استعدادات الانتخابات العراقية
استعدادات الانتخابات العراقية

في العراق اليوم، ثمة مشهد شديد التراجيدية: سخط عال الوتيرة من الأغلبية المُطلقة لقرابة 40 مليون عراقي، تتدهور أحوالهم الحياتية يوماً بعد آخر، وفي كُل تفصيل منها، بشكل متقادم ودائم ودون أن يكون لها من قاع، حتى إن بعض المناطق صارت غير قابلة للحياة، وأخرى في طريقها لذلك.

بالمقابل، تدور رُحى معركة انتخابية طاحنة، تخوضها مئات القوى والتيارات السياسية، لتفوز بمقاعد البرلمان وتشكل السُلطة العُليا في البلاد. التي من المُفترض أن تكون مسؤولة عن كما يمس حياة المواطنين العراقيين هؤلاء، وتحسينها نحو الأفضل، لكن العكس تماماً هو الصحيح، فمجموع الساخطين هؤلاء، متأكدون تماماً من أن هذه النُخبة والقوى والتنظيمات التي ستصعد وتنفرز عن هذه الانتخابات "الحُرة"، إنما هي السبب الجوهري لفظاعة أحوالهم هذه.

في بلد طبيعي، من المُفترض أن تكون الديناميكية الانتخابية هذه، مسؤولة وكفيلة وبشكل غريزي وبديهي، عن حل كُل تفصيل من تدهور الأحوال الناس، كما أثبتت كامل التجارب الديمقراطية في التاريخ السياسي الحديث، وفي مُختلف مناطق العالم. فالشرط الديمقراطي الذي يتيح لقواعد أمة المواطنين انتخاب وتصعيد ممثليهم إلى رأس السُلطتين التشريعية والتنفيذية في البلاد، إنما يخلق ظرفاً مؤاتياً تماماً للتغلب على مختلف منغصات الحياة العامة والفردية لمجموع الناخبين، لأن الناس/الناخبين قد اختاروهم وانتخبوهم لمجموع المؤهل والثقة التي يتمتعون بها بنظر هؤلاء الناخبين.

لكن ذلك لا يحدث في العراق، وليس ثمة من أي أمل أن يحدث، ويعرف الجميع أنه لن يحدث، شيء يشبه قصة موت مُعلن.

فلا هذه الانتخابات، ولا ما سبقها كلها، استطاعت أو ستستطيع أن تُصعد شخصيات وقوى سياسية قادرة وذات مصداقية للتعامل والاستجابة مع منغصات الحياة اليومية للعراقيين هؤلاء. بل على العكس تماماً، كان هؤلاء المُنتخبون، وسيكونون، مصدراً جوهرياً لهذه المُعاناة، وهذا بالضبط جذر هذا الحالة التراجيدية العراقية.

ما يجري في العراق منذ سنوات مُجرد انتخابات مُنتظمة فحسب، دون أن تُنتج أي من مفرزات الحياة الديمقراطية الطبيعية، من حلٍ لمعضلات الحياة وخلف رفاه اقتصادي وسلام اجتماعي وتمتين لأدوار المؤسسات وفصل للسلطات.

ففي العمق ثمة ما يشبه الالتزام بهذه الانتخابات كنوع من التمرين على إعادة الحياة والشرعية لنفس السُلطة والنُخبة الحاكمة، ومعها خلق شرعية تُجنب الأقوياء في مراكز القرار وسادة المناطق وزعماء الجماعات صراع عنيفاً، وإلى جانبها توازع المغانم الرمزية والمادية فيما بينهم، وفقط كذلك. فالعملية الانتخابية أشبه ما تكون بآلية كبرى لمحاصصة السُلطة وثرواتها بين مجموعة من الحاكمين، بعدما كانوا في زمن سابق حاكماً واحداً فحسب.

حدث ذلك في العراق لأسباب مفصلية، على رأسها هوية اللحظة التأسيسية لـ "الديمقراطية العراقية"، التي بدأت عقب الغزو الأميركية عام 2003.

ففقط لرغبة أميركية تنزع للتعبير عن نهاية حُقبة حُكم حزب البعث الشمولية والواحدية، نُفذت الانتخابات الأولى بأي شكل كان، بالذات من حيث خلوها من كامل منظومة القيم الديمقراطية. من المساواة بين الجنسين مروراً بعدم احترام حرية الرأي والتظاهر، وليس انتهاء بعدم الاعتبار لقداسة حقوق الإنسان وفصل السلطات وتكامل المؤسسات.

