عُرِفَ الشاعرُ العربيُ العظيمُ أبو تمام بأنه شاعرُ ابْتِداعٍ؛ لا شاعر اتّباع، شاعر الابتكار، لا شاعر التكرار والاجترار، شاعر التجديد، لا شاعر التقليد. وهذا ما جعل الوسط الثقافي/ الأدبي المعاصر له يصطدم به على نحو حاد؛ لأنه كان وسطا ثقافيا اتباعيا تقليديا، يُقَدِّس "طرائق القدماء" في التعبير؛ كما في التفكير ويرى أن السابقين زَمنًا، هم ـ بالضرورة، وبالمنطق الزمني ـ السابقون إبداعا، وأن "التقادم الإبداعي" هو بحد ذاته فضيلة، وأن مقولة " ما ترك الأولُ للآخرِ شيئًا" هي قانون الحراك الثقافي؛ كما هي ـ من قبل ـ قانون الحياة. وبالتالي، فإن أقصى ما يستطيعه المتأخّرُ زَمَنًا هو أن يقتدي بالمُتقدِّم، إذ إن قيمة هذا المتأخر الثقافية/ الأدبية إنما تُقَاس بمدى قدرته على تمثّل ما أنتجه الأسلاف.
إذن، السلفية الثقافية/ الأدبية كانت هي المشروعية التي ينتظم الأدباء والمثقفون في صفوفها خاضعين خانعين، والويل كل لويل لمن يُفَكّر بالخروج عليها مُبْدِعا/ مُبْتَدعا؛ لأنه بهذا سيحطّم الأصنام، أصنام الثقافة التي صنعها الأولون داخل جماجم سدنة التقليد الاتباعي، وأكسبها التقادمُ قداسةً تزداد بمرور الأيام.
يقول أبو عمرو بن العلاء ـ أحد كبار سدنة التقليد ـ: "ما نحن فيمن مضى إلا كَبَقلٍ بين أصول نَخل طوال فما عسى أن نقول". و"البقل" النبت الصغير الذي يشبه الحشائش، كوريقات الجزر والخس والخيار. لاحظ مستوى احتقار الذات المعاصرة التي تبدو كوريقات صغيرة محتقرة على سطح الأرض، في مقابل صورة الأسلاف الغابرين الذين يبدون كالنخل الباسقات علوا وشموخا.
وما يقوله أبو عمرو بن العلاء هنا، إنما يقوله بلسان الوعي السائد في زمنه، إنه يُعبّر عن الذهنية العامة التي يندرج فيها عموم المثقفين والأدباء آنذاك. ومِن المُؤكَّد أن الخروج من أسرها ـ ولو قليلا ـ يحتاج لمعجزة في الإبداع؛ كما في الشجاعة، أي تحطيم الأصنام بعكس الأعراف على نحو استثنائي، كما هو الحال مع أبي تمام.
جاء أبو تمام، فوجد أن مقولة "ما ترك الأول للآخر شيئًا"، تُمَثّل عطبا ثقافيا خطيرا. أبو تمام احترم السابقين، وكان يحمل التقدير العميق لإبداعهم الأصيل، بدليل أن أجمل مختارات الشعر العربي (= الحماسة)، كانت من صنع ذاكرته وذائقته، ولكنه لم يرَ هؤلاء السابقين سقفًا إبداعيًّا، لم يرَهم المعيارَ الذي يجب أن يُحَدِّد مشروعَه الإبداعي وِفْقَ شروطهم، بل عدّهم ـ في أحسن الأحوال ـ مُجرّد مُلْهِمِين، مجرد قاعدة يقف عليها؛ لينطلق منها إلى فضاءات إبداعيه أوسع أفقا، وأعمق تصوّرا، وأجمل إبداعا. لهذا، عمد إلى هذه المقولة التقليدية التّبْليديّة: "ما ترك الأول للآخر شيئًا"؛ فقلبها رأسا على عقب، وقال ـ مُناقِضًا لها ـ في وصفه لإحدى قصائده الغنية بالإبداع:
يقول من تقرعُ أسماعَه كم ترك الأوَّلُ للآخرِ
نعم، "كم ترك الأوَّلُ للآخر!"، هي الصيغة التعجبية التي تفتح آفاقَ الإبداع، ناقضةً مقولة: "ما ترك الأول للآخر شيئًا". أشد صور الانغلاق (نفي "أي شيء" يمكن الإبداع فيه) أمام أشد صور الانفتاح (كم: ما أكثر ما ترك). هكذا اعتقد أبو تمام جازما أن السابقين فاتهم الشيء الكثير، بل الأكثر، وأن ثمة أراضي أدبية وفكرية شاسعة تنتظر التخصيب الإبداعي. ولهذا فقد بدأ يشق طريقه في الأدب على غير منوال السابقين؛ من غير أن يتنكر ـ في الوقت نفسه ـ لكل التراث السابق الذي يكن له الكثير من التقدير والاحترام.
