A handout picture provided by the Lebanese photo agency Dalati and Nohra on September 13, 2021 shows Lebanon's Minister of…
جورج قرداحي

منذ تبوّئه منصب وزير الإعلام في الحكومة اللبنانية الجديدة، يصر جورج قرداحي على استغلال "معلوماته" عن "حدود" الحرية الإعلامية في فرنسا، في محاولة تهدف الى "تدجين" الصحافيين والإعلاميين اللبنانيين ممّن يعارضون التركيبة السياسية في لبنان، ويرفعون الصوت في وجهها.

وآخر ما نطق به قرداحي الذي كان قد عُرِف بدفاعه عن "مجرمي حرب" مثل بشّار الأسد وعن "منشئي دويلات" مثل حسن نصرالله، قوله، في إطار تنديده بالتهجمات التي تطال الطبقة السياسية في لبنان:" في فرنسا التي هي أمّ الحريات، مثلاً، لا يمكن الإعتداء على كرامة السياسيّين".

قبل مقارنة الواقعين السياسي والإعلامي في فرنسا بالواقعين السياسي والإعلامي في لبنان، هل النموذج الذي قدّمه وزير الإعلام اللبناني صحيح؟
لا!
في العام 2013، إختفى من القانون الجزائي الفرنسي النص الذي كان يفرض غرامة مالية على كل شخص يهين رئيس الجمهورية، وهو أعلى سلطة في البلاد.
وقبل إلغاء هذه المادة، جرى تعليق العمل بها على مدى ثلاثة عهود رئاسية بدءاً بفاليري جيسكار ديستان، مروراً بفرانسوا ميتران، وصولاً الى جاك شيراك.
ولكن، في صيف العام 2008، جرى خرق لقاعدة "التعليق"، بحيث تحرّكت النيابة العامة ضد مواطن فرنسي رفع لافتة ضد الرئيس في حينه، نيكولا ساركوزي، كتب عليها:" إرحل أيّها الغبي".
وبعدما أصدرت المحكمة الفرنسية المختصة حكماً قضى بتكبيد "المهين" غرامة مالية، جرى رفع المسألة الى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي أدانت الدولة الفرنسية على الحكم الذي أصدره قضاؤها، ووصفته بأنّه يتعارض والإتفاقية الأوروبية لحماية حرية التعبير.

وفي ضوء هذا الحكم، ألغى البرلمان الفرنسي المادة التي تتيح تجريم كل من يهين رئيس الجمهورية.
وعليه، ففي فرنسا تدرّج إنهاء المسؤولية الجزائية عن إهانة السياسيين يتقدّمهم رئيس الجمهورية، وفق الآتي:
-    في ظل حكومة فيتشي التي أنشأها الاحتلال النازي لفرنسا، جرى تفعيل مبدأ حماية السياسيين من الإهانة، بحيث كان يتم سجن "المهين" لمدة سنتين.
-    بعد التحرير، جرى تعديل هذه المادة، بحيث أصبحت تقتصر على الغرامة المالية، وسرعان ما تمّ تعليق العمل بها.
-    ومنذ العام 2013، لم تعد إهانة رئيس الجمهورية تشكّل جرماً.

إلّا أنّ هذا لا يعني مطلقاً أنّ أيّ شخص يمكن أن يتعرّض للقدح والذم، سواء أكان مواطناً عادياً أم سياسيّاً، لا يحق له أن يطلب تعويضاً من المحاكم المختصة، ولكن ذلك لا يكون على قاعدة "حماية السياسيين" بل حماية الإنسان من التعرّض لشخصه، بغض النظر عن وظيفته وموقعه.

وهذه الحماية القانونية لا تشمل من "تصح إهانته"، سواء كان في القطاع الخاص أو العام، ذلك أنّ "الإهانة" تسقط بمجرّد أن يثبت "المُهين" صحة أقواله، فإذا اتّهم وزيراً، مثلاً، بالكذب، يمكنه أن يقدّم المستندات التي دفعته الى توجيه هذا  الإتهام، مثل التناقض في تصريحاته، وعدم صحة الوقائع التي يزعمها، وإذا اتّهمه بالإخلال بواجباته الوظيفية، وجرى تقديم الأدلة على ذلك، تتحرّك النيابة العامة المختصة وتفتح تحقيقات ضد الوزير وتدّعي عليه، كما هو حاصل، حالياً، بالنسبة لوزيرة الصحة السابقة آنياس بوزين التي ادّعت عليها النيابة العامة لدى "محكمة عدل الجمهورية"، بسبب شبهات حول تقصيرها في مواجهة شيوع جائحة كورونا في فرنسا.

