في كُل تفصيل من الحياة السياسية والعامة في تركيا راهناً، ثمة "المسألة الكُردية": الحزب الأتاتوركي المعارض يعترف بوجود المسألة الكُردية في البلاد، بشكل استثنائي ومبهر، ويطالب بإيجاد حلول ما لها من خلال البرلمان.
الرئيس إردوغان يزور مدينة ديار بكر الكُردية ويعد بمتابعة "عملية السلام" الخاصة بالمسألة الكُردية.
"الحزب الخيّر" المعارض، المنشق والمُطابق لحزب الحركة القومية اليميني المُتطرف، يشارك حزب الشعوب الديمقراطية المؤيد للأكراد، مناقشات بشأن المستقبل السياسي في البلاد، وهكذا يجري كُل تفصيل آخر.
من بعيد، تبدو تُركيا وكأنها تعيش تحولاً تاريخياً في شأن أبرز قضية سياسية تكوينية شغلتها خلال القرن العشرين، لكن في التفاصيل ثمة ما هو مختلف تماماً.
فما يجري في تُركيا مُجرد صراع انتخابي مُحتدم فحسب، بين قُطبين سياسيين، سيخوضان واحدة من أشرس المواجهات الانتخابية في تاريخ تركيا المعاصر، التي من المتوقع أن تجري بعد قرابة عام من الآن، والتي لحدتها ومستوى تقارب حظوظ المتخاصمين عليها، سماها بعض المعلقين الأتراك بـ"واترلو تركيا"، في إشارة إلى معركة نابليون الشهيرة في وجه خصومه الأوربيين.
لسوء طالع الجبهتين المتناحرتين، فأن أصوات الكُتلة الكُردية في البلاد، ستكون حاسمة لتحديد الطرف الذي سينال سلطة البلاد، وسيحدد الكثير من ملامحها السياسية الاستراتيجية في المستقبل المنظور، ولأجل ذلك فقط، ثمة تسابق بينهما لنيل تلك الأصوات، وكل ما يطرحانه بشأن المسألة الكُردية هو لأجل ذلك فحسب، وليس نتيجة لأي تحول سياسي أو حقوقي أو إنساني أصاب بنية وعقلية واستراتيجية مُجمل هذه الأحزاب التُركية، التي كانت عبر تاريخها المُعاصر مُختلفة في كُل تفصيل، ومتفقة جوهراً على قمع المسألة الكُردية بكُل شكل.
ستنتهي كُل هذه الوعود وتتبخر مع إغلاق آخر صندوق انتخابي، هكذا ترى الأغلبية المُطلقة من القواعد الاجتماعية والنُخب السياسية والثقافية الكُردية في تُركيا. لكنها مع ذلك الإحساس المرير، لا تملك أي خيار آخر، خلا الاستثمار في هذا الشقاق، على سطحيته المُطلقة.
فـ"تحالف الشعب" الحاكم، قائم على ثنائي حزب العدالة والتنمية، المتمركز حول زعامة شمولية لشخص إردوغان، ونزعاته الإخوانية المراوغة والمتطرفة، وشريكه حزب الحركة القومية المُتطرف، الذي لا يزال يستلهم ويطبق الكثير من خطابات وتوجهات الفاشية القومية الأوروبية التقليدية.
مقابله، فأن "تحالف الأمة" المعارضة، يضم إلى جانب حزب الشعب الجمهوري القومي، المُعتق بعبادة جنرالات الجيش وقداسة المؤسس مصطفى كمال أتاتورك، بكل ما فعله بحق الأكراد، فأنه يضم "الحزب الخيّر"، المنشق عن الحركة القومية، والمزاود عليه في الكثير من النزعات القومية.
ما يحدث في تُركيا أزمة حُكم ميكانيكية فحسب، والأكراد ومسألتهم مُجرد ساعين للاستفادة من ذلك الهامش الضيق، الذي قد لا يطول لأكثر من أسابيع، ولن يكون إلا وعوداً مُجردة، عمومية وهوائية فحسب. مثلما جرى خلال تجارب لا تُحصى من تاريخ تركيا الحديث.
تأخذ الأمور هذا الطابع لأن الصراع والمنافسة بين القوى السياسية في تُركيا كان على الدوام مزاحمة سلطوية ضمن السياق الذي ترسمه "الدولة"، العميقة منها بالذات. وحينما كانت جهة سياسية ما تحاول أن تخرج من الإطار العام الذي ترسمه الدولة عبر قواها المؤسِسة، فأما أن تُمحق، مثلما كان يجري مع الأحزاب الكُردية في تركيا، أو يحدث انقلاب سياسي/عسكري، لو كان ذلك الحزب تُركياً وذو حظوظ ما لتغيير ذلك الإطار.
قمع المسألة الكُردية كان على الدوام فاعلاً تأسيساً، تُحدده هذه الدولة كخط أحمر، وتالياً كان محظوراً على القوى السياسية أن تتصارع وتختلف وتتعارك بشأنها، وأي مسعى لذلك كان يعني انقلاباً على الدولة نفسها، وليس مُجرد صراع سياسي ضمنها.
لأجل ذلك، فإن النُخب السياسية والاقتصادية، وحتى الاجتماعية والثقافية، في تُركيا قد استمرأت ذلك تماماً، وصارت تتصرف وكأنه ليس من قضية كُردية في البلاد؛ ولو اضطرت في لحظة ما لأن تتناولها لأسباب خاصة واستثنائية للغاية، مثلما يحدث راهناً، فأنها تحمل كُل سمات التراجع السريع، في أول لحظة بعد انتفاء ذلك السبب.
ثمة ما يشبه الثنائيات التي حدثت أثناء كُل تجارب "الربيع العربي". حيث كانت القوى السياسية المتصارعة في كُل دولة أنما مُختلفة على تفاصيل شديدة السطحية، مثل شخص الحاكم وجماعته ومنطقته وطائفته، إلى جانب بعض الخطاب الإيديولوجي ونمط المعيشة وشبكة العلاقات الإقليمية، وكُل شيء آخر هامشي، لا يتعلق بنمط التفكير ونوعية المُعتقد السياسي والرؤية لشكل العالم ونوع العلاقة بين المجتمع والسُلطة والحقوق المبدئية والمُطلقة للإنسان.
في تُركيا، مثل غيرها من بُلدان المنطقة، ثمة قطبان متصارعان على طرفي كُرسي السُلطة، مختلفان على الشخص الذي سيجلس على ذلك الكُرسي، ومتفقان على كُل تفصيل آخر.

