موافقة الأكثرية والأغلبية أو حتى الإجماع لو تحقق لا يعني المصداقية.
موافقة الأكثرية والأغلبية أو حتى الإجماع لو تحقق لا يعني المصداقية.

كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن تعبير "الثوابت الدينية"، فكلما تجرأ أحد أن يتحدث عن "تجديد" الخطاب الديني أو تجاسر مفكر ما على الاقتراب من هذه الكلمة -التي يكاد يجعلها البعض محرمة – لا بد أن يتبعها بكلمة بدون مساس بالثوابت الدينية!

شيء جميل، ولكن الأجمل أن يتفضل علينا المتحدثون أو الشيوخ الأفاضل الذين يصرون على استخدام هذا التعبير بوضع تعريف واضح له!

فإن كان ما يقصدون بتعبير "الثوابت الدينية" هو وجود الله والملائكة والكتاب والنبيين كما تقول الآية القرآنية الكريمة "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" (البقرة 285)، فألف أهلاً وسهلاً بهذه الثوابت!

وإن كان مفهوم الثوابت الدينية هو ما تقوم به طالبان وداعش وبوكو حرام وغيرها من الجماعات المتطرفة مثل قتل المرتد ورجم النساء في الشوارع والحروب لنشر الدين وإذلال غير المسلمين وإجبار الناس على أداء شعائر الدين من صيام وزكاة وصلاة فلا أهلاً ولا سهلاً بهذه "الثوابت".

وإن كانت هذه الممارسات من الثوابت الدينية فما الفارق إذاً بين من يؤمنون بهذه المبادئ كجزء لا يتجزأ من الدين وبين الجماعات الإرهابية المذكورة سالفاً!

فكل الفارق بأمانة شديدة هو أن هذه الجماعات الإرهابية ربما لديها بعض الوضوح مع نفسها لتنفذ الشر الذي يؤمنون به على أرض الواقع. أما من يؤمن بهذه الأفكار ولا ينفذها فهو منافق يخادع الجميع بقبوله مبدأ تغيير الخطاب الديني ولكن حقيقة واقعه أنه لا يريد تغيير هذه الأمور والتي يجب أن تتغير وهو يريد إبقاء الحال كما هو عليه. فلا معنى لتغيير الخطاب الديني دون "المساس" بقيم العنف والهمجية المذكورة!

وأعجب شيء في هذا الأمر أن الكثير ممن يريدون تغيير الخطاب الديني دون المساس بالثوابت الدينية لا يريدون المساس بكتاب "صحيح البخاري" والذي ما أنزل الله به (أي البخاري) من سلطان. وقد يقول قائل ولكن هناك إجماع على صحة "صحيح البخاري" والرد على هذا أن هذا الرأي جزء من الخيال البشري المنسوج حول هذا الكتاب، فلو كان هناك معترض واحد على "صحيح البخاري" (وأتشرف أن أكون واحداً منهم!) لما تحقق الإجماع المذكور (إجماع الأمة)!

فالإجماع يعني نسبة مئة بالمئة. وفوق ذلك فإن موافقة الأكثرية والأغلبية أو حتى الإجماع لو تحقق لا يعني المصداقية، فكما قال القرآن الكريم " وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ (أي الأكثرية) يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ" (الأنعام 116). فمنذ متى كان اتباع الأغلبية طريقاً إلى الحق؟

ولو كانت "كتب الحديث والتراث" من الثوابت الدينة أيضاً، فإن ذلك يعني أن غمس الذبابة في الشراب والأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وقتل الأسرى كما حدث مع يهود خيبر وإباحة زواج الطفلات اقتداء بزواج الرسول عليه السلام من عائشة وهي بنت سبع سنين وغسل الوجه ببصاق الرسول كما روى عن الصحابة هو من "ثوابت الدين" التي لا يجوز لأحد الاقتراب منها! وحدث ولا حرج عن كيف تتسبب هذه الأمور من إهانات للإسلام في جميع بقاع الأرض!

وكلمتي لكل من يرفض المساس بالثوابت الدينية أن يخرج علينا بوضوح لما يقصد، فلا معنى لتجديد الخطاب الديني بدون المساس بل وبدون تدمير مثل هذه "الثوابت".

فكفانا نفاقاً ورياءً بأن نتظاهر برغبتنا وقبولنا لمبدأ تغيير الخطاب الديني؛ ونحن نضمر في أنفسنا قبولاً لمبادئ العنف والغلظة التي تضعنا في خانة واحدة مع تنظيم داعش وغيره من الجماعات المتطرفة.

وللحديث بقية!

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.