لبنان في انتظار الإنقاذ
لبنان في انتظار الإنقاذ

تطرق العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بن الحسين إلى الوضع المأساوي في لبنان خلال خطابه قبل أيام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وتحدث بصراحة عن "الظروف المعيشية اليائسة" لملايين اللبنانيين المحرومين من الأغذية والكهرباء والماء، ودعا إلى جهود دولية منسقة لإخراج لبنان من محنته.

وكان العاهل الاردني ناقش الوضع المتردي في لبنان خلال لقائه بالرئيس جوزف بايدن في البيت الأبيض قبل بضعة أسابيع  بما في ذلك نقل الغاز المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، ونقل الطاقة الكهربائية من الأردن عبر سوريا إلى لبنان.

الملك عبدالله هو المسؤول العربي الوحيد الذي يبدي اهتماما جديا بلبنان، وهو طلب عمليا من الولايات المتحدة أن تستثني الأردن ومصر ولبنان من العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا وفقا "لقانون قيصر"، رغم أن هذا الاستثناء سوف يخدم النظام السوري بشكل غير مباشر.

جهود الأردن لمساعدة لبنان دوليا ومحاولة إقناع واشنطن بلعب دور أكبر في هذه الجهود، هي آخر تعبير عن قلق الدول الصديقة تقليديا للبنان من احتمال تحوله بالفعل إلى دولة فاشلة غير قادرة على توفير الحد الأدنى من الخدمات المعيشية والطبية والأمنية لشعب لبنان الذي تحّول ثلثيه إلى فقراء خلال أقل من سنتين، والذي يقترب من المجاعة بعد أكثر من قرن من المجاعة التي زارته خلال الحرب العالمية الأولى، وحصدت مئات الآلاف من أبنائه.

خلال الأشهر والأسابيع الماضية نشرت منظمات دولية، من بينها البنك الدولي ومنظمات غير حكومية فضلا عن المطبوعات والمواقع الإلكترونية المحلية والدولية، عشرات التقارير والمقالات حول الانهيار اللبناني البطيء، وكما يبدو، غير القابل للتوقف باتجاه الفوضى الشاملة، مع ما يحمله ذلك من احتمال انفجار النزاع الأهلي.

وفي هذا السياق، قدمت الدول والمنظمات العالمية مساعدات إنسانية وطبية إلى المحتاجين اللبنانيين، على خلفية عقد مؤتمرات دولية لدراسة كيفية توفير دعم اقتصادي ومالي مشروط بتشكيل حكومة جديدة تلتزم بالحد الأدنى من الشفافية وببرنامج إصلاح مالي واقتصادي.

وتركزت جهود دول عربية وإقليمية مثل الأردن وقطر والمغرب وتركيا، ودول غربية مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والولايات المتحدة، على كيفية مساعدة المؤسسة اللبنانية التي يلتقي الجميع على ضرورة إنقاذها من الانهيار التام، أي القوات اللبنانية المسلحة. ومنذ أشهر تقدم هذه الدول وغيرها المساعدات المادية من أغذية وأدوية للجيش، التي تغطي جزءا محدودا من احتياجاته.

وتعترف قيادة الجيش اللبناني أنها عاجزة عن توفير رواتب العسكريين، التي انهارت قيمتها مع انهيار الليرة اللبنانية وارتفاع معدلات التضخم، كما هي عاجزة عن توفير الأغذية والأدوية والمحروقات إلى العسكريين وعائلاتهم. وتقدم الولايات المتحدة القسم الأكبر من المساعدات والهبات التي تحصل عليها القوات اللبنانية المسلحة. ووصلت قيمة هذه المساعدات إلى 2.5 مليار دولار منذ 2006، ووصلت إلى 216 مليون دولار في السنة المالية 2020.

ولكن الولايات المتحدة، مثلها مثل معظم الدول الغربية غير قادرة –قانونيا- على تقديم مساعدات مالية كرواتب مباشرة للعسكريين اللبنانيين. وهناك تحفظات وحتى معارضة في العواصم الأوروبية، إضافة إلى واشنطن لفكرة دفع رواتب العسكريين اللبنانيين، بسبب صعوبة مراقبة كيفية إنفاق وتوزيع هذه الرواتب، في حال تمت الموافقة على دفعها، في دولة معروفة بصيتها السيء كدولة فاسدة تحكمها طبقة مفترسة نهبت أموال وودائع الشعب اللبناني في المصارف التي يفترض أن تصون أمواله.

وأكثر ما تخشاه الدول التي تحاول مساعدة الجيش اللبناني هو انهياره وتفككه على أسس طائفية ومذهبية، إذا استمر الانهيار المالي ورافقته أعمال عنف وفوضى. انهيار القوات اللبنانية المسلحة يعني ازدياد قوة وهيمنة الطرف الثاني الأكثر تسلحا وتنظيما في البلاد، أي حزب الله، الذي تموله وترعاه إيران وتستخدمه كذراعها العسكرية في المنطقة.