ساهم ذلك التأسيس "المشوه" لأن تتحول الانتخابات إلى صورة وتعبير وحيد عن "الديمقراطية" في العراق، أو أن تسمح تلك العمليات الانتخابية للنُخب السياسية العراقية لأن تستغني عن كامل باقي طيف أسس الديمقراطية الطبيعة.

استفادت نفس النُخب السياسية العراقية من نمط الاقتصاد الريعي النفطي العراقي. فوصولها لسُدة الحُكم وفر لها موارد مالية هائلة، سهلة ومُتدفقة بغزارة. الأمر الذي ساعدها لأن تشتري ذمم آلاف الناشطين والفاعلين في الحياة العامة، من الذي تواطؤوا وارتضوا وتوافقوا مع تلك النُخبة السياسية على أن تكون "الديمقراطية" فقط هذه الانتخابات، دون الالتفات إلى أي تفصيل آخر.

لم تفرز النُخب العراقية أي منتوجات فكرية وسياسية وخطابية معارضة لهذا الاختصار المريع للديمقراطية إلى كونها فقط "انتخابات". فصحن السُلطة ومغانمها الدسمة، خلق "خيانة" ما بحق القيم الديمقراطية، فتوهمت هذه النُخب وأوهمت القواعد الاجتماعية بأنه يُمكن لديمقراطية ما أن تُشيد دون نقابات مهنية مثلاً!، أو حتى دون صحيفة ووسيلة إعلامية واحدة ذات مضمون ومعنى!، أو أن يكون ثمة أمل بحدوث ديمقراطية ما في دولة تعمل المحكمة الدستورية العُليا فيها كمنصة للمحاصصة بين القوى السياسية النافذة!، أو دولة تنتعش فيها الديمقراطية، بينما الفصائل المسلحة أكثر سطوة من الجيش النظامي...!

لكن ذلك ما كان له أن يتكرس ويستمر لولا التشوه البنيوي في السلوك والخيارات السياسية للنخاب العراقي طوال قرابة عقدين ماضيين.

فالأوجاع والدماء التي ورثها العراقيون من الماضي القريب، وتدخلات الدول الإقليمية وصراعاتها داخل العراق، فسحت المجال واسعاً لأن ينتخب العراقيون دوماً وأن يصعدوا قادة أقوامهم، طوائفهم وأعراقهم وحساسياتهم، لا سياسيين عموميين يستطيعون إيجاد حلول لسوء أحوالهم. فالمنتخبون العراقيون إلى مؤسسات السُلطة في العراق كانوا دوماً شعراء القبائل، الذين كانوا يملكون مصلحة جوهرية وتوافقية لزيادة الشروخ الأهلية تلك، لأن تلك الشروخ هي فقط من أوصلتهم إلى "سدرة المنتهى"، وليس أية كفاءة أخرى يملكونها ويتميزون بها.

ويُمكن إضافة أدوات وتفسيرات ومداخل لا تنتهي لهذا الوضع العراقي. إذ كيف مثلاً يُمكن أن يكون ثمة ديمقراطية ما في دولة ومُجتمع لا يُنتج شيئاً، أي شيء، يستورد كُل شيء، بما في ذلك طاقته الكهربائية وحاجاته من الخضراوات! أوليست الديمقراطية ربيبة تنظيم العمل!، أوليست السياسية اقتصاداً مكثفاً، حسب تعبير أثير للعم ماركس.

كذلك كيف يُمكن للديمقراطية وقيمها أن تجد مكانة ودوراً ومعنى، في مُجتمع مرتبط بأغلبيته المُطلقة بالمؤسسة الدينية ورجالاتها وحكاياتهم ومنطقهم وحضورهم الرمزي، مجتمع بأغلبيته ذو ولاء والتزام وتقديس لأدوار هؤلاء ورؤيتهم ورأيهم في كُل تفصيل من الحياة، بما في ذلك حياة الناس الخاصة.

في العراق اليوم، لا يُمكن لوم المؤسسات والقوى والشخصيات السياسية والبُنى الهيكلية لنظام الحُكم فحسب، فهي وإن كانت صاحبة المسؤولية الأكبر، إلا أنها ليست الوحيدة قط، فلعبة الحياة كاملة في هذا البلد، من عدم الاتفاق على نشيد وطني طوال عشرين عاماً، وصولاً إلى حكايات الجيران الذين انقضوا على جيرانهم وأوغلوا في كرامتهم أثناء الغزوة الداعشية، إلى ملايين الكارهين لفكرة العمل، تقول إن الديمقراطية لا يُمكن تحقيقها لمُجرد الرغبة أو لقرار أعلى، وأن الانتخابات ربما تكون أشياء كثيرة أخرى، قبل أن تكون "الديمقراطية".

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.