الحضارات.. خصائص إنسانية فارقة
الحضارات.. خصائص إنسانية فارقة

يتحدّد مسار التقدم اليوم بمدى "فَهْم" و"استيعاب" و"تمثّل" الحضارة العالمية الراهنة: الحضارة الغربية. قد تبدو هذه العبارة قاسية؛ ناكِئةً للجرح النرجسي النازف في أعماق الذوات الغارقة في أوهامها؛ بقدر ما تبدو ـ في أعين هؤلاء المُتوهِّمين ـ شاطِحةً بمبالغةٍ ذات نَفَسٍ أحَادي. لكنها ـ وفي كل الأحوال ـ تبقى هي الحقيقة المؤلمة التي لا يُؤثِّر التجاهل ولا الإنكار ولا التّنكر في مستوى تحقّقها: مطابقتها للواقع.

يؤكد صموئيل هنتنغتون في كتابه الجدلي (صدام الحضارات) أن مفهوم "الحضارة العالمية" إنتاج مميز للحضارة الغربية. وهذا حَقٌّ وحقيقة، فهي فعلا: عالمية، لا بمستوى عمق هيمنتها، ولا بمستوى شمولية هذه الهيمنة، ولا حتى بمستوى التوافق الطوعي المدفوع بالإغراء التقدمي الباذخ فحسب، وإنما ـ أيضا ـ وبدرجة أهم وأكثر دلالة، لكونها حضارة فريدة/ استثنائية في قدرتها على خلق الإنسان من جديد، خلق "الإنسان الحر" الواعي بحقيقة تحررّه (أي بحتمية أن يكون تحررا مستمرا/ متطورا/ ناميا)؛ من حيث هو واعٍ بِبُعْده الإنساني.

كنتُ دائما ما أكرّر أن الحضارات السابقة على الحضارة الغربية تكتسب صفة "حضارة" على سبيل المجاز؛ لا الحقيقة، بينما الحضارة الحقيقة هي تحديدا: الحضارة الغربية، بل هي "الحضارة" بألف لام التعريف المراد به الحصر. وطبعا، كان كثيرون يغضبون من هذا، لا بدافع استحقاقات التحقيق العلمي، وإنما بدافع استحقاقات ولوازم النضال الإيديولوجي.

الغاضبون من تعريف الحضارة ـ حصرا ـ بحضارة الغرب، كانوا دائما ما يُشِيرون إلى إسهام "الحضارات القديمة"، ودورها الرائد في وضع الخطوات الأولى التي مشى عليها الغرب لاحقا؛ فأسس لحضارته. ومعنى كلامهم الأيديولوجي/ النضالي أن حضارة الغرب مجرد إضافة (ربما عابرة!) على سلسلة طويلة من الحضارات التي تحكي محاولات التحضّر الإنساني، محاولاته التي لا تنتهي في مسار النمو والارتقاء.

ويترتب على هذه "الدعوى النضالية" أن حضارة الغرب ليست "حضارة غرب" يتفرّد الغرب بمجدها، بقدر ما هي "حضارة الجميع"، فمن حق الجميع أن يفتخروا بها؛ حتى وهم يُوسِعونها نقدا وتفنيدا، بل وشَتْما، فضلا عن "الشماتة الحاقدة الحاسدة" بعثراتها العابرة في بعض الأحيان !

في المقابل، كنتُ أرد على هذه الدعوى الإيديولوجية/ النضالية بأن ما قدمته "الحضارات" السابقة ليس أكثر من أبجديّات ساذجة؛ قياسا ما تأسست عليه حضارة الغرب لاحقا. صحيح أن تلك الأبجديات كانت ضرورية في مسيرة التحضّر الإنساني (ولولا اكتشاف الأبجدية لتعذر إنتاج أعظم الكتب، ولكن يبقى النسق العقلي للكتاب العبقري يتجاوز بكثير سذاجة بدايات الأبجدية).

المهم، أن هذه الأبجديات/ هذه البدايات الساذجة، كانت ـ على حد تعبير شيخنا الجاحظ ـ: "معانيَ مطروحة في الطريق"؛ لأكثر من ألف عام. كانت متاحة للجميع، ومَرّ بها أكثرُ هذا الجميع، وكانوا عنها صُمًّا وعُمْيًّا وبُكْمًا؛ ووَحْده الغَرْب قرأ واستوعب وأبدع؛ ليخلق ما هو أكبر وأعظم من "حضارة"، أي ليخلق كَوْنًا/ عالَمًا جديدًا؛ عالما يصبح هو العالم تحديدا، وما سواه هوامش على ضفاف العالم!

