فرز أوراق الاقتراع في الانتخابات الروسية
نجح الاستخدام المفرط للعنف من قبل الأجهزة الأمنية الروسية ضد المحتجين في تقليم أظافر المعارضة

نجح الاستخدام المفرط للعنف من قبل الأجهزة الأمنية الروسية ضد المحتجين في تقليم أظافر المعارضة غير المدجنة، وفي تقويض مخططات المعارض المدني ألكسي نافالني لدفع الناخبين إلى التصويت الذكي بعد منع شخصيات معارضة من الترشح للانتخابات التشريعية، ومنع المؤسسات الدولية من مراقبتها، الأمر الذي أثار شكوكا كبيرة حول نتيجة التصويت الإلكتروني، خصوصا في العاصمة موسكو التي أعطت نتائجها فور إعلانها دفعة قوية لحزب روسيا.

أما النجاح الآخر لعنف السلطة أو ما يمكن تسميته بترهيب الدولة، فهو أعادة إنتاج الديمقراطية الموجهة وفرض تصويت ممنهج لصالح الحزب الحاكم (روسيا الموحدة) عبر الضغط على موظفي القطاع العام، والشركات الكبرى المملوكة من شخصيات تابعة للكرملين، إضافة إلى تعليمات صارمة صدرت عن مدراء ووكلاء حكوميين وشخصيات أمنية وسياسية في قطاعات مختلفة  لضرورة المشاركة الكثيفة في عملية الاقتراع.

الحدث الأبرز عن عملية الاقتراع الممنهج جرى في موسكو وبعض المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية، حيث ضغطت السلطات على المواطنين في هذه المدن وخصوصا موظفي القطاع العام تجاه خيار التصويت الإلكتروني، لدرجة أن ثلث الأصوات في موسكو تم الإدلاء بها عبر الإنترنت. الأمر الذي مكن السلطات من مراقبة اتجاهات التصويت وسهل أمامها معرفة حجم الأصوات التي حصل عليها حزب "روسيا الموحدة" والتحكم بنسبها.

التحكم الإلكتروني بجزء من عملية التصويت إضافة إلى الاتهام بحشو صناديق الاقتراع باوراق إضافية، أثار غضب حتى المعارضة المدجنة في مقدمهم الحزب الشيوعي الروسي الذي يُعتبر من داعمي الرئيس بوتين تشريعيا، لكنه يتصرف كمعارض مع الحكومة، اذ طالب يوم الاثنين الفائت مباشرة بعد نشر نتائج التصويت الإلكتروني بضرورة إعادة فرز أصوات الاقتراع الإلكتروني، كما أن موسكو شهدت بعض الاحتجاجات الطفيفة اعتراضا على ما اعتبر تواطؤا من قبل إدارة بلدية موسكو في تزوير التصويت الإلكتروني.

حصول حزب "روسيا الموحدة" على 324 مقعدا من أصل 450 مقعدا في الدوما، وفر أغلبية ساحقة تسمح له بالقيام بتعديلات دستورية يحتاجها الكرملين مستقبلا، ما أدى إلى إثارة الشكوك حول عملية تزوير واسعة النطاق لم تحدث في أي إنتخابات سابقة، فالأرقام الصادمة التي حصل عليها الحزب الحاكم دفعت المعارضة حتى المدجنة إلى الحديث عن تزوير وإلى نشر مقاطع فيدو تدعم شكوكها خصوصا في مراقبة الفرز الإلكتروني.

فمن المرجح أن نصف الأصوات التي تم الإدلاء بها لحزب روسيا الموحدة في الانتخابات البرلمانية الروسية كانت مزورة وفقا لتحليل أجراه إحصائيون مستقلون، وفي تقرير نشرته وكالة الأنباء الفرنسية بعد تحليل للبيانات، أعرب عدد من المحللين التقنيين والانتخابيين عن اعتقادهم بأن نصف الأصوات التي حصل عليها حزب روسيا الموحدة مزورة، وفي حديث مع عالم الفيزياء سيرجي شلبكين أكد أن الدعم الحقيقي لحزب "روسيا الموحدة" كان حوالي 31-33%، في حين أن نسبة الإقبال على الصعيد الوطني الفعلي كانت قرابة 38%. فإذا قورن بالنتائج الرسمية التي حصل روسيا الموحدة "50%" من مجموع المقترعين ، فإن حوالي 14 مليون من الأصوات الرسمية لروسيا الموحدة كانت مزورة.

فعليا تمثل نتائج الانتخابات التشريعية "الدوما" مرفقة بنتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية 2020، تكريسا لهيمنة الكرملين، تحت غطاء الديمقراطية الموجهة التي ستثبت شرعية ومشروعية سلطة الرئيس بوتين أقله في العقد المقبل، حيث ستستمر مراكز صنع القرار الروسية في سيطرتها على مفاصل الدولة والتحكم بالثروة، مستفيدة من تعايش الشعب الروسي مع الميول الاستبدادية لنظامه، ونجاحها من خلال الدعاية وسيطرتها على القطاع العام في تقييد حركة القوى المدنية وإضعاف الأحزاب الديمقراطية والليبرالية التي تراجع تأثيرها. ففي روسيا بوتين هناك أقلية غنية تتحكم وأغلبية فقيرة محكومة.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.