التساؤل عن مستقبل المشهد السياسي يظل مشروعا، لكنه لا يدخل في صلب الاهتمامات الأولية لعموم الشارع المغربي
التساؤل عن مستقبل المشهد السياسي يظل مشروعا، لكنه لا يدخل في صلب الاهتمامات الأولية لعموم الشارع المغربي

في خضم الانتخابات التي جرت في 8 سبتمبر 2021، عرفت أسعار العديد من المواد الأساسية في المغرب ارتفاعا ملحوظا، مس القدرة الشرائية للمواطنين. ويعتقد البعض أنه جرى استغلال الانتخابات كغطاء لتمرير تلك الزيادات التي ترهق كاهل الأسر المغربية، وتفاقِم أوضاعها المادية المتأثرة سلباً بتداعيات الجائحة.

كما أن أول قمع لحرية التظاهر السلمي في ظل الأغلبية الجديدة، جرى السبت الماضي (25 سبتمبر 2021) لما استعملت الشرطة القوة لمنع وقفة احتجاج سلمية أمام مبنى البرلمان، دعت إليها الجمعية المغربية لحماية المال العام، تنديدا بعودة المفسدين إلى المجالس المنتخبة، وللتعبير عن رفض منحة مالية لوزراء الحكومة المغادرة. مما يطرح أسئلة وعلامات استفهام حول ملامح المرحلة السياسية المقبلة في المغرب. 

التساؤل عن مستقبل المشهد السياسي يظل مشروعا، لكنه لا يدخل في صلب الاهتمامات الأولية لعموم الشارع المغربي. ولا يعني هذا عدم عناية المغاربة بالقضايا المتصلة براهنهم ومستقبلهم، بقدر ما هو انعكاس لمدى حجم العزوف السياسي المترسخ منذ عقود لدى أغلب الفئات والطبقات الاجتماعية، خصوصا منها فئات الشباب.

 يقول شاب من مدينة طنجة (شمال) في العقد الثالث من عمره: "لست معنيا بَتاتًا بمثل هذه الأسئلة. لا أمل لدي في أن تتغير أحوالنا نحو الأحسن بمجرد انتقال التسيير من حكومة كان يقودها حزب يوصف بكونه "حزبا إسلاميا" إلى حكومة تقودها جماعة يقال عنها إنها من "ليبرالية". لسنا مشغولين بالبحث عن الفرق لأنه غير موجود أصلا". 

ويواصل الشاب، وهو جامعي مجاز عاطل، قائلا بمرارة: "لا جديد يذكر.. الناس منشغلة بهمومها اليومية بعيدا عن صراعات أهل السياسة والأحزاب، تكافح بصعوبة من أجل تأمين لقمة العيش."

القصر والمعارضة

مع صعود الأغلبية الجديدة، لا بأس بلمحة سريعة حول أحزابها الثلاثة.
حزب التجمع الوطني للأحرار، وأمر بتأسيسه الملك الحسن الثاني بعد انتخابات 1977، وعين على رأسه صهره الوزير الأول حينها أحمد عصمان. كانت الغاية من إنشاء هذا الحزب مواجهة المعارضة اليسارية التاريخية، وفي مقدمتها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. أما رئيس الحكومة المعين الحالي، رجل الأعمال عزيز أخنوش، فجيء به في سنة 2016 من خارج شخصيات حزب عصمان، بعد أن سبق له الترشح في انتخابات سابقة مع حزب الحركة الشعبية. وتحول إلى تقنوقراطي من دون انتماء حزبي لضرورة استمراره وزيرا في الحكومة. ومنذ عقد ونصف وهو وزير للفلاحة والصيد البحري والعالم القروي والمياه والغابات.

وحزب التجمع الوطني للأحرار عضو في الأغلبية السابقة التي قادها حزب العدالة والتنمية "البيجيدي". إضافة إلى مشاركة أخنوش في حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، مثل "الأحرار" في الحكومة السابقة كل من محمد بنشعبون: وزيرا للاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، ومولاي حفيظ العلمي: وزيرا للصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الأخضر والرقمي، ونادية فتاح العلوي: وزيرة للسياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي. 

 في سنة 1980، اعترض نواب الاتحاد الاشتراكي (15 نائبا) على تمديد فترة البرلمان وقدموا استقالاتهم احتجاجا، فقرر الحسن الثاني تعيين رئيس التجمع الوطني للأحرار أحمد عصمان في مهمة المعارضة، مؤكدا أن المعارضة شأن ضروري للحكومات، و"إذا لم توجد المعارضة علينا إنشاؤها". لكن ما لبث أن تراجع الاتحاديون تحت التهديد وخضوعهم لابتزاز وزير الداخلية إدريس البصري. ليعود "عصمان المعارض" إلى موقع حزبه الذي أريد له أن يكون ممثلا لمصالح الباطرونا والأعيان وكبار الموظفين. 