ويؤكد جورج طرابيشي ـ في معرض مناقشته لإشكالية التراث والمعاصرة ـ أن التراث كي يكون مصدرا كبيرا للإبداع لا بد أن يكون مهمازا وليس كابحا لإرادة الحداثة، مهمازا بدل اللجام، أن نستنبت من جذوره التي تشدنا إلى أرض الماضي أجنحة نطير بها إلى سماء المستقبل (هرطقات، ج2، ص97 بتصرف). وهذا التوصيف هو ما يُحدّد ـ حقا، وبوضوح ـ الفرق بين التراثي التقليدي والمبدع، فالمبدع الحقيقي لا يتنكر للتراث في مجال إبداعه، ولكنه لا يقع أسيرا له، ولا يجعله أفقا يحدّ من انطلاقه، بل يقف عليه؛ لينظر إلى ما هو أبعد منه.
لم يكتفِ أبو تمام بأن يقول: "كم ترك الأوَّلُ للآخر!" تنظيرا، بل وضع مقولته هذه موضع التطبيق العملي. وهنا، كان من الطبيعي أن يثور عليه حرّاس التقليد، وسدنة خطاب التوثين الثقافي. فالشعر الذي بدأ يطرق أسماعهم من أبي تمام لم يكن مما اعتادوا عليه، إنه شيء جديد، شعر مختلف، يحتاج لفهم جديد ولذائقة جديدة. وبما أن الجاهل عدو ما جهل (وليس الإنسان بالمطلق عدو ما جهل، فثمة من يعشق المجهول بغية اكتشافه)، فقد سارع التقليديون التراثيون إلى الطعن في تجربة أبي تمام الشعرية، بل ونفي الشاعرية عنه بالكامل، ولم يكن لهم من معيار في هذا النفي الإقصائي الغاضب إلا معيار أنه لا يشبه في شعره الشعر القديم المُنَمْذَج كمعيار للإبداع الشعري !
ابن الأعرابي، أحد علماء الشعر التراثي الكبار، والذي كان يحفظ عشرات الألوف من أشعار العرب القدامى (حتى لقد رُوي عنه في ذلك ما يُشْبه الأساطير)، صرخ باحتجاجه الشهير ضد أبي تمام ـ قائلا ـ: "إن كان ما يقوله هذا شعرا، فكلام العرب باطل". ابن الأعرابي يضع التقابل ـ ضِدّيًا ـ بين شعر أبي تمام من جهة، وكل كلام العرب من جهة أخرى. وبما أنه من المستحيل أن يكون كل كلام العرب باطل؛ فإذن ـ من وجهة نظر ابن الأعرابي ـ كلام أبي تمام هو الباطل. عقل/ وعي ابن الأعرابي لا يستوعب اتساع دائرة الإبداع وإمكانية تنوّع مكوناتها لتحتضن الجميع، أي ليكون كلام العرب صحيحا، وكلام أبي تمام ـ أيضا ـ صحيحا، أي ليكون ثمة إبداع قديم يستحق الاحترام، وثمة إبداع جديد مختلف يستحق الاحترام أيضا. وبهذا، يتصل خيط الإبداع بالاختلاف والتنوع؛ دون أن ينقطع بانقطاع التقليد.
إننا بحق أمام "فكر يُبْطل العقل ويقيم النقل" (الثابت والمتحول، أدونيس، ص112). الإنسان التقليدي البائس يأنس بالمتوارث المألوف؛ ليس فقط من باب الألفة العاطفية، وإنما أيضا من باب الاقتصاد في التفكير، أو ما يسمى: "الكسل المعرفي"، إذ القديم المُتَوارَث المكرور لا يحتاج لإعمال عقل، بل فقط يَحتاج للنّبش الآلي في الذاكرة، واستعادة النصوص/ المقولات، بالإضافة إلى استعادة تفسيراتها وشروحها التي هي ـ في الأساس ـ ليست أكثر من تعليق نقلي.
لقد رأى أبو تمام أن "الأول" ترك لـ"الآخر" أشياء كثيرة جدا، أشياء لم تخطر أصلا على بال ذاك "الأول/ القديم". وهنا، اندفع أبو تمام في رحلة المغامرة الإبداعية ليطأ أرضا بكرا لم تطأها حوافر العقول من قبل، اكتشف عوالم لم تكن لتتخيلها عقول السابقين ولا حتى في الأحلام. وهذا قاد، ليس إلى الإبداع المحدود بحدود المألوف/ المتوقّع فحسب، بل إلى الإبداع المتجاوز الذي يكاد يقطع كثيرا من علائقه بنسق القديم أيضا. وحين يتجاوز الإبداع إلى هذا الحد، يقع ـ في أحايين كثيرة ـ في دائرة الغريب الذي سيبدو ـ داخل سياق النسق التراثي ـ غامضا، بل ـ وربما ـ مُسْتَغْلِقا.
