الملك حسين وياسر عرفات.. سنوات شائكة
الملك حسين وياسر عرفات.. سنوات شائكة

(مئة عام من الدولة)

كانت بدايات المئة الأولى في سياقها التاريخي مرتبكة أيضا.

وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل في مكتب المندوب السامي البريطاني واتفاق تمت صياغته على عجل مع الأمير الحجازي القادم لاستعادة أي من عروش أبيه وأخوته، لإنشاء إمارة شرق نهر الأردن، وحسب الوثائق البريطانية كانت الدولة "الناشئة" تحت اختبار مؤقت على أشهر معدودة، إن نجح فيها الأمير القادم من الحجاز أن يبسط سيطرته ويفرض الأمن فالدولة قابلة للاستمرار، وقد استمرت فعلا لتدخل مئويتها الثانية.

لم يستعد عبدالله الأول، الملك المؤسس أيا من عروش أسرته التي واجهت خيباتها بكثير من الواقعية، لكنه أسس عرشا ودولة في امتداد جغرافي شرق نهر الأردن، أنماطه الاجتماعية مبنية على أسس إنتاج زراعية ورعوية، وطبيعة قاسية.

الحكومات الأولى في أول "الدولة الأردنية" كانت مناطة بشخصيات سورية ولبنانية ومن غرب النهر، كانت تلك طريقة تأطير "المؤسس" لطموحاته في الدولة التي أرادها أن تكون قادرة على التوسع في المشرق "السوري" الكبير لعل وعسى يعيد إنتاج فكرة "الدولة العربية الجامعة" التي أحبطها الإنجليز مع والده، والدولة العربية الحديثة التي بترها الفرنسيون مع شقيقه فيصل في سوريا.

بعد سنوات من التأسيس، استقر الأمير على تل "رغدان" في قرية عمان التي اختارها عاصمة ملكه، وقرر أن ترتقي الإمارة إلى مملكة بضفتي نهر الأردن، شرقا وغربا! كان الملك في "الضم الوحدوي" يحسم أخيرا معركته "السياسية" على الشرعية في الضفة الغربية مع الحاج أمين الحسيني، الذي خسر معركته بخسارة حلفائه النازيين، ولجأ إلى صديقه "وحليفه المشارك" بيير الجميل في لبنان، الذي أكرم صديقه الشيخ مفتي فلسطين بتسمية ابنه البكر باسمه، فكان "أمين الجميل"، رئيس لبنان والكتائب فيما بعد، وصديق الملك حسين الشخصي والحليف السياسي.

انحسرت فكرة "الدولة القومية في سوريا الكبرى" إلى أدنى حد ممكن مع سير الوقائع والأمر الواقع، لتنتهي بمملكة أردنية هاشمية لها دستورها الذي ينظم الدولة في الضفتين، كانت عاصمة الدولة في مدينة عمان شرق النهر على قساوة تضاريسها الجغرافية، لكن حضور الملك الدائم كان دوما في موكبه إلى القدس كل أسبوع لينتهي هناك اغتيالا أمام حفيده "الأمير" حسين، الملك الذي ورث عرشا تحت الاستهداف الدائم، ودولة بضفتين، ضفة شرقية استطاعت هضم مفهوم الدولة، وضفة غربية مشدودة على وتر توسع الفكرة الصهيونية لدولة إسرائيل، ومرتهنة على ذمة فصائل ناشئة للتحرير وأنظمة عربية هدفها القضاء على "الملك القادم من الحجاز" أكثر من أي هدف معلن آخر.

حتى حزيران 1967، كان الأردن دولة مكتملة الإدارة على الضفتين، وبالتوازي كان هناك الظهور الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية، الإسفين الأكثر نجاحا لشق الدولة الأردنية "بضفتيها" عبر مفهوم ملتبس، وهو التمثيل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

خسر الملك حسين نصف مملكته بخسارة الضفة الغربية في حرب حزيران التي هزمت فيها إسرائيل كلا من مصر وسوريا ولبنان والأردن، وباقي الدول التي شاركت بجيوشها في حرب قررها عبدالناصر وحده حين أغلق مضائق تيران "وهي التي تحمل اسم شرم الشيخ اليوم".

كان قرار 242 قرارا دوليا بقوة القانون الدولي "حتى اليوم" يقضي بانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي التي احتلتها في تلك الحرب، والقرار الدولي يعني وجود دول "حقيقية" على أرض الواقع لتطبيقه، واستعادت مصر بعد سنوات سيناء، ولا يزال الجولان حقا لسوريا حسب القرار الدولي "الفاعل حتى اليوم".

لكن الضفة الغربية انتهت إلى ورقة مفاوضات غير محسومة لأن منظمة التحرير الفلسطينية استطاعت انتزاع الإجماع العربي في قمة الرباط لتكون الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وفرضت ميثاقها الوطني لتحرير "الأرض والإنسان"، وهي كيان لا يرتقي إلى دولة فيمكن تطبيق أي قرار دولي معها أو عليها.

