اغتيال خاشقجي.. تساؤلات وتداعيات
اغتيال خاشقجي.. تساؤلات وتداعيات

مرت يوم السبت الذكرى الثالثة لجريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي المروّعة في العالم العربي بصمت مماثل لصمت القبور. وكأن تقطيع جسد خاشقجي في قلب القنصلية السعودية في إسطنبول على يد فريق من القتلة المحترفين بأوامر من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وفقا لأجهزة الاستخبارات الأميركية، قد جرى قبل 3 أجيال.

في واشنطن أصدر وزير الخارجية، أنطوني بلينكن، بيانا كرّم فيه إرث خاشقجي "وحياته الاستثنائية"، وجدد فيه التزام واشنطن بالدفاع عن حرية التعبير وحماية الصحفيين والناشطين والمعارضين في كل مكان.

صحيفة "واشنطن بوست" التي كان ينشر فيها خاشقجي دوريا نشرت افتتاحية جاء فيها " كانت عملية اغتيال زميلنا جمال خاشقجي قبل ثلاث سنوات، التي تمّت بأوامر من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، جزءًا من حملة بعيدة المدى تهدف لإخراس منتقدي السعودية بداخل المملكة وخارجها".

وبعد أن أضافت أن هذه الحملة مستمرة حتى اليوم، استخدمت الذكرى لتسليط الضوء على عدد محدود من الشخصيات السعودية "التي لا تزال في السجن أو غير قادرة على العيش بحرية داخل المملكة، حيث أدت المحاكمات السرية والاعتقالات والرقابة إلى خلق مناخ من الخوف."

وأصدرت منظمة اليونيسكو في نوفمبر 2019 تقريرا بمناسبة إحياء اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، كشف أن الدول العربية تمثل المنطقة الأكثر خطرا على حياة الصحفيين، خلال السنوات الخمس الماضية، حيث بلغت حصتها من حصيلة القتلى 30 بالمئة على مستوى العالم، بينما احتلت أميركا اللاتينية المرتبة الثانية (26 بالمئة) وتلتها منطقة آسيا والمحيط الهادئ (24 بالمئة).

صعق العالم عندما اكتشف كيف تمت عملية تصفية خاشقجي، ولكن إضافة إلى فظاعة الجريمة ووحشيتها، فإن وقوعها خارج حدود السعودية، جزء من ظاهرة مروّعة جديدة نسبيا لتعقب ومطاردة واغتيال الصحفيين والنشطاء السياسيين المعارضين "عبر الحدود"، ودون أي اعتبار لسيادة الدول التي تستضيف هؤلاء المعارضين أو توفر لهم الملجأ السياسي.

بعض الدول العربية لم تكتف فقط بقمع وقتل معارضيها من السياسيين والناشطين والاعلاميين داخل أراضيها، بل تعقبتهم وقتلتهم في عواصم عربية وأوروبية من بينها السعودية والعراق وسوريا والمغرب. ويمكن إضافة تركيا وإيران إلى هذه القائمة.

خلال العقدين الماضيين، وخاصة في أعقاب الانتفاضات العربية، تم تسجيل ارتفاع ملحوظ في وتيرة قتل وقمع المثقفين والإعلاميين والناشطين السياسيين في الدول العربية (وتركيا وإيران).

وفي السنوات القليلة الماضية، ومع الاستخدام المتزايد لشبكة الإنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي وما يسمى "بالذكاء الاصطناعي" وتقدم تقنيات الرصد الإلكتروني، أصبحت الأنظمة الطاغية والأوتوقراطية تمتلك وسائل فعّالة سهّلت عليها تعقب ومراقبة ما يكتبه أو ينشره الإعلاميون والناشطون في أي مكان يتواجدون فيه.

هذه الدول أصبحت تملك أذرعا طويلة تعطيها القدرة على القبض على أعناق معارضيها في الخارج، لاختطافهم أو لقتلهم في منازلهم أو مكاتبهم او حتى خلال مشيهم في الشوارع العامة.

لم يعد هناك من ملجأ آمن في أي مكان في العالم لأي معارض روسي، أو صيني، أو سعودي، أو تركي، أو إيراني. صحيح أن تقنيات الاتصال الجديدة وفرت للإعلاميين والمثقفين والناشطين، وغيرهم من المعارضين، سبلا جديدة لنشر أفكارهم وللتواصل فيما بينهم، إلا أن هذه التقنيات تحولت إلى أسلحة قاتلة في أيدي الحكام الأوتوقراطيين الجدد في العالم.

ووفقا لتقرير صدر عن لجنة حماية الصحفيين في نيويورك في مطلع السنة، قتل 50 صحفيا في الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، كانت جريمة قتل خاشقجي من أبشع هذه الجرائم.

