(نعيدها دولة) و(قوى الدولة) و(نريد دولة) أبرز شعارات الدعاية الانتخابية في العراق
(نعيدها دولة) و(قوى الدولة) و(نريد دولة) أبرز شعارات الدعاية الانتخابية في العراق

(نعيدها دولة) و(قوى الدولة) و(نريد دولة) أبرز شعارات الدعاية الانتخابية في العراق، لكن المفارقة أن من يرفع هذه الشعارات ليس أحزابا ومرشحين يشاركون لأول مرة في الانتخابات ويقدمون أنفسهم للمشاركة في السلطة لمواجهة الخراب والفساد والفشل الذي انتجته وراكمته القوى السياسية التقليدية، بل هي أحزاب و"زعامات" دمّرت وحطّمت كلَّ ما تبقى من الدولة طوال ثمانية عشر عاماً.

التفكير باستقطاب الجمهور في مواسم الانتخابات من خلال رفع الشعارات السياسية، حتى إنْ كان بعيداً عن برنامج سياسيٍ واضح وصريح المَعالم، قد يكون مبرراً كتوظيف في الدعاية الانتخابية. لكنه يحتاج بالدرجة الأولى إلى حضور عنصر الإقناع وليس الاعتماد على الهتافات واللافتات الدعائية فحسب.

لذلك قد تكون الدعاية ساذجةً وسمجة، عندما تفكر باستغفال الجمهور والتعامل معه وكأنه يعاني من الزهايمر، وهذا ما يفعله كثيرٌ من زعماء الطبقة السياسية وحاشيتهم هذه الأيام. 

قد يكون النفاق في السياسة وسيلة لتحقيق المكاسب الآنية، لكنه لا يمكن أن يكون عاملاً في كسب ثقة الجمهور، لاسيما في ظل تجربة مريرة مع قوى وأحزاب وشخصيات سياسية لم تترك مفهوماً سياسياً ولا شعاراً إلا عملت على تحريفه عن مساره. إذ أن مَن رسَّخ في أذهان المجتمع بأنَّ الحكومة هي دُمى في مسرح العرائس لا أكثر ولا أقل، وإنَّ الأيادي التي تحرك هذه الدمى هي زعامات سياسية، لا يحقّ له الحديث عن الدولة؛ لأنَّ الدولة القوية تكون من خلال حكومة قوية وتملك القرار السياسي وتفرض نفوذها وسيطرتها على الجميع وليس العكس.

من يرفع شعار الدولة في الانتخابات، يقدّم نفسَه على أساس المفاضلة والتنافس بينه وبين من يحمل السلاحَ الموازي للدولة وجماعات سياسية لديها أذرع مسلّحة، ويريد اختزال الموضوع بثنائية: حكم الأحزاب- حكم الميليشيات.

بيد أن هذا الاختزال هو نوع من التضليل السياسي؛ لأنَّ منطق الغنيمة وليس حكم المؤسسات السياسية هو من يهمين على تفكير وعقلية أغلب الأحزاب السياسية في العراق. ومن ثمَّ، خيارات المفاضلة شبه معدومة، لأنَّ مَن يملك السلاح ويريده أن يكون أعلى من سلاح الدولة لفرض نفوذه السياسي، لا يقل ضراراً عن زعامات سياسية تريد أن تتغلغل في مؤسسات الدولة لتحوّلها إلى أقطاعيات حزبية وعائلية للزعامات السياسية وحاشيتها. وفي كلا الحالتَين ستكون الدولة منهوبةً لأنَّ الاختلاف ليس في مشاريع وإيديولوجيات بشأن إدارة الحكم، وإنما في الوسيلة التي يتم من خلالها السيطرة وفرض الهيمنة على السلطة، وكيفية الهيمنة على موارد الدولة. 

منظومة العمل السياسي التي تحكم العراق لا يمكن لها أن تنتج دولة، لأنها نتاج لموروث سياسي متراكم أمسى نمطاً سياسياً وفق منطق الترضيات المتبادلة والمساومات والصفقات بين الفرقاء السياسيين، وليس وفق منطق التوازن بين تحقيق الحد الأدنى من الحاجات الأساسية للمجتمع وبين تحقيق المصالح السياسية للأحزاب والقيادات السياسية، ولذلك باتت الغاية الرئيسة لهذه المنظومة توزيع الحصص والمغانم وليس إدارة الدولة وفق برنامج سياسي واستراتيجي. 