صانعو الخرائط

منذ بداية سنوات الاستقلال شرع النظام في تفريخ أحزاب وصفت دائما بـ الأحزاب "الإدارية"، وبـ "المخزنية". وتم تسييرها بالريموت كونترول من طرف مستشار الحسن الثاني أحمد رضا غديرة والجنرال محمد أوفقير، وبعدهما وزير الداخلية إدريس البصري، هذا الأخير أبدع على مدى أكثر من عقدين في صنع خرائط سياسية لا تعبر عن حقيقة المشهد السياسي في المغرب. واستمر الأمر في العهد الجديد بخلق حزب الأصالة والمعاصرة "البام" بنفس "الوصفة الكيميائية" إياها التي اخترعها غديرة وأوفقير وطورها البصري. 

في 2009 أشرف الوزير المنتدب سابقا في الداخلية، فؤاد عالي الهمة، المستشار الحالي للملك، على تأسيس حزب "البام"، وتم استقطاب عناصر يسارية ومعتقلين سياسيين سابقين لتلوين الحزب بمزيج من أضواء الحداثة واليسارية والليبرالية. وأوكلت إليه مهمة أداء دور المعارضة في مواجهة حزب "البيجيدي". لكن اللعب ظل مكشوفا أمام الأنظار، إذ لم يدخل "البام" المعترك بأسلوب وخطة مغايرة، خصوصا بعد هيمنة شخصيات الإقطاع والأعيان ومن الوصوليين على الحزب. 

أما حزب الاستقلال فقد تأسس في فترة الكفاح ضد الاستعمار. وبعد بضعة سنوات على الاستقلال عرف الحزب الانشقاق بقيادة الزعيم المهدي بنبركة، ودخل الحزب تدريجيا تحت عباءة النظام  كممثل لمصالح الطبقة الأرستراقطية. وبعد حوالي أربعة عقود تبعه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. حيث ظل النظام يلاحق كل معارضة حقيقية جذرية. إذ المعارضة - حسب الحسن الثاني - يجب أن تكون لسياسة الحكومة وليس لنظام الحكم. 

في سياق المصالحة بين النظام والمعارضة التاريخية، استدعي الحسن الثاني قبل وفاته بخمسة عشر شهرا، المعارض عبد الرحمن اليوسفي الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي لتشكيل حكومة "التناوب التوافقي"، وألزمه بالقسم على المصحف. وإن لم يكشف رسميا عن مضمون القسم السري، فقد تردد أنه يتعلق بتأمين الانتقال السلس للحكم من الملك لولي عهده. لكن عند أول انتخابات شهدها العهد الجديد في 2002، ألقي باليوسفي خارج الحكومة، وجيء بالتقنوقراطي إدريس جطو، ما عرف بــ"الخروج عن المنهجية الديمقراطية"، رغم تبوؤ حزب الاتحاد الاشتراكي للرتبة الأولى انتخابيا، التي تضمن دستوريا لليوسفي الاستمرار في رئاسة الحكومة. 

حلاوة المنهجية الديمقراطية 

بعد ظهور "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، تم الاستنجاد بحزب إسلامي، ساهمت أجهزة المخابرات في صنعه عبر رجل القصر الدكتور عبد الكريم الخطيب. قيل يومها إن "البيجيدي" قام بدور كتيبة الإطفاء. ولم يكن من الممكن التخلص من حزب "البيجيدي" سريعا، لكن "الفيتو الملكي" أشهر بقوة ضد استمرار أمينه العام عبد الإله بنكيران على رأس الحكومة بعد انتخابات 2016. وتزعم عزيز أخنوش "البلوكاج" الذي أطاح ببنكيران. وبعد ولايتين سيذوق "البيجيدي" من نفس الكأس التي تجرعها اليوسفي. لكن هذه المرة تم تذويب قطعتين من سكر "المنهجية الديمقراطية" في الكأس التي قدمت إليه بلغة صناديق الاقتراع، في انتخابات يشكك العديد من المراقبين في نزاهتها. هكذا طرد "إسلاميو القصر" شر طردة.

إن من الخطأ الاعتقاد بأن "البيجيدي" عاقبه الناخبون لأنه كان ينفذ خلال قيادته للحكومة برنامجا إسلاميا، والحقيقة التي اتضحت أمام الجميع أنه كغيره من الأحزاب الأخرى، وقد رمت به رياح "ثورات الربيع العربي" ليتصدر المشهد عام 2011، وليقود الإئتلاف الحكومي لعقد كامل.

لقد كان حزب "البيجيدي" خاضعا وممتثلا لتوصيات "حكومة الظل". ووقع العثماني وثيقة التطبيع مع إسرائيل. وأجهز سلفه بنكيران على قانون التقاعد، ومس صندوق المقاصة، ولم يتردد بالتصريح  أمام البرلمان أنه آن رفع الدولة يدها لتتراجع عن مجانية الصحة والتعليم. وغيرها من الإجراءات الموصى بها من صندوق النقد الدولي. جرأة غير مسبوقة  لم تقدر أية حكومة سابقه على اقترافها.

بورصة الرشاوى

كل هذه الوقائع والمعطيات زادت وستزيد من نسبة أعداد المقاطعين للانتخابات، وتهز الثقة أكثر في مصداقيتها.