ولم يفلح صراخ الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، لا ضد الإعلام ولا ضد القضاة ولا ضد "المتآمرين" في حمايته من صدور حكمين ضده حتى الآن، في تهم بدأها الإعلام ضده، سواء بملف التنصت الخاص أو بملف تجاوز سقف الإنفاق القانوني لحملة "تجديد" رئاسته. الحكم الأوّل هو قيد الإستئناف. الحكم الثاني الذي قضى بوضعه في السجن سنة، وصدر أمس، هو قيد التنفيذ.

ومن دون حاجة الى هذا البحث القانوني، يكفي لمتابع بسيط أن يكتشف أنّ الإعلام الفرنسي، ببرامجه الجادة كما الترفيهية والساخرة، ناهيك عن ضيوفه، لا يوفّر سياسياً ممّا يسمّى إهانة، فيما يأخذ المتظاهرون حريتهم في مهاجمة رئيس الجمهورية والحكومة، وكان على وزير الإعلام اللبناني، لو شاء تحديث معلوماته عن الدولة التي يستعين بها ضد إعلاميي بلاده وشعبه، أن يطلب تسجيلاً للتظاهرات التي تشهدها المدن الفرنسية، كل يوم سبت، ضد "شهادة التلقيح" ليعرف كيف يهين المتظاهرون رئيس الجمهورية ويشتمونه، أو أن يعود الى ما قبل جائحة كوفيد-19 ويطّلع على ما كان يحمله متظاهرو "السترات الصفراء" من شعارات ومطالب ضد ماكرون والطبقة السياسية الحاكمة.

ومع ذلك، لو سلّمنا جدلاً بصحة ما يزعمه قرداحي، فإنّ الواقعين السياسي والإعلامي الفرنسيين لا تمكن، بأيّ شكل من الأشكال، مقارنتهما مع الواقعين السياسي والإعلامي اللبنانيين، على قاعدة ما يعلّمونه الأطفالَ: لا يجوز جمع البطاطا والتفاح معاً، فحبتا بطاطا وحبتا تفّاح ليست أربع حبّات، بل هي حبتا بطاطا وحبّتا تفاح.

ففي فرنسا، هناك مساءلة ديمقراطية حقيقية للسياسيين، سواء في صناديق الإقتراع الحرّة أو بالمحاسبة البرلمانية النشطة أو بالملاحقة القضائية الفعّالة، في حين أنّه في لبنان، كل هذه الأنواع من المساءلة ممنوعة منعاً باتاً، وليس أدلّ على ذلك، سوى طريقة التعاطي الميليشياوي والسياسي مع كل محقق عدلي يتسلّم ملف انفجار مرفأ بيروت، ويحاول أن يمس شعرة في رأس سياسي، ولو من الدرجة الدنيا.

وفي فرنسا، أيضاً، الفضائح التي يكشفها الإعلام ليست إهانة ولا وجهة نظر "مغرضة"، بل هي وثائق صالحة لينطلق منها القضاء في كشف حقائق ما يمكن أن تكون قد ارتكبته الطبقة السياسية من موبقات، في حين أنّ ذلك ليس على جدول الأعمال في لبنان.

على أيّ حال، إنّ جورج قرداحي، بما يملكه من خلفية "انحنائية" أهّلته ليكون وزيراً للإعلام في لبنان، ليس سوى عنصر دعائي جديد وظيفته أن يستعين بأمثلة-ولو محرّفة جداً-من أعرق الديمقراطيات، بهدف مساعدة من عيّنوه في تعزيز الطغيان الذي يعمل الشعب اللبناني، بكل ما بقي له من حيل، لمنع إرسائه.
وجورج قرداحي، في ذلك، ليس أوّل نموذج في رحاب الديكتاتوريات ولن يكون الأخير.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.