سنتان على الاحتجاجات ولم تتمكن منظومة السلطة ومن يتحكم فيها من فهم شعار (نريد وطن)
سنتان على الاحتجاجات ولم تتمكن منظومة السلطة ومن يتحكم فيها من فهم شعار (نريد وطن)

تنشغل الطبقة السياسية هذه الأيام بالترويج لحملاتها الانتخابية، ويبدو أن الوقت غير متاح لديها لسماع الأخبار؛ لأنهم لو كانوا متابعين لأخبار العالَم لشعروا بالخجل، إذا افترضنا أن هذا الشعور لا يزال يعمل لديهم، من الوعود والشعارات التي يطلقونها والأخبار التي ترد من دبي باحتضانها معرض إكسبو 2020 بمشاركة أكثر من 190 دولة. فحدث مثل هذا يحتاج وقفة وتساؤلاً عمّا قدموا للعراق وللعراقيين طوال فترة تصديهم للحكم.

ومن يشاهد اللقاءات التلفزيونية والخطابات في المهرجات الانتخابية لـ"زعمائنا" و"قادتنا" السياسيين، يتأكد بأنهم لم يستمعوا إلى الخبر الذي قضت فيه محكمة فرنسية بسجن الرئيس السابق نيكولا ساركوزي عاماً واحداً مع النفاذ في قضية التمويل غير الشرعي لحملته الانتخابية عام 2012. لأنَّ دعايتهم الانتخابية تعبّر عن استباحة للمال العام. 

وأيضاً لم يستفزهم خبر مغادرة أنجيلا ميركل المنصب الحكومي الأعلى في ألمانيا بعد 16 عاماً من وجودها في السلطة، والتي اختارت المغادرة الطوعية- وليس الغياب الطوعي كما فعل مَن أوغل في دماء شباب الاحتجاجات في العراق- ورغم الشعبية التي تتمتع بها، لكنّها أعلنت عن عدم رغبتها بولاية خامسة، وغادرت المنصب بعد أن قادت أربع حكومات وأدارت أزمات صعبة بحنكة سياسية أبهرت العالم.

صاحبة مقولة "يمكننا أن نفعل ذلك" والحاصلة على لقب أفضل شخصية في عام 2015 حسب مجلة التايم البريطانية بسبب قدرتها على الإدارة في المواقف الصعبة، بدءاً من تعاملها مع الأزمة المالية ومروراً بأزمة للاجئين. لكن كل هذا لم يغريها للتشبث بالسلطة أو التحدث بالمنّة والفضل على شعبها وحماية المذهب وحقّ المكوّن، والدفاع عن القومية كما يفعل "قادتنا" الأشاوس. لأنَّ من يتدرج بالمناصب السياسية ومن يأتي للعمل السياسي بعد جهد وعَناء بالتأكيد لن يكون تمسكه بالمنصب مثل سياسيي الصدفة في بلدنا الذي يخيّم على تفكيرهم هوس السلطة، فهم من دون السلطة لا قيمة لهم.

هذه الأحداث والأخبار تأتي في وقت يستذكر العراقيون مرور عامَين على احتجاجات تشرين 2019، وبانتظار انتخابات تشرين 2021. وما بين تشرين الاحتجاجات وتشرين الانتخابات لا تزال البلاد تدور في نفس الأزمات، لا بل تراكمت بفقدان الأمل بالتغيير بعد سيطرة الانتهازيين على مقاليد السلطة بعنوان احتجاجات تشرين، وتفانيهم على تلبية مصالح قوى السلطة وتجاهل مطالب الجمهور بمحاسبة  الفاسدين وقتلة المتظاهرين.

سنتان على الاحتجاجات ولم تتمكن منظومة السلطة ومن يتحكم فيها من فهم شعار (نريد وطن)، ولذلك كيف يمكن التعويل على انتخابات تتنافس فيها قوى سياسية أغلبها يتحمل مسؤولية ضياع الوطن! لم يفهم من هم في السلطة وفي سدة الحكم هذا الشعار، ولم يتركوا مفهوماً للتخوين والعمالة للأجنبي إلا وجعلوه قريناً بمن يرفع لافتة تطالب بوطن.