جميع الحكومات التي تعاقبت على لبنان منذ انفجار النزاعات الأهلية والاجتياحات الخارجية في 1975 التزمت لفظيا بالإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري، لكنها دون استثناء أخفقت عن عمد في تحقيق أي إصلاحات جدية أو نوعية. وإذا كانت الدول الغربية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي جادة في مطالبتها للبنان بتقديم برنامج إصلاح اقتصادي ومصرفي جدي فإن الطبقة السياسية-المصرفية سوف ترفض ذلك لأنها لا تريد ممارسة الانتحار الجماعي.

وفي غياب استعداد أميركي وفرنسي لفرض عقوبات اقتصادية ضد أي شخصية لبنانية أو حزب لبناني، مع ما يحمله ذلك من تجميد ودائع خارجية وحظر سفر وغيرها من العقوبات، فإن هذه المحاولات سوف تفشل كما فشلت مساعي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي بذلها في هذا المضمار منذ انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020.

كل المؤشرات تبين أن إدارة الرئيس بايدن سوف تواصل تقليص اهتمامها بقضايا الشرق الأوسط وتخفيض وجودها العسكري في المنطقة، بعد الانسحاب من أفغانستان، وتركيز اهتمامها ومواردها في منطقة شرق آسيا لمواجهة القوة الصاعدة للصين.

وهذا يعني أن فريق بايدن المعني بالشرق الأوسط سوف يركز أولوياته على المفاوضات النووية مع إيران – إذا وافقت إيران على استئنافها – ومنع حدوث انفجار آخر بين إسرائيل وحركة حماس في غزة، وليس لإحياء مفاوضات السلام، والتصدي لإرهاب تنظيمات مثل القاعدة وداعش.

المساعدات الأميركية للبنان سوف تبقى على معدلاتها الراهنة، والدبلوماسية الأميركية في لبنان سوف تعمل وتنسق مع دول إقليمية وأوروبية لتخفيف وتيرة الانهيار اللبناني، وربما محاولة وقفه من خلال إجراءات مؤقتة، ولكن دون بذل الجهود الدبلوماسية المكثفة لمعالجة مشكلات لبنان بشكل جدي، كما حاولت إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن دون نجاح في 2006.

خلال إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، كان بين أعضاء الفريق المعني بالشرق الأوسط من يدعو إلى فرض عقوبات اقتصادية ضد أي شخصية سياسية لبنانية تعرقل تشكيل حكومة لبنانية، أو تعرقل أي اصلاح جدي، أو تكون مسؤولة عن انتهاكات لحقوق الإنسان.

خلال حملته الانتخابية، وفي الأسابيع الأولى في ولايته، وضع الرئيس بايدن مسألة دعم القيم والدول الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان في جوهر سياسته الخارجية. وفي هذا السياق وجه بايدن انتقادات لاذعة للسجل السيء لقادة تركيا ومصر والسعودية وغيرها من دول المنطقة في مجال حقوق الإنسان وجّمد بعض شحنات وصفقات الأسلحة التي وقعتها هذه الدول مع إدارة الرئيس السابق ترامب.

ولكن بايدن سرعان ما تراجع عن هذه المواقف، واستأنف شحنات الأسلحة التي جمدها في البداية، بما فيها تلك المخصصة لمصر رغم انتهاكاتها السافرة لحقوق الإنسان، بما في ذلك لمواطنين من حملة الجنسيتين الأميركية والمصرية.

وخلال الاجتماعات التي عقدها وزير الخارجية أنطوني بلينكن مع نظرائه العرب والتركي، لم يرشح عن هذه الاجتماعات أي شيء عن حقوق الإنسان ولم يتطرق إليها أحد في التصريحات العلنية. وكان صمت الولايات المتحدة حيال الإجراءات غير الدستورية التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد، مثل تعليق البرلمان وغيرها، مؤشرا على أن إدارة بايدن لا تريد الدخول في مناوشات مع هذه الدول باسم حماية حقوق الإنسان.

الموقف الفاتر الذي اعتمدته إدارة الرئيس بايدن في أعقاب اغتيال المثقف والناشط السياسي اللبناني لقمان سليم، كان بمثابة صدمة قاسية لكل مواطن لبناني يريد أن يضع حدا للانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي يمارسها حزب الله ضد منتقديه في لبنان.

البيان كان عموميا ولم يتطرق إلى دور لقمان سليم في كشف انتهاكات وتجاوزات حزب الله. هذا الموقف يقوض أي تمنيات يمكن أن تساور ذهن أي لبناني بأن تستخدم واشنطن مفاوضاتها النووية مع إيران، لفرض الضغوط عليها لتغيير سياساتها العدوانية تجاه بعض دول المنطقة، أو للجم عملائها ووكلائها.

في أفضل الأحوال قد تنجح الحكومة اللبنانية الجديدة، في الحصول على دعم اقتصادي مؤقت يمكن أن يؤدي إلى تخفيف أوجاع اللبنانيين بعض الشيء، ولكن لا توجد هناك أي معطيات محلية أو دولية تدعو لأي تفاؤل حذر بأن انزلاق لبنان إلى مرتبة الدول الفاشلة سوف يتوقف في أي وقت قريب.

أيها اللبنانيون، الوطن في الأسر، ولا يوجد هناك منقذ من الخارج.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.