سفينة الشحن "سيغناس" في طريقها إلى محطة الفضاء الدولية
المؤمنين بالإعجار العلمي يقولون أن القرآن تنبأ باكتشافات الفضاء

الجانب الخرافي والأسطوري في الأديان عموما واضح ولا يمكن إنكاره، سواء تعلق الأمر بتفسير طبيعة الإنسان أو الوجود أو الظواهر الطبيعية.

والإنسان إزاء ذلك أمام موقفين، إما أن يؤمن بالأديان ويقبلها كما هي أو لا يؤمن بها، لكن أن يحاول عقلنتها وجعلها تتماشى مع العلم وقوانينه فهنا تكمن الطامة الكبرى.   

يندرج ضمن ذلك خرافة الاعجاز العلمي للقرآن، كما تندرج المحاولات المرضية لاستنطاق الكلمات والجمل في القرآن والأحاديث كي تناسب ما يستجد من اكتشافات علمية ومفاهيم عصرية. بل وتحوير الكلمات وإنزال معان قديمة على كلمات حديثة أو العكس كي يقال بأنها هي المقصودة في هذه النظرية العلمية أو تلك. (على سبيل المثال كلمة "ذرة" ومعناها الأصلي في اللغة العربية النملة الصغيرة أو الهباءة ولا تعني الذرة بالمفهوم الكيميائي الحديث والتي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة).

يندرج أيضا ضمن ذلك اختلاق قصص تحوّل بعض المشاهير العالميين إلى الإسلام، وخاصة العلماء والمفكرين ورواد الفضاء منهم، بهدف الإيحاء بأنهم توصلوا إلى ذلك بفضل الإعجاز العلمي! وهي قصص تنطلي على البعض فترة من الزمن لكن سرعان ما يتم اكتشافها، حتى يعاد اختراع غيرها وهكذا. 

والملفت أن العلماء العرب والمسلمين القدماء (المقصود علماء الرياضيات والكيمياء والفلك.. الخ وليس رجال الدين) لم يلجأوا إلى القرآن أو الأحاديث في عملهم. ولم يدعوا أن هناك إعجاز علمي في القرآن مثلا.
هذا المصطلح حديث وهو نتاج عصر التأخر والجمود والشعور بالنقص من تطور الأمم الأخرى، فكان لا بد من علاج نفسي لتلك العقدة، وكان أن اهتدى بعض رجال الدين إلى هذه الخدعة الكلامية والنفسية للتعويض على المسلمين بأن جميع الاختراعات العلمية، ما كان منها وما سيكون، إنما هي موجودة تحت أيدي المسلمين ومحفوظة بين دفتي القرآن، فلا فضل إذن لتلك الأمم في اختراعاتها أو تطورها العلمي والتكنولوجي. فهي لم تسبق المسلمين ولم تتفوق عليهم بدليل أن القرآن قد اكتشف كل ذلك قبل مئات السنين!! 

والمشكلة، حسب هؤلاء، هي فقط في عجز المسلمين وكسلهم عن اكتشاف ما هو موجود بين أيديهم وافتتانهم بما لدى الأمم الأخرى. ولو أنهم آمنوا بأن كل قانون طبيعي وكل اختراع علمي وكل نظرية إنما هي موجودة في القرآن، وأن ما عليهم سوى التدبر والتأمل في آياته وسوره لتفوقوا على باقي الأمم ولبزوها في الاختراعات والاكتشافات!!

هذا هو منطق بعض رجال الدين (والأدق أن نقول الكثير منهم) في التعامل مع هذه المسألة. والمصيبة طبعا هي أن أحدا لم يسأل رجال الدين هؤلاء بما أنهم أكثر المتأملين والمتدبرين في آيات القرآن وسوره لماذا لم يكتشفوا أو يخترعوا هم أنفسهم لنا شيئا جديدا كي نباهي به الأمم الأخرى؟ 
لماذا لا يجمعون جهودهم وطاقاتهم لإثبات صحة ما يدعونه ويقولونه؟ 
لماذا تنحصر جهودهم في تلفيق ما تم اكتشافه من علوم مع خرافة الاعجاز العلمي للقرآن، بدلا من إخبارنا بما يمكن أن يكتشف أو يخترع الآن أو في المستقبل؟ 
بل لماذا لا يبادرون إلى إنشاء المعامل وأقسام البحوث في الجامعات لدراسة وتجربة ذلك الإعجاز؟ ولماذا لا يقومون بنشر بحوثهم وإنتاجاتهم الثمينة هذه في المجلات العلمية الرصينة؟ 

طبعا لن يحدث شيء من ذلك، لأني أعلم والقارئ يعلم أيضا بأنه لا يوجد إعجاز علمي في الأديان ولا هم يحزنون، وأن المسالة كلها مجرد خداع وضحك على العقول والذقون وباب من أبواب الرزق المفتوحة لهؤلاء.
وخلوها من الإعجاز العلمي لا يجب أن يكون مشكلة بالنسبة لهذه الأديان، فهذا ليس هدفها وهي لم تأت من أجل ذلك فيما اعتقد، فبحسب فهمي هدف الأديان هو مساعدة الإنسان في الجوانب الروحانية والأخلاقية. هي يفترض أن تمارس دورا شبيها بتلك التعاليم المختصة بالتنمية الذاتية. وهذه أيضا لها جوانب يمكن للإنسان أن يقبلها كما هي ويمكنه أن يرفضها، لكنه إن حاول أن يحولها الى قوانين ونظريات علمية فان الفشل حليفه لا محالة. 

لحسن الحظ فإن الإنسان ليس بحاجة إلى القيام بكل ذلك. هو يستطيع إن أراد أن يحتفظ بالاثنين وأن يبقي عقله وقلبه منفتحين على جميع الاحتمالات ومن دون أن يدعي بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة.
الشرط الوحيد لنجاحه هو عدم الخلط بين الاثنين، أو السماح لرجال الدين (ومن في حكمهم) بأن يأخذوه في نزهة إلى عالم الوهم والأكل من ثمرة الخرافة والأساطير ومن ثم الهبوط من مستوى العقل والعلم والمنطق السليم الى ما دون ذلك.

بمعنى آخر فإن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بإيمانه، وفي الغالب سيكون هذا روحانيا وليس دينيا، وفي الوقت نفسه يؤمن بالعلم والعقل وقيم الحضارة الحديثة، ولا تناقض بين الأمرين. إذ أن الروحانية، وعلى عكس الدين، هي في جوهرها سعي وبحث فردي عن المعرفة (أو الحقيقة) من دون حدود أو قيود أو مسلمات، وهي معرفة تختلف عن المعرفة العقلية أو العلمية ولكنها لا تتناقض معها، وإنما تكملها. فهي تشتغل في المساحة التي لم يصل إليها العلم والعقل بعد، لكن من دون الادعاء بأنها بديلا عنهما أو أن ما تشتغل عليه هو الحقيقة المطلقة. فحين يكون لكل فرد حقيقته الخاصة به ينتفي المطلق.. كل مطلق. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.