الاختلاف بشأن الوطن واضح بين من هم في السلطة وبين الجمهور، إذ منظومة السلطة لا تدرك مفهوم الوطن إلا باعتبارهم حكّاما وقادة وزعماء، وموارد الدولة حقوق يتوارثونها هم وأبناؤهم وأجيالهم اللاحقة، ومن يريد أن يخرجهم من الحكم فهو يعمل لتنفيذ أجندة خارجية، لأنهم يعتقدون أن الدول الأجنبية تتأمر على تجربتهم بالحكم وتريد إقصاءهم من السلطة! وهذا الوهم يسيطر على مخيلتهم لأنهم يعتقدون أنهم أصحاب تضحيات قدموها من أجل الوطن! 

أما المواطن فهو يبحث عن وطن تكون فيه الكلمة الفصل للقانون والمؤسسات ويحقق رغبته في حياة كريمة وآمنة ومستقرة، وليس وطن تسيطر عليه مافيات سياسية وتتحكم بموارده زعاماتها وعوائلهم وحاشيتهم. من خرج في احتجاجات تشرين لم يكن يحمل شعارات تعبّر عن معاناته من فقدان وطن مستلب من قبل الأوليغارشيات التي نهبت موارده وثرواته. 

تشرين الاحتجاجات لم تخرج للمطالبة باستقالة حكومة واستبدالها بحكومة أخرى فحسب، بل طالبت بمحاسبة  حكومة تورطت بقتل أكثر من 800 مواطن، لا أن يبقى رئيس هذه الحكومة يتمتع بالامتيازات والحصانات التي تعصمه من المحاكمة، ولا أن يتحوّل إلى سياسي خارج عن الخدمة يستقبل الضيوف ويتحدث عن "منجزاته" و"خططه" التي لم يمنح الفرصة لاستكمالها!

ولم تكن من مطالب تشرين أن تأتي حكومة مهمتها الأساس توزيع المناصب بين الأحزاب السياسية، وتمرير صفقات ومشاريع تخدم قوى السلطة في توسيع دائرة نفوذها وسطوتها على مؤسسات الدولة وزيادة أعداد زبائنها. بل طالبت الاحتجاجات بحكومة تحمي المتظاهرين وتضع حداً لعمليات القتل والاختطاف التي يتعرضون لها وملاحقة جماعات السلاح المنفلت، وليس زيادة في أعداد القتلى والمخطوفين على يد جماعات مجهولة على الجمهور ومعلومة عند الحكومة.

طالبت احتجاجات تشرين بتحقيق العدالة في توزيع عادل لواردات الدولة والاهتمام بمتطلبات الأجيال الصاعدة من حملة الشهادات والباحثين عن فرص عمل، ولم تطالب بأن تأتِ حكومةٌ يكون وظيفة وزراءها ارضاء المؤسسات الاقتصادية الدولية التي يرتبطون بها ويعملون على تنفيذ أجندتها حتّى وإن كانت نتائجها زيادة الفقراء فقراً وتوسيع موارد الفساد وهدر المال العام، وبدلاً من أن تكون خطط "الإصلاح الاقتصادي" مهمتها تصيح المسار ووضع حد للتدهور، باتت تعمل على زيادة نسبة الفقراء والمهمّشين والاخلال بمدخلات الطبقة الوسطى، من دون توفير بدائل تضمن حماية الطبقات المسحوقة. 

ولم تطالب احتجاجات تشرين بانتخابات مبكرة، حتى يبقى البرلمان مقصراً في دوره التشريعي والرقابي، وعاجزاً عن عقد جلسة واحدة بحضور جميع نوابه. وأن يتم ضمان بقاء الامتيازات والمغانم حتى آخر يوم من موعد الانتخابات التي كان يفترض أن تكون مبكرة لا قبل أشهر من موعدها الدستوري. 

احتجاجات تشرين لا يمكن اختزالها بالمطالب السياسية التي تحققت على مستوى استقالة الحكومة، وتغير القانون الانتخابي، والانتخابات المبكرة. وإنما هي بداية لعنوان يشكل اجماعاً وطنياً في ذاكرة العراقيين، عندما رفعت شعار (نريد وطن). وطنُ مَن يتولّى فيه القيادة يكون وفياً ومخلصاً وأمنياً لشعب العراق ولتاريخه وحضارته وليس لأجندة خارجية. وطنٌ يحاسب كل من تسوّل له نفسه بالتفكير بنهب ثرواته وتقدميها لخدمة الأجنبي، وطن يعيش فيه العراق حراً وكريماً من دون أن يَمن عليه من نصبوا أنفسهم قادة وزعماء كانوا ولا زالوا السبب في خرابه. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.