بقي الأردن "واقعيا" رغم كل شعارات التحرير الأفيونية، وبقيت إدارته فاعلة للضفة الغربية وشؤون "المواطنين" فيها بالتنسيق مع إدارة الاحتلال الإسرائيلي.

عام 1988، وبثورة غضب جامحة، قرر الملك الراحل حسين، أن يفك ارتباطه مع نصف مملكته في الضفة الغربية فكان "قرار" فك الارتباط المخالف للدستور الأردني، الذي بقي حتى اليوم بلا قانون يشرعه، لكنه استطاع أن يجد طريقه كحالة أمنية قابلة للتنفيذ عبر دائرة "المتابعة والتفتيش" ومؤسسات وزارة الداخلية، وتعرض مفهوم "المواطنة" في دولة المؤسسات إلى ارتجاج دائم في المخ.

--

اليوم، وعلى عتبات المئوية الثانية، لا تزال ضفتا الأردن تعيشان إرث الصراع نفسه بين الشيخ أمين الحسيني الذي كانت رهاناته دوما خاسرة، والأمير القادم بمشروع الدولة من خيبة الإخفاق في الحجاز.

في الإصلاح المنشود، لاستعادة دولة المؤسسات والقانون، وتفعيل الأحزاب، هناك مشكلة واحدة وحيوية وهامة لا يمكن تجاوزها بالقفز العالي ولا والوثب الطويل، وهي مشكلة استعادة مفهوم "المواطنة" ضمن إطار الحقوق والواجبات بكامل أهلية تلك الحقوق والواجبات.

الملك عبدالله الثاني بكل أحاديثه المعلنة والمغلقة، وحتى في أوراقه التي طرحها للنقاش ولم يناقشها أحد إلا بعد أن قرر تشكيل لجنة ملكية كانت مهمتها الأساسية مناقشة أوراق الملك فعليا، كان دوما يطمح إلى الوصول نحو حالة سياسية تتجلى "وعلى الفور" بحكومات برلمانية ضمن حياة حزبية في المشهد السياسي.

في الأردن، فعليا أحزاب مسجلة منذ عقد التسعينيات في القرن الماضي أكثر من حاجته، وأقل بكثير من حاجة المشهد السياسي الذي استغنى عن الأحزاب وعوضها بالأشخاص.

الأحزاب في الأردن، لم تكن جماعات مصالح ولا قوى ضغط حتى بالحد الأدنى، كانت تلك الأحزاب دوما إما ناديا يجمع الناس حول شخصية محددة بنهايتها ينتهي الحزب، أو أحزابا منابتها الأصلية خارج "المشهد المحلي الأردني بكل تفاصيله" فانتهينا إلى شتلات أمازونية تعيش على الري في الظل، وتزهر بالشعارات في كل مناسبة.

كان الأردن "في مشهده السياسي الحزبي" عموما ودوما يعيد بلا وعي الأدبيات البائسة لمنظمة التحرير الفلسطينية، حتى في "اليمين الأردني المتطرف" كان الحضور والمنشأ ليس أكثر من صدى للخطاب "الافترائي" لأدبيات منظمة التحرير الفلسطينية، التي أسقطت ميثاقها الوطني كله بعبارة عرفات الشهيرة وقد نطقها بالفرنسية "كادوك"، أي متساقط!

في لجنة الإصلاح الملكية التي انتهت من أعمالها، هناك مشاريع قوانين ستخرج من مخرجاتها، وهي مشاريع تهدف إلى الوصول نحو حالة سياسية تكون فيها الحكومات برلمانية، والمشهد السياسي حزبيا بالكامل!

وهذا جدا مدهش في ظل إدراك الجميع بلا استثناء، أن مفهوم المواطنة لم يتم حسمه بعد، وحسم المفهوم لا يكون بقرار "مزاجي" مضاد مثل قرار الملك حسين عام 1988، بل يتطلب قرارات مدروسة بعناية، ومرتبطة "بالضرورة" بتصور إقليمي ودولي لمصير الضفة الغربية، وهذا يعني أن الدولة بمئويتها الثانية عليها أن تعيد برمجة مفهوم المواطنة بحسم وحزم نهائي يعيد للمواطن من شتى "أصوله ومنابته" ثقته بنفسه كمواطن، حتى يستعيد بذات القوة ثقته بالدولة ومؤسساتها.

مئة عام من الدولة، كانت المواطنة في القسم الأكبر من مئويتها الأولى أفضل حالا بكثير من بدايات مئويتها الثانية، وهو ما يجعل الدخول لتلك المئوية شديد الارتباك، وكثير الالتباس.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.