لكن، لا بد أن نتساءل: لماذا أبْصَرَ الغربُ؛ من حيث عَمِي الآخرون؟ لماذا أبدع الغربُ؛ من حيث قلّد وتبلّد وأخلد إلى الأرض الآخرون؟ لماذا نجح نجاحا مبهرا/ استثنائيا بأقصى معاني الاستثناء والفرادة؛ من حيث فشل وانحطّ واضمحلّ الآخرون؟

طبعا، لم يُوجَد الغرب منذ كان على هذه الحال التي جعلت منه اليوم بوصلة الإنسان في كل مكان. يقول صموئيل هنتنغتون: "الغرب كان الغرب لزمن طويل قبل أن يكون عصريا. إن الخصائص الجوهرية للغرب، تلك التي تميزه عن غيره من الحضارات الأخرى، سبقت التحديث في الغرب" (صدام الحضارات، ص149).

إذن، ثمة خصائص كامنة في التكوين الأصلي للغرب، هي ما جعلت الغرب يُبْصِر؛ إذ عَمِي الآخرون، ويُبْدِع؛ إذ تَبلّد الآخرون، وينجح؛ إذ فشل الآخرون. وهذه الخصائص ليست مما خلقتها حضارة الغرب في الغرب لاحقا، بل هي أصيلة سابقة، وبقوة دفعها الإيجابي، تمكّن الغربُ من أن يكون غربا حضاريا على هذا النحو الاستثنائي في التاريخ.

أهم هذه الخصائص ـ كما حدّدها هنتنغتون ـ ما يلي:

1ـ الميراث الكلاسيكي. وَرِثَ الغربُ الفلسفة اليونانية والعقلانية، والقانون الروماني، واللاتينية والمسيحية. صحيح أن الحضارتين: الإسلامية والأرثوذكسية ورثتا عن الكلاسيكية، ولكن ليس بالدرجة التي ورث بها الغرب.

2ـ الكاثوليكية والبروتستانتية: المسيحية الغربية. و"هي تاريخيا أكثر خاصية متفردة وهامة في الحضارة الغربية"، حيث "وُجِد شعور جمعي نامٍ فيما بين الشعوب المسيحية الغربية"، شعور يُميّزهم عن الأتراك والمورسكيين والبيزنطيين وغيرهم.

3ـ اللغات الأوروبية. اللغة تَلي الدين كعامل مميز لشعب عن شعب آخر. و"الغرب يختلف عن الحضارات الأخرى في تعدّد لغاته. اليابانية، والهندية، والماندارينية، والروسية، بل وحتى العربية معروفة بأنها اللغة الأساسية لحضارتها".

4ـ الفصل بين السلطة الروحية والسلطة الدنيوية. وكما يقول هنتنغتون: "في الإسلام الله هو القيصر، وفي الصين واليابان قيصر هو الله، وفي الأرثوذكسية الله الشريك الأكبر للقيصر". بينما الفصل (= ثنائية الديني والدنيوي) كان هو الفصل الدائم في الثقافة الغربية. وبلا شك فإن "الفصل والمصادمات المتكررة بين الكنيسة والدولة التي صنعت الحضارة الغربية وُجِدت كما لم توجد في أي حضارة أخرى. هذا الانقسام في السلطة ساهم إلى حد عظيم في تطور الحرية في الغرب".

5ـ سيادة القانون. "فكرة مركزية القانون بالنسبة للوجود الحضاري موروثة من الرومان ". فكرة إخضاع القوة الإنسانية لكابح خارجي بقيت سائدة في الثقافة الغربية. وهذا بلا شك وضع الأساس للدستورية وحماية حقوق الإنسان.

6ـ التعددية. "تاريخيا المجتمع الغربي درج على أن يكون إلى درجة كبيرة مجتمعا تعدديا"، و"التعددية التجمعية أكملتها التعددية الطبقية"، إذ توجد "أرستقراطية قوية ومستقلة نسبيا". وهذا صنع كوابح ضد الشمولية. وكما يذكر دويتش، فإن الشيء المميز للغرب هو "انبثاق واستمرار جماعات مستقلة ومتنوعة ليست مبنية على أساس علاقة الدم والزواج".

7ـ الكيانات التمثيلية. حيث التعددية الاجتماعية أدّت مبكرا إلى بروز طبقات اجتماعية، مجالس نيابية، مؤسسات لتمثيل الأرستقراطية، ورجال الدين، والتجار، والجماعات الأخرى.. هذه تطوّرت لاحقا إلى مؤسسات الديمقراطية الحديثة.

