صناعة القرار هبة وأسلوب حياة يطال القرار السياسي والفكري والعلمي
صناعة القرار هبة وأسلوب حياة يطال القرار السياسي والفكري والعلمي

في جلسة افتراضية جمعتني ببعض الأصدقاء من المهاجرين القدامى في الولايات المتحدة الأميركية للتحاور حول بعض شؤون الهجرة والاندماج وما يتعلق بهما من إشكاليات مستجدة، استرعت انتباهي ملاحظة ملفتة ساقها أحدهم وتتعلق باختلاف آليات التفكير والتعبيرات اللغوية المتعلقة بها.

تتلخص ملاحظة الصديق الثاقبة بأن العديد من المهاجرين، العرب وغير العرب، ورغم إتقان معظمهم للغة الانكليزية بشكل جيد أو متفوق أحياناً، إلا أنهم مازالوا يستخدمون شفاهة أو كتابة تعبير (Take a decision) أي أخذ القرار، فيما يستخدم الأميركيون من أصول أميركية أو بريطانية بشكل تلقائي تعبير (Make a decision) أي صناعته. 

اختلاف بدا للبعض مجرد خيارات تعبيرية شكلانية دون وجود فارق بنيوي في المعنى. في حين صنفه البعض الآخر بالفارق الكبير والجوهري الذي يصنع بدوره فارقاً كبيراً وجوهرياً، وأحاله إلى الخوف المتوارث في الجينات الذي يحمله معه المهاجر القادم من بلدان يتجذر القمع فيها، بحيث لا يميز بين الاتكالية في أخذ قرار صنع مسبقاً، أو المشاركة في صناعته.

حوار أعاد شجن المقارنات بين المجتمعات المستلبة وتلك الحرّة التي يتمتع فيها الفرد بحرية التعبير ويربى على أسسها. وهي حرية لا تقود الفرد إلى صنع قراره بكامل إرادته فقط، بل إلى امتلاك فائض مضاف من حرية الحلم التي تنتهي غالباً بابتكارات تخدم مجتمعه أولاً ثم تتخطى حدود مجتمعه في معظم الأوقات وتصل إلى مرتبة العالمية وخدمتها.

صناعة القرار هبة، وأسلوب حياة يطال القرار السياسي والفكري والعلمي، والفني، والرياضي وغيرها. حيث يمكن لأحدهم في تلك المجتمعات أن يفكر في خلوة ما بجهاز الهاتف، لتجده قد صنع قراراً أفضى في النتيجة إلى اختراع الهواتف الذكية التي ستغير طبيعة حياة شعبه وبالتالي طبيعة حياتنا أجمعين.

كثيرة هي الشواهد التي يمكن أن تذكر في السياق، لكن من المهم التأكيد هنا إلى أن الفرد صانع القرار هو انعكاس جلي لمجتمع قوي، فما الذي جعل من بعض الدول فاعلة وصانعة قرار، في حين توقفت الأخريات عند حدود التلقي؟ 

يمكن الاستشهاد بتجربة الولايات المتحدة الأميركية، وهي أكبر دولة عظمى في العالم تصنع القرار اليوم ويترقب العالم برمته هذه القرار. لم تبن هذه السمعة من فراغ، أو تمكنت من صنع القرار بآليات تنحو نحو الاعتباطية، بل تستند كما غيرها إلى ديمقراطيات راسخة ودستور وقوانين لا يتجاوزها أصحاب الشأن مهما علا شأنهم.

أهم ركائزها، الايمان بالمقدرات الفردية وتسخيرها لخدمة التفكير الجمعي، التي تفسح لها في المجال أروقة مراكز البحث العلمي المستند إليها في صنع القرار. وهي مراكز شهيرة ومؤثرة، تستقطب، بل تبحث بنفسها عن النوابغ من الأفراد والأدمغة المتفوقة التي تحمل أفكاراً جديدة وخلاقة في شؤون الفن والفكر والخيال وكافة التخصصات الاقتصادية والعلمية وغيرها، ترفه حياتهم، وتتركهم لمهمتهم الوحيدة الجليلة وهي: البحث والتفكير.

