خلال تظاهرة للإخوان المسلمين في مصر
خلال تظاهرة للإخوان المسلمين في مصر

نشرت وكالة الأنباء التركية (الأناضول) في 14 سبتمبر الجاري مقتطفات من رسالة بعنوان "مصر إلى أين؟"، كتبها رجل الأعمال والقيادي بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، يوسف ندا، رداً على حديث للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ذكر فيه بعض الإشارات التي فُهم منها أنها رسائل موجهة للجماعة المنخرطة في مواجهة شاملة مع النظام المصري منذ عام 2013.

لدى مخاطبته اجتماع إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في 11 سبتمبر، قال السيسي: "المجتمع على مدى الـ90 و100 سنة يتم صبغه بفكر محدد معين"، وهو ما اعتبره البعض إشارة لعمر فكر جماعة الإخوان التي تأسست عام 1928، وأضاف: "أنا لست مختلفا مع هؤلاء، لكن بشرط أن يحترموا مساري ولا يتقاطعون معي ولا يستهدفونني (..) سأقبل فكره، لكن لا يفرضه علىَّ ولا يضغط به علىَّ، لست أنا كشخص، ولكن على مصر والمجتمع".

ورداً على حديث الرئيس السيسي قال ندا: "العالم كله يعلم أن جماعة الإخوان لم تفرض فكرها على أحد طوال الـ90 سنة الماضية"، مؤكداً أن "القناعة بهذا الفكر كانت هي الدافع لخدمة الوطن، والبذل والعطاء لشعبه، والصبر على المحن والمظالم التي وقعت وتقع على أفرادها طوال تاريخها، حسبة لله وحده سبحانه وتعالى).

وأضاف ندا أن: "فتح الحوار مع رئاسة النظام المصري حاليا كما توحي رسالته يُوجب إنهاء معاناة المسجونين من النساء والرجال ومعاناة أسرهم"، مطالبا بأن تكون بداية الحوار هي إصدار قانون "العدالة الانتقالية" الذي نصت عليه المادة 241 من الدستور المصري، وختم القيادي الإخواني رسالته بالقول: "صحائفنا بيضاء، والوطن أحب إلينا من نفوسنا".

أما قول القيادي الإخواني إن جماعته لم تفرض فكرها على أحد طوال الـ90 عاما الماضية، فهو حديث يكذبه الواقع وتشهد التجربة بعكسه، فالجماعة تصدر الحكم بالخروج على صحيح الدين على كل من يختلف معها في الأفكار والتوجهات.

إن سعي الجماعة لفرض أفكارها على المجتمع بالقوة قد تبدى بوضوح في افتتاحية "العدد الأول" من مجلة "النذير" لسان حال جماعة الإخوان المسلمين في مصر، حيث دعت أعضاء الجماعة لاستخدام القوة في فرض رسالتهم إذا امتنع الناس عن التجاوب معهم: "فإذا الأمة أبت فأوثقوا يديها بالقيود وأثقلوا ظهرها بالحديد، وجرِعوها الدواء بالقوة، وإن وجدتم في جسمها عضوا خبيثا فاقطعوه، أو سرطانا خطيراً فأزيلوه، فكثير من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقر، وفي عيونهم عمى".

نحن هنا إزاء فكر لا يحتمل الاختلاف ولا يرى في الآخر سوى عضو خبيث يتوجب استئصاله، ويدعو لفرض تصوراته بالقوة، ولتوثيق الأمة بالقيود وإثقال ظهرها بالحديد إن هي اعترضت عليه. وهذا النوع من الكلام لا يخرج إلا من أناس ظنوا أنهم امتلكوا الحقيقة المطلقة.

يقوم مشروع جماعة الإخوان المسلمين على إحداث التغيير في المجتمع عبر وسائل عدة، يقف في مقدمتها الوصول للسلطة واستخدام أدواتها، ويقول قادتها إن الجماعة قامت أساسا من أجل "تمكين الدين"، وأن الاستيلاء على السلطة يعد وسيلة لتحقيق تلك الغاية.

الاستيلاء على السلطة بهذا المعنى يقود إلى الطعن في مشروعية الحكومات القائمة باعتبار أنها لا تعمل على تمكين الدين وهو الأمر الذي يُعطي المبرر لتكفيرها والخروج عليها بكافة الوسائل، ومنها الوسائل العنيفة، ومن هنا فإنه يمكننا فهم مغذى شعار الجماعة الذي يزينه سيفان ومكتوب عليه "وأعدوا"، وكذلك فإن البيعة للجماعة تتم على المصحف والمسدس.

وقد ترجمت الجماعة فكرة التغيير العنيف عمليا بإنشاء التنظيم الخاص الذي نفذ عمليات اغتيال أحمد ماهر والقاضي أحمد الخازندار ومحمود فهمي النقراشي وغيرهم، ثم تطورت الفكرة في مرحلة لاحقة على يد سيد قطب ولم تعد مقتصرة على الحكومات، بل شملت المجتمعات حيث طور الأخير مفهوم الحاكمية الذي نادى به أبو الأعلى المودودي، وأضاف إليه مفاهيم الجاهلية والعبودية والألوهية وغيرها.

ومن جانب آخر، فإن قول القيادي الإخواني: "الوطن أحب إلينا من نفوسنا"، يتناقض مع الأفكار الأساسية للإخوان، وهى أفكار لا مكان فيها للوطن، فالعضو يتربى على مقولات سيد قطب التي تنكر "الوطنية" ولا تعترف بأي رابطة سوى رابطة الإسلام، وهو القائل: "لا رابطة سوى العقيدة، ولا قبول لرابطة الجنس والأرض واللون والوطن والمصالح الأرضية والحدود الإقليمية إن هي إلا أصنامٌ تعبدُ من دون الله).

وقد ترجم مرشد الجماعة السابق في مصر، محمد مهدي عاكف، الموقف المبدئي لجماعته من مفهوم الوطن عندما قال عن بلده الذي ولد وتربى وعاش فيه: "طز في مصر"، وذلك في معرض حديثه عن رابطة العقيدة وعلوها على كل شيء سواها. أما في السودان فقد قال القيادي في الجماعة، مبارك الكودة: (لقد ربتنا الحركة الإسلامية وأخضعتنا لدراسات كثيفة لم يكن للوطن نصيب منها، فالأخ المسلم يرتبط بأخيه المسلم في أي بقعة من الأرض، ربما يكون أكثر من أخيه غير المسلم في الوطن".

وكان المرشد المؤسس حسن البنا طرح طريقة انتقال الجماعة من واقع الاستضعاف إلى قوة التمكين، عبر 6 مراحل تبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة ثم الخلافة الإسلاميَّة وأخيراً أستاذية العالم، وهو ما يؤكد أن الوطن بالنسبة للجماعة لا يمثل السقف النهائي الذي يجب أن تتوجه كافة جهودها لخدمة مصالحه، بل هناك تقاطعات ومصالح أهم من الوطن تسعى الجماعة للوصول إليها.

خلاصة القول هي أن سعى جماعة الإخوان المسلمين لفرض رؤيتها السياسية أمرٌ راسخ في صميم فكرها ومنهجها وقد تم تطبيقه عملياً عبر أسلوب الاغتيال والانقلاب العسكري من أجل السيطرة على الحكم، كما أن الوطن لا يمثل الغاية التي تنشدها الجماعة لإظهار الولاء وإشباع رغبة الانتماء، بل هو مجرد محطة مؤقتة لخدمة أهداف أعلى هي الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.