في الانتخابات الأخيرة حظيت عملية تشكيل مكاتب المجالس المحلية ببعض الاهتمام الشعبي، حيث تابع الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الانتقال من الرشاوى الصغيرة للناخبين إلى رشاوى أضخم تتجاوز 100 ألف دولار لمن يمكن تسميتهم بـ "الناخبين الكبار".

في هذا الشأن حدثت فضائح بالجملة، لعل أخطرها الموت الغامض للنائب عبد الوهاب بلفقيه في مدينة كلميم (جنوب)، وعزته التحقيقات الأولية إلى "انتحار الهالك ببندقية صيد". وكالعادة حصلت عمليات "احتجاز" للمنتخَبين لضمان تصويتهم على المكاتب المسيرة للبلديات والأقاليم. وقد انتشر فيديو على اليوتيوب، ظهرت فيه شابة منتخَبة بمجلس الرباط، تحدثث فيه خائفة وهي تبكي عن مساومات تعرضت لها، وتكلمت عن تهديدها بالقتل إن لم تذعن للارتشاء الذي عرض عليها من طرف حسن لشكر، وهو نجل الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي.

وانتشرت تقارير إعلامية وفيديوهات وتسجيلات صوتية تخص فساد العملية الانتخابية بأكثر من جهة، إلا أن السلطات الأمنية والقضائية كما يبدو لحد اليوم أغلقت الآذان ولم تحرك ساكنا عن مجمل الخروقات القانونية التي شابت الحملة الانتخابية. 

كما أن أغلب الفضائح الانتخابية طالت حزب التجمع الوطني للأحرار المتصدر الأول للانتخابات، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي حل ثانيا. ولم تخل ساحة أحزاب أخرى من الاتهام. وقد أدانت فيدرالية اليسار الديمقراطي عمليات "تواطؤ السلطات في العديد من الدوائر الانتخابية واستمرار نفس الممارسات الفاسدة في تكوين مكاتب الجماعات والمقاطعات، وصلت حد ممارسات مافيوزية خلال تدبير هذه المحطة".

وعود أخنوش

لا يعول أن تؤثر نتائج الطعون الانتخابية المعروضة أمام القضاء في صورة المشهد. كما لا يتابع المواطنون حساب إنفاق التمويل الانتخابي، علما أن أخنوش صرف ميزانية بالملايير في حملته الانتخابية التي انطلقت أشهرا قبل الوقت القانوني.

وإن كان الناخبون لا يترقبون من الصاعدين الجدد الوفاء بوعودهم التي  تكاد تتطابق، حيث تنافست الأحزاب في التباري على تقديمها لاستقطاب الناخبين، إلا أن عزيز أخنوش تميز عن الجميع بوعود عينية محددة بأرقام، منها ما يتصل بتوفير الضمان الاجتماعي لكل العاملين من خلال تعميم التغطية الصحية، مع استفادة كبار العمر من سن 65 وما فوق، من مبلغ شهري في حدود ألف درهم (حوالي 113 دولار). وإحداث 4 مراكز استشفائية جامعية جديدة. وخلق مليون منصب شغل مباشر من أجل إنعاش الاقتصاد المتأثر بجائحة كورونا. ثم الرفع من أجور المدرسين إلى 7500 درهم (850 دولار) كراتب شهري. ومنح للتلاميذ من العائلات المعوزة.

ربما سيتلكأ أخنوش، وقد يطلب بعض الوقت للوفاء بوعوده، في انتظار تنزيل "البرنامج التنموي الجديد" الذي اقترحه الملك. لكن ماذا يمكن أن يستشف مما قاله حليفه عبد اللطيف وهبي (الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة)، الذي سارع بعد تشكيل الأغلبية الجديدة، إلى التصريح لقناة ألمانية بأن الحكومة لا تمنح "الصدقات" للمواطنين، بل "سنحفزهم على العمل، ونخلق مناصب شغل، ونخلق مجالات للاستثمار...".

ما سيكرس فقدان الثقة الشعبية، ويعمق أكثر فكرة ذم السياسة وأهلها، وبأن الانتخابات في المغرب لا تعبر عن الإرادة الشعبية. وما يؤشر إلى استمرار تأزم الأوضاع. 

لقد ظل عبد الرحمان اليوسفي في رئاسته لحكومة التناوب (1998- 2002) يشكو مما وصفه بـ "جيوب مقاومة التغيير". وبعده شكا رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران (2011- 2016) ممن أطلق عليهم "العفاريت والتماسيح". وجاء سعد الدين العثماني فبلع لسانه ولم يتذكر التماسيح إلا ساعة اندحار حزبه إلى الهاوية.

فممن سيشكو غدا رئيس الحكومة الجديد عزيز أخنوش، وهناك من يتهم محسوبين على القصر كونهم "جيوب المقاومة والتغيير"، وأن حزب "البام" هو المعني بوصف "التماسيح والعفاريت". ممن سيشكو وقد آلت الحكومة اليوم إلى أحزاب القصر، وضمنها حزب الأصالة والمعاصرة.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.