احتاج العقلُ العربي الأدبي لقرنين تقريبا، بعد موت أبي تمام؛ حتى يستطيع اللحاق بأبي تمام. استعصى فهم أبي تمام على أكثرية الأدباء من معاصريه؛ إذ كانت عقولهم مشدودة إلى الماضي، بينما هو يعيش آفاق التطور المعرفي في عصره، وينظر ـ بعين الإبداع ـ إلى الزمن الآتي. لهذا، عندما أنشد قصيدته الرائعة "هن عوادي يوسف وصواحبه"، كان أحد كبار شعراء البلاط الطاهري/ أبو العثميل يدرك أنه يسمع شعرا جديدا مختلفا. وحيث كان أبو العثميل منفتحا نوعا ما/ نسبيا، فقد شعر بأن هذه القصيدة الغريبة تنطوي على كثير من الإبداع، وهو وإن كان فهم منها ما فهمه بعد كَدّ ذهن وبعد تأمل وتململ؛ إلا أنه لا يستطيع فهم أكثرها؛ وحينئذٍ قال لأبي تمام: يا أبا تمام، لِمِ لا تَقول من الشعر ما يُفْهَم ؟ فأجابه أبو تمام: أنت لِمَ لا تَفهم ما يُقال؟!
القول المتوارث المكرور مفهوم دائما، بينما الإبداع ـ الغريب من حيث هو غير مألوف ـ غير مفهوم غالبا، أو هو غير مفهوم إلا لدى من يتشغل وَعيُه على "الفهم" لا على "الاستذكار"؛ على "العقل المُتَفَكِّر"، لا على "العقل المتذكِّر". ومن هنا، تطالعنا حقيقة مفادها أنه كلما اتسعت دائرة الجماهيرية؛ قلَّ مستوى الإبداع، الجماهيرية هي ابنة السطحية والألفة والوضوح، بقدر ما أن الإبداع هو ابن العمق والغرابة والغموض.
ويقول الباحث الإسلامي التونسي/ صلاح الدين الجورشي عن بداية حشد الإسلاميين في تونس: "الغريب أنه بقدر ما كان الخطاب شحيحا في بعض أطروحاته وضعيفا في بنائه الداخلي، بقدر ما كان تأثيره في تلك المرحلة سريعا وواسعا ومذهلا" (الإسلاميون التقدميون، ص30). والحقيقة أن هذا ليس غريبا، بل هو جزء من طبيعة نظام الوعي الجماهيري الذي هو ـ بطبيعته الجوهرية ـ عاطفي وسطحي ونزواتي، وترتفع درجة العاطفية والسطحية والنزواتية فيه بالاطراد مع اتساع الجماهيرية، إذ الإبداع بحد ذاته نخبوي، نادر، ولهذا فهو ثمين، والمبدعون في أية أمة هم القلة النادرة، ومن يفهمهم ويتفهمهم كذلك أقليات نادرة، بينما الأغلبية الساحقة هم جماهير الاتباعية، جماهير يُفكّر لها ولا تُفكّر، جماهير تُسْتَثار بالشعارات السطحية التي تُدَاعِب مشاعرها؛ لا بالأفكار العميقة التي تعجز عن فهمها، وإن فهمتها نسبيا ـ بعد تفهيم ـ فلا تستثيرها؛ لأن مثل هذه الأفكار تتجاوز الآني والمباشر والمحسوس، بينما الجماهير لا تستطيع الانفعال حقا إلا بالآني والمباشر والمحسوس.
وهنا، تأتي المعضلة، فبما أن التقدم/ التطور هو قرين الإبداع، والإبداع غير جماهيري، بل كثيرا ما يكون الإبداع مرفوضا في الوعي الجماهيري تحت تأثير سلطة الاتباع/ التقليد التي ترى المستقبل في الماضي، تعتقده متضمنا في تراث الأقدمين، فلا بد ـ والحال كذلك ـ من الاشتغال على توسيع دائرة النخبة الابداعية التي ترى التقدم/ التطوّر في ابتداع المعاصرين، أولئك الذين يؤمنون بأن "العقل المبتدع" هو طوق النجاة، لا "النقل المتَّبع" الذي لم ولن ينجح إلا في التأسيس لحالة بلادة حضارية مصير أصحابها ـ لا محالة ـ الانقراض.
إن الاشتغال على هذه المهمة يحتاج إلى التركيز على المتغيرات المنهجية، أكثر من الوقائع التي هي موضوع التساؤل والجدال. ليست الموضوعات هي التي تُحَدّد وتُكَيّف نمط الوعي: هل هو إبداعي أم اتباعي، وإنما الذي يحدد ذلك هي المنهجيات المتبعة في مقاربة هذه الموضوعات. يُمْكنني أن أتناول قضية من قضايا الإنسان أو من مظاهر الكون والحياة يعود تاريخها لثلاثين أو أربعين ألف سنة إلى الوراء، ولكن بمقاربة عقلية/ عقلانية إبداعية، كما يمكن ـ بالمقابل ـ أن أتناول قضايا الإنسان في منتصف هذا القرن، ولكن بمقاربة تقليدية/ نقلية/ اتباعية، تقرأ الحاضر والمستقبل على خلفية تصورات عقدية منقولة عن الأسلاف؛ كما هو حال السلفيين الذين ينتظرون فتح "روما" بناء على إيمانهم بنص تراثي قديم.