مراكز تعمل على متابعة ورصد وتحليل كل ما يصدر من نتاج حيوي عن النشاط البشري العالمي. لا تهمل أو تستخف بناتج ما، وتقاطع كل ما يتوفر لديها مع شبكة متشعبة تضم نتائج أبحاث مراكز الاستخبارات والاحصاء واستطلاعات الرأي وما تنشره وسائل الاعلام، أضف إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت مؤشراً حيوياً يعتمد عليه في الرصد والتحليل والتقييم النهائي.

يدخل كل ما تقدم من حصاد داخل مطحنة فكرية كبرى، ويوضع في طريقه كل السيناريوهات والاحتمالات والتحديات المتوقعة التي تعتمد على بيانات أحدث الأدمغة الالكترونية، قبل أن تخرج بقرار، ساهم فيه كل عقل بمفرده، لكن صنعته في النتيجة آلاف العقول، سيستند إليه الساسة لاحقاً في رسم السياسات والاستراتيجيات الكبرى التي تعلن في موعد زمني يتوافق مع معطيات محددة ودقيقة.

على سبيل المثال لا الحصر، هل كان قرار الانسحاب من أفغانستان الذي اتخذه الرئيس جو بايدن قبل أسابيع مزاجياً، بحيث نام وصحا وجلس للإفطار ثم قرر اتخاذه كإلهام وجودي مفاجئ؟؟ أو جاءته إشارة خضراء بعد استخارة في المنام؟؟ أم هو قرار صنع في مراكز القرار منذ سنوات طويلة، وتصادف أوان استحقاقه الزمني مع الفترة الرئاسية للرئيس بايدن؟  

في واقع الأمر، لا يمكن لمفهوم صناعة القرار أن يكون فاعلاً إن لم يستند إلى محرك قوة اقتصادية يدعمه في الخلفية، والأهم أن يتكامل في جوهره مع المفاهيم العامة التي تمجد حقوق الانسان. حيث سيفضي غياب هذه الركيزة إلى صناعة، وإن كانت قوية، إلا أنها ذات محتوى ناقص المذاق لافتقاده إلى عظمة الجوهر البشري، ويمكن الاستشهاد هنا بالصين كقوة عظمى وصانعة قرار بدورها، لكن الفارق شاسع بينها وبين أميركا التي يهرب إليها الصينيون بالملايين، ولم نسمع يوماً عن أميركي فرّ من جور بلاده إلى بكين طالباً اللجوء.

وهو ما يثبت أهمية "الإنسانية" في صنع القرار الذي قد يصيب بعضه على المدى القصير، وقد يخطئ بعضه على المدى الطويل، بحيث تبيح الحنكة والمرونة إمكانية التراجع عنه، رغم أن القرار الخاطئ يصنف بأحد أخطاء الأمة الاستراتيجية ويصعب في المعتاد غفرانه بسهولة، إلا أنه في النهاية صناعة بشرية تخطئ وتصيب وليس قدراً حتمياً، كمثل بعض قرارات الحروب الخاطئة التي تحتاج إلى الكثير من المداواة والتعافي وبذل جهود مضاعفة لأجل صناعة السلام. 

لا جدوى تذكر هنا لإجراء المقارنات بين دول ومجتمعات تصنع القرار، وأخرى مازالت تأخذ به وترسم مسارها استناداً إلى جهود فكرية صنعها الغير. دول كسولة اختارت الاتكالية وعدم إجهاد نفسها بالتفكير، أو تعليم أبنائها التفكير والسماح لهم بالقيام بهذه المهمة عنها. أقصى ما تسمح به هو صناعة أكبر منسف أرز، أو أكبر منقوشة زعتر، أو أطول سندويشة فلافل، مع الاحترام والتقدير لهذا التراث.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.