علم داعش في الرقة السورية _- أرشيفية
علم داعش في الرقة السورية _- أرشيفية

في نهاية شهر أغسطس الماضي هزّ مطار كابل انفجار هائل نجم عن عملية انتحارية قام بها تنظيم داعش، ونقلت وكالات الأنباء تفاصيل هذا الحدث لأنه أدى إلى مقتل 13 جنديا أميركيا.

ونشرت وسائل الإعلام صور الجنود الشبان مع بعض التفاصيل المؤثّرة عن حياة بعضهم، كما غطّت نقل جثامينهم إلى الولايات المتحدة حيث كان في مقدمة مستقبليهم على أرض المطار الرئيس جو بايدن، وتسابقت حكومات العالم في تقديم واجب العزاء للحكومة الأميركية في خسارتها هذه، وكل هذا طبيعي فهم شباب في مقتبل العمر لا ذنب لهم سوى أنهم أتوا إلى أفغانستان قبل بضعة أسابيع في مهمة محددة هي تأمين مطار كابل خلال الانسحاب الأميركي.

ولكن في نفس هذا الانفجار قتل مئتا أفغاني بينهم عشرات النساء والأطفال دون أن يعرف العالم شيئا عن هوية هؤلاء الضحايا، فقد تم التعامل معهم إعلاميا وكأنهم مجرّد أرقام، أسماؤهم وأعمارهم وتفاصيل حياتهم لا تهم أحدا، ولم يكن هذا السلوك استثنائيا، فمن المتعارف عليه طوال السنوات الماضية تجاهل ضحايا الإرهاب الإسلامي من المسلمين، وفي هذا تتواطأ وسائل الإعلام العالمية والمحلية مع الإرهابيين الذين يريدون تصوير عملياتهم وكأنها لا تستهدف سوى قوى غريبة أو معادية للإسلام، بينما تظهر الوقائع أن الأغلبية المطلقة من ضحايا هذا الإرهاب هم من المسلمين.

ففي سوريا سيطر تنظيم داعش على مناطق واسعة وجعل منها عاصمة لخلافته، ولكن السبب الرئيسي للاهتمام العالمي بهذا التنظيم كان قيامه بعشرات العمليات الإرهابية حول العالم وانضمام أعداد كبيرة من حملة الجنسيات الأوروبية إليه وتنفيذه عمليات إعدام تم تصويرها وإخراجها على الطريقة الهوليودية وكان من بين ضحاياها صحفيون وعمال إغاثة وناشطون أميركيون وبريطانيون ومن دول أخرى، بينما في المقابل نالت مجازر التنظيم بحق السوريين اهتماما أقل، رغم أن حجمها كان أكبر بما لا يقاس.

وكان أحد الأمثلة عليها ما فعله داعش مع عشيرة الشعيطات في ريف دير الزور الشرقي، حيث قامت كتيبة البتار التي يعود أغلب عناصرها إلى دول المغرب العربي بمحاصرة مناطق الشعيطات ولاحقت أفرادها تحت ذريعة أنها عشيرة مرتدة نقضت مبايعتها للتنظيم فكانت عقوبتها قتل أبنائها الذين تجاوزا سن 14 عاما، وفعلا استمرّت عمليات ذبح ابناء العشيرة عدة أشهر تم خلالها إحراق 12 ألف منزل وبلغ عدد القتلى والمفقودين بضعة آلاف، دون أن تحظى هذه المجزرة بالتغطية الإعلامية التي تتناسب مع حجمها.

وهذا تماما ما حدث في العراق، فقد كان أول ضحايا تنظيم القاعدة هناك عشائر السنّة التي تعاونت مع الأميركيين، والتي كانت على وشك هزيمة هذا التنظيم عندما بدأت مؤشرات الانسحاب الأميركي من العراق عام 2009 فتركت هذه العشائر لمصيرها وتمّت تصفية الكثير من أبنائها على يد المتطرفين.

ومن الأمثلة الأخرى ما حدث عام 2014 حين أعدم تنظيم داعش 1700 طالب في الكلية الجوية من الطائفة الشيعية، وما أعقبها من قيام تنظيمات شيعية متطرفة بحملات تصفية مقابلة على أساس طائفي في مناطق السنّة، وكذلك دون اهتمام عالمي يذكر.

كما تقدم باكستان، التي صنفتها تقارير أميركية ملاذا آمنا للإرهابيين، مثالا واضحا عن الإرهاب الإسلامي الذي لا يستهدف سوى المسلمين، لأن أبرز ضحايا هذا الإرهاب من الأقليات الذين ينتمون إلى طوائف أو يتبعون طرقا دينية مختلفة لا تتفق مع فهم المتشددين للإسلام كالصوفيين والشيعة والجماعة الأحمدية التي كان لها نصيب مضاعف من الاضطهاد، فقد اضطهدتها الحكومة الباكستانية من ناحية حقوقها المدنية وتكافؤ الفرص، كما استهدفتها التنظيمات الإرهابية بعشرات العمليات الإرهابية التي أدت إلى مقتل الآلاف من أتباعها فاضطرت لنقل مقر نشاطها العلني الرئيسي إلى بريطانيا وبعض دول الغرب.

