتها الحكومات فقط وإنما جميع الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين

في الآونة الأخيرة كانت هناك أكثر من مناسبة طرح فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بصورة مباشرة، وجهة نظره بشأن إصلاح الخطاب الديني (والمقصود بالدين هنا هو الإسلام) وكانت أبرزها مداخلته التلفزيونية (23 أغسطس 2021) على قناة صدى البلد التي دعا فيها إلى "إعادة صياغة فهمنا للمعتقد الديني" الذي قال إننا ورثناه من ضمن ما ورثنا.

ولست أشك في أن هذه الدعوة صادقة، وأن الرئيس المصري جاد فيما يقول، وإن كانت طرق تحقيق هذا الأمر يكتنفها الكثير من الضبابية وعدم الوضوح حتى الآن. ليس فحسب بسبب تجريف مؤسسات المجتمع المدني وحالة العداء غير المبررة التي تبديها أجهزة الأمن والسلطة المصرية تجاه دعاة التنوير والإصلاح، وإنما أيضا بسبب العلاقة الملتبسة والنفعية مع المؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر والتي تعطي هذه المؤسسات القدرة على تخريب جهود الإصلاح أو فرملتها أو إفراغها من محتواها.

مع ذلك تظل الدعوة للإصلاح الديني تعكس حاجة موضوعية، لا تشعر بأهميتها الحكومات فقط وإنما جميع الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين في الدول العربية.

فالطريق نحو التطوير والتحديث وجذب الاستثمار وتحويل البلدان نحو الاقتصاد المنتج يتطلب هذا النوع من الإصلاحات التي لا يمكن تأجيلها.

ومن الصعب إن لم يكن من الاستحالة العيش بصورة طبيعية في هذا العصر في ظل نمط الدولة الدينية القائم حاليا في مصر وفي العديد من البلدان العربية والذي من أبرز ضحاياه المرأة والأقليات والمختلفين من كل جنس ونوع.

هذا النمط يخلق مجموعة من القيم السلبية الطاردة للاستثمار والانفتاح على العالم والمشككة في العلم والمعادية للإنتاج وتطوير السياحة والخدمات.

لذلك فإن قضية الإصلاح الديني، ليست سجالا ترفيا بين مؤيدين ومعارضين أو بين علمانيين وإسلاميين، وإنما هي تقع في صلب التوجه نحو المستقبل.

لكن ماذا نقصد بالإصلاح؟

الإصلاح الديني يعني في جوهره إعادة قراءة وتفسير التراث والنصوص الدينية في ضوء القيم الإنسانية الحديثة، فيتم الأخذ بما يتناسب مع هذه القيم والتخلي عما يناقضها.

وهذه القيم تجد مضمونها في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان وفي العديد من القوانين والتشريعات حول العالم.

والإصلاح بهذا المعنى لا بد أن يفضي إلى جعل الدين (وحرية التدين) خيارا فرديا أو شخصيا، ضمن العلاقة العمودية بين الإنسان وما يعتقده، وفي الوقت نفسه يحرر الفضاء العام من الأديان، أي العلاقة الأفقية - علاقة الإنسان بالمجتمع والدولة.

بمعنى آخر فإن المطلوب هو فك الدين من رقبة المجتمع والدولة، ووضعه في رقبة الفرد. وأي إصلاح ديني لا يحقق هذه النتيجة، لا يعد إصلاحا، وإنما مجرد نشاط إعلامي أو سياسي الهدف منه هو إشاعة أجواء من التفاؤل من دون فعل حقيقي.

وإذا كانت وسائل الإصلاح الديني تتم عبر ميادين شتى، دينية وسياسية وقانونية وثقافية وإعلامية.. الخ، فإن أولى المؤشرات على جدية هذا النوع من الإصلاح لا بد أن تبدأ من التعليم. أي لا بد من تغيير المناهج لضمان أن تكون محايدة فيما يتعلق بشؤون العقيدة والأديان. فمناهج التعليم لا بد أن تعكس قيم الإصلاح الديني نفسه وقيم العصر الذي نعيشه. فلا يمكن مثلا قبول أن يتم تمجيد العنف أو الكراهية أو التمييز الديني أو إضفاء القداسة على الخرافة والنصوص المنافية للعقل والعلم والمنطق السليم.

وإصلاح المناهج يجب أن يساهم في تنشئة أجيال جديدة متسامحة وتتميز بتفكير نقدي ونظرة عقلانية، يجعلها عصية أكثر على التجنيد وغسل الأدمغة الذي تمارسه الجماعات الدينية.

لكن تحقيق الإصلاح الديني ليس منوطا بجهاز الدولة وحده. بل لا بد لمؤسسات المجتمع المدني من الانخراط في هذا النشاط، وهذا الانخراط يتطلب قدرا من الحرية والشفافية سواء في وسائل الإعلام أو تعاطي الدولة مع هذه المؤسسات.

فلابد من إعادة النظر في/أو تعديل القوانين القمعية والمعيبة التي لا تزال تكبل حرية الرأي والفكر والاعتقاد مثل مواد ازدراء الأديان أو المواد المشابهة في قانون العقوبات وغيره من القوانين. فهذه التشريعات هي اليوم بمثابة السيف المسلط على رقاب الباحثين والمثقفين والمفكرين وأصحاب الكلمة عموما الذين يتعرضون للمحاكمة والسجن بسبب التعبير عن آرائهم، التي هي في الغالب تندرج ضمن إعادة النظر في الخطاب الديني وليس شيئا آخر.

من هنا نقول إن دعوة الرئيس المصري لإصلاح هذا الخطاب هي دعوة محمودة، ومطلوبة وبدونها من الصعب إحداث نهضة اقتصادية في مصر، لكن هذه الدعوة بحاجة إلى قنوات صحيحة تمر عبرها وإلى إرادة جادة لتنفيذها على أرض الواقع، وهي بحاجة أيضا إلى مناخ من الحريات ومن العمل السياسي والإعلامي والثقافي

الذي يسمح بإجراء نقاشات معمقة وحقيقية بشأن الدين ودوره في المجتمع وعلاقة الدولة بالدين ودور المؤسسة الدينية.. الخ، الأمر الذي من شأنه أن يساعد الدولة في نهاية المطاف على خلق رأي عام يستوعب ويتقبل فكرة الإصلاح الديني ولا يبدو الأمر كما لو أنه قرار مفروض من أعلى وبواسطة السلطة السياسية.

لذلك من المهم متابعة ما يجري في مصر لرؤية ما إذا كانت دعوات الإصلاح الديني حقيقية أم مجرد تمنيات.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.