الأطراف المسؤولة عن هذه الاغتيالات تشمل دولا مثل سوريا والعراق والسعودية، وتنظيمات إسلامية متطرفة من بينها (داعش) في سوريا والعراق، وحزب الله في لبنان. في العقود الماضية، كان حزب الله القاتل الأول للمثقفين والكتاب والإعلاميين اللبنانيين من حسين مروة الى مهدي عامل، من سمير قصير إلى جبران تويني، إلى لقمان سليم.

تطرق تقرير لمؤسسة "فريدوم هاوس" بعنوان "بعيدا عن النظر، ولكن ليس بعيدا عن الاستهداف" إلى أسلوب "القمع العابر للحدود" الذي يتضمن مجموعة من التكتيكات والإجراءات التي تستخدمها الأنظمة القمعية حاليا بشكل سافر وفي تحد صارخ لسيادة الدول أو القانون الدولي.

وهذا ما تقوم به هذه الأنظمة عندما تعبر الحدود الدولية لمطاردة مواطنيها اللاجئين إلى دول أخرى هربا من القمع والاضطهاد، إما لاختطافهم، أو لاغتيالهم أو لترهيبهم أو تخويف عائلاتهم. وهذه الانتهاكات تمارس حتى داخل دول ديمقراطية من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وكندا وألمانيا وأستراليا. ووثّق التقرير قيام 31 نظاما أوتوقراطيا باستخدام أسلوب القمع الجسدي العابر للحدود في 79 دولة أجنبية، منذ 2014.

وتعتبر روسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين من أبرز ممارسي أسلوب القمع الجسدي العابر للحدود، حيث يعتبر تسميم الضحايا الوسيلة الأنجح، وهذا ما قام به عملاء روسيا في دول مثل المملكة المتحدة وغيرها.

روسيا البيضاء وصلت إلى حد إرغام طائرة ركاب يونانية، قبل أشهر، على الهبوط في أراضيها لاختطاف معارض سياسي كان على متنها.

في السنوات الماضية اختطفت تركيا أو استردت 58 معارضا من 17 دولة. تركيا أعطت هذا النوع من القمع اسم "التطهير الدولي".

وقبل أشهر ادعت الحكومة الأميركية على 4 إيرانيين بتهمة التآمر لاختطاف مواطنة أميركية من أصل إيراني إلى دولة أخرى. وكانت السلطات السعودية قبل اغتيال جمال خاشقجي اختطفت معارضين لها من دول أوروبية، من بينهم أفراد من العائلة المالكة.

وجاء في افتتاحية لهيئة تحرير صحيفة "واشنطن بوست" قبل يومين أنه على الرغم من أن تقريرا لوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي ايه) قد حمّل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مسؤولية اغتيال خاشقجي، إلا أن الرئيس "بايدن قد قرر عدم محاسبته، كما تواصل الولايات المتحدة التعامل العادي مع المملكة، كما يتبين من الزيارة الأخيرة التي قام بها مستشار الأمن القومي جايك سوليفان للرياض، حيث اجتمع بالأمير محمد بن سلمان".

الرئيس بايدن يقول دائما إن الصراع الأيديولوجي في العالم اليوم هو بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة الأوتوقراطية، وإنه يريد أن يضع حقوق الإنسان والحريات في جوهر سياسته الخارجية.

حتى الآن لا تزال هذه السياسية تتمحور حول خطب وتصريحات بايدن، وبعض العقوبات الاقتصادية التي لا تؤدي إلى تغيير ملموس في سلوك القادة المتسلطين. في شهر ديسمبر المقبل سوف يعقد الرئيس بايدن قمة دولية لدعم الديمقراطية في العالم.

وإذا كان بايدن بالفعل يريد أن ينتقل من المواقف اللفظية والإجراءات الرمزية إلى شن حملة ديمقراطية سلمية في العالم، فإن ذلك يقتضي تطوير أساليب وتكتيكات سياسية وإلكترونية على المستوى العالمي والتعاون مع دول ديمقراطية ومنظمات دولية غير حكومية معنية بحقوق الإنسان.

أي سياسة جديدة في هذا السياق لا تشمل محاسبة مباشرة للسياسيين المسؤولين عن القمع الجسدي داخل بلدانهم أو القمع الجسدي العابر للحدود، لن تكون لها أي قيمة تذكر، لا بل ستؤدي إلى تمكين الأنظمة القمعية والأوتوقراطية على حساب ما تبقى من مكانة أو رصيد الديمقراطيات المحاصرة في العالم.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.