مَن لم يحترم إدارة ناخبيه ويتعالى عن الوظيفية البرلمانية، ولا يردد القَسَم رغم انتخابه من قبل الشعب ولم يحضر جلسات مجلس النواب، كيف يمكن أن نثق بشعاراته عن الدولة وإعادة هيبتها! ومَن ساهم بتأسيس الواقع السياسي الفوضَوي، بالتأكيد لا يمكن أن يتنج حلولاً لاستعادة الدولة التي دمّر كلَّ ركائزها وحوَّلَ مؤسساتها إلى اقطاعيات لعائلته وحاشيته ولحزبه. ومَن عمل على تهميش عمل المؤسسات الدستورية وخلق مناصب سياسية وأمنية ترتبط بشخصه، ومَن يتقاسم السفارات والممثليات الدبلوماسية التي يفترض أنها تمثل الدولة، وتقاسم إدارة المحافظات، ومَن يتقاسم موارد الدولة، يتعامل مع وزارات الدولة على اعتبار أنها فرصة استمثارية.

لذلك يبدو طريفاً من يرفع شعار الدولة في الانتخابات مَن يعمل ضمن منظومة سياسية رسَّخت أسسها على أساس قتل الدولة وضياع دمها بين الفرقاء السياسيين وسلب روحها من المجال العام؟ فمحنة العراقيين مع الطبقة السياسية، أن زعماء هذه الطبقة شركاء في الخراب والدمار والفساد الذي لحق بالدولة، وهم الآن يقدمون أنفسهم كمنقذين وقادة يسعون للإصلاح ويريدون استعادة الدولة التي خرّبوها هم لا غيرهم. 

ثمانية عشر عاماً والطبقة السياسية تتقاسم مؤسسات الدولة وكأنها أرث الأجداد والآباء! واليوم تريد من المواطن أن يثق بشعارهم الانتخابي الذي يحمل لافتة استعادة الدولة. إذ من يرفع شعار "الدولة" في الانتخابات هم أنفسهم من كان يحمل معاول تهديم دولة المؤسسات، عمل على بناء دولة الغنيمة، ومن ثمَّ، مَن فشل في بناء دولة القانون والمؤسسات لا يحقّ له أن يطالب بفرصة ثانية أو ثالثة أو أكثر، لأنَّ من يمارس السياسة وينمط سلوكه على أساس العيش في واقع اللادولة لا يمكنه أن يحمل مشروع بناء دولة، لأنَّ الثقافة السياسية التي رسختها الطبقة السياسية من خلال سلوكها في ممارسة السلطة تفصل بينها وبين بناء الدولة سنوات ضوئية، ولا يمكن أن تكون فترة الانتخابات قادرة على تصحيح ذلك النمط الفوضوي.

والفرقُ شاسعٌ بين ثقافةٍ سياسية ترسخت فيها كلُّ مظاهر الدولة، كحكم القانون والمؤسسات وممارسة تطبيقهن، وبين ثقافة سياسية رسخت كلَّ مفاهيم المجتمع التقليدي على حساب مصلحة الدولة، كاعتبار موارد الدولة (مجهولة المالك)، وتحقيق الزعامة المجتمعية من خلال السيطرة والنفوذ على المؤسسات والأموال العامة، وترسيخ الانقسام المجتمعي على أساس الهويات الفرعية، وممارسة الحكم على وفق منطق المافيات التي تريد اقصاء الخصوم بغض النظر عن الوسيلة.

كيف يمكن أن يبني دولةً مَن شارك بتهديم وتهميش دور أهم مؤسسة في بناء الدولة، ألا وهو الجيش بزجّ عناصر حزبية لم تحضر ميدان التدريب العسكري يوماً واحداً في حياتها، ومن ثمَّ تمنح أعلى الرتب وتتولى أعلى المناصب في المؤسسات الأمنية؟ وكيف يبني الدولةَ مَن يؤمن بأن معيار توزيع المناصب العليا في الدولة هو الولاء لشخص الزعيم أولاً وأخيراً وليس الكفاءة والخبرة في الإدارة؟ 

مشكلة الدولة في العراق لا يمكن اختزالها في شعار انتخابي ترفعه قوى سياسية تريد تقديم نفسها باعتبارها بديلاً لقوى السلاح، وإنما هي نتيجة لاقتصاد ريعي يسعى الجميع إلى المشاركة بالحكم للسيطرة عليه أو تقاسمه، ولثقافة سياسية في مجتمع تقليدي يؤمن بأنَّ الخلاص يتم من خلال الزعامات وليس حكم دولة المؤسسات، ولأحزاب سياسية تأسست وفق ايديولوجيات تتقاطع مع مفهوم الدولة بحدودها الوطنية ووظائفها الإدارية والسياسية، وإنما تعتبرها وسيلة لبلوغ غايات أخروية. وأخيراً غياب العقلية المؤسساتية التي تبني الدولة التي تأتي كنتيجة لتضخم الآناء عند الزعامات والسياسيين فتغدو أكبر مِن أي مؤسسة تحتويها.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.