ولا يكفي أن المسلمين يمثلون النسبة الكبيرة من ضحايا الإرهاب الإسلامي بل أن هذا الإرهاب قد أساء إليهم بشكل غير مباشر عبر عدة طرق، فباسم مواجهة الخطر الإرهابي وجدت الأنظمة الديكتاتورية في الدول العربية مبررا لوجودها، وقدّمت نفسها للعالم باعتبارها الضمانة التي تمنع سيطرة الإرهابيين على بلادها، بل تحت عنوان مكافحة الإرهاب شددت هذه الأنظمة من قبضتها الأمنية وقامت باعتقال كل من يختلف معها من المعارضين السياسيين وحتى نشطاء المجتمع المدني ولفّقت لهم اتهامات بدعم الإرهاب.

وباسم مكافحة الإرهاب مازالت هذه الحكومات تطبّق قوانين الطوارئ وتحتفل علنيا بافتتاح المزيد من السجون.

هذا في البلاد الإسلامية، أما في المغتربات فقد أدى الإرهاب الإسلامي إلى تعقيد حياة ملايين المسلمين هناك، لأنهم كانوا يجدون أنفسهم بعد كل عملية إرهابية موضع شبهة وهناك من يحملهم مسؤولية ما يحدث.

وقال استطلاع حديث قامت به وكالة "أسوشيتد برس" ومركز "نورك" لأبحاث الشؤون العامة قبل الذكرى العشرين لاعتداءات سبتمبر أن 53 في المئة من الأميركيين لديهم آراء غير إيجابية تجاه الإسلام، وهذا غير مستغرب بعد تلك الاعتداءات التي أدّت إلى خسارة آلاف الأرواح ومئات مليارات الدولارات، والتي تركت الآلاف من صور المآسي التي من الصعب نسيانها.

كما ظهر كرد فعل على العمليات الإرهابية للمتطرفين الإسلاميين ممارسات وجرائم كراهية بحق المسلمين في كثير من دول العالم، شملت اعتداءات بدنية عليهم، وإشعال حرائق في ممتلكاتهم، وتخريب دور عبادتهم بالإضافة إلى المضايقات العلنية والتهديد والتمييز ضدهم.

وتمثل جريمة الاعتداء على مسجدين في نيوزيلندا وقتل عشرات المصلين قمة حالة الكراهية هذه، وبدل الاعتراف بمسؤولية الإرهاب الإسلامي عن مشاعر الغضب التي انتشرت عند شرائح واسعة من المجتمعات الغربية، كانت تنظيمات الإسلام السياسي تستخدم جرائم الكراهية في الغرب لبث المزيد من مشاعر العداء تجاه بقية العالم عند المسلمين، حتى تستمر إلى ما لا نهاية الحلقة المفرغة من الغضب والكراهية، وردود الفعل عليها، بما يخدم المتطرفين من جميع الجهات.

أما على المستوى السياسي فقد أدّى الإرهاب الإسلامي إلى نمو وزيادة شعبية أحزاب اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية المعادية للمهاجرين في الغرب، حتى وصل حجم وقوة هذه الأحزاب إلى درجة مؤثرة في الحياة السياسية لتلك الدول، وكانت شعبية هذه الأحزاب ترتفع مع كل جريمة يقوم بها الإرهابيون الإسلاميون ومع ما يقوم به بعض المسلمين هناك من ممارسات تظهر عدم اندماجهم في مجتمعاتهم الجديدة، وسلوكهم الذي يوحي بأنهم يرفضون قيم ومفاهيم تلك المجتمعات.

واليوم، ومع اتّضاح الرغبة الغربية والأميركية تحديدا بالانسحاب من العالم الإسلامي ومشاكله التي لا تنتهي، والتي لن يكون الخروج المتسرّع من أفغانستان سوى خطوته الأولى، تحوّل عبء مواجهة الإرهاب الإسلامي إلى المسلمين أنفسهم، وبات عليهم إيجاد الطرق الأنسب للقضاء على هذا الإرهاب وتجفيف منابعه في الفكر السلفي المتغلغل في المراكز الدينية الرسمية ومؤسسات الدولة ومفاصل المجتمع، فقد كلّفهم هذا الفكر والإرهاب الناتج عنه ما يكفي من أثمان باهظة حتى الآن.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.