8ـ الفردانية. العديد من الخصائص السابقة ساهمت في انبثاق إحساس بالفردية وتقاليد الحقوق والحريات الفردية متفردة بين المجتمعات المتحضرة. وبحق، "الفردية تظل العلامة المميزة للغرب بين حضارات القرن العشرين".

هذه أهم الخصائص التي أسهمت في تشكّل الغرب الحديث، ومن ثم تشكّل "الحضارة العالمية" الراهنة. ويؤكد صموئيل هنتنغتون أن هذه الخصائص لم تكن دائما سائدة في الغرب، ولا أنها ـ أو شيئا منها ـ لم تظهر في الحضارات الأخرى، فبعضها كان موجودا في بعض "الحضارات" السابقة. لكن، الجمع بين هذه الخصائص، وامتزاجها وتفاعلها، كان هو الذي أعطى الغرب الخاصية المتفردة التي ميزته عن الآخرين.

هنا، نجد أننا ـ كعرب/ كمسلمين ـ يفتقر تراثنا أشد الافتقار لكثير من هذه الخصائص؛ فكيف بها جميعا ! مما يعني أن "الإيديولوجيا الأصولية"، سواء الدينية أو القوموية، لن تستطيع أن تجتاز بشعوبها القنطرة الفاصلة ما بين "عالم التخلف" و"عالم التقدم"؛ إذ ليس في "الأصالة" و"التراث"..إلخ المقولات الشعارتية الجوفاء، ما يمكن أن يمدّ الإنسان العربي/ الإنسان المسلم اليوم بعناصر التحضر الإيجابي، أي بما يجعله قادرا على الانتماء إلى الحضارة العالمية: حضارة الإنسان.

إن الحضارة الاستثنائية الناتجة عن مجمل هذه الخصائص، وعن تفاعلها التاريخي الطويل، أصبحت تُمَثّل تركيبا حَيويًّا متماسكا، في لحظة دائمة مستمرة من الاشتغال والتطور المتراكم. وأي محاولة للاستثمار في بعض نتائج هذا التطور؛ دون تمثّله في تركيبته الحيوية، ستنتهي بصاحبها إلى الفشل التام، بل وربما إلى الفشل الكارثي.

إن "الموقف الرفضي" من الحضارة الغربية ـ بصورتها المتكاملة التي تعكسها هذه الخصائص ـ هو موقف كارثي، كما هو أيضا حال "القبول المشروط" الذي يتضمن التحلّل من أهم القيم المتضمنة الأخلاقية والمؤسساتية/ الإدارية في هذه الخصائص.

لقد اختارت اليابان قديما الموقف الرفضي. فمنذ اتصالاتها الأولى عام 1542م بالغرب وحتى عام 1868م (أكثر من ثلاثة قرون)، وهي تنتهج الموقف الرفضي الكاره للغرب والمستريب بالغرب، وبالتالي، الرافض للغرب. وعندما أيقنت أن العلمَ مصدر قوة، وأن الغرب هو مصدر هذا العلم، انتهجت "القبول المشروط"، قبول العلم/ التقنية، ورفض القيم المُؤسِّسة؛ فكانت الكارثة التي تصاعدت في سلسلة حروب، حتى انفجرت بأبشع صورها عام 1945م على رؤوس اليابانيين. حينئذ ـ وحينئذٍ فقط! ـ فهم اليابانيون الدرس جيدا، ومنذ ذلك اليوم حاولوا ـ قدر المستطاع ـ تَمثّل الحضارة الغربية في قيمها المؤسِّسة؛ فتحوّلوا إلى "خَلْق آخَر" مُخْتَلِفٍ عن أسلافهم الغابرين.

إذن، إذا كانت كارثية الموقف الرفضي أصبحت من البديهيات التي ليست محلَّ خِلاف، فإن القبول المشروط/ الانتقاء ليس إلا إحلالا للكارثة بالتدريج/ بالتقسيط؛ لتتحوّل الكارثة إلى دمارٍ شامل، يُعطي أعظم وأقسى الدروس بثمنٍ باهظٍ، أو ـوهو الأخطرـ إلى واقعةِ بناءٍ مُنْتِجٍ لِدَمارٍ مستمرٍ؛ بدل الكارثة المدمرة (= الدرس باهظ الثمن) التي رغم قسوتها؛ تطرح خيارَ الاستئناف من جديد.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.