العاصمة الأردنية عمّان - مشهد عام
"القوى العدمية تلك ليست مخفية، وهي تشمل سياسيين وأصحاب مصالح ونفوذ"

"الصبة الخضراء" هي تعبير شائع أردني ذهب مثلا وله حكايته الأصلية التي تعددت الروايات فيها. 

المتفق عليه في كل الروايات أن وحدة من وحدات الجيش كان فيها أعمال بناء، و"الصبة" هي القاعدة الإسمنتية ويكون اسمها "خضراء" قبل أن تجف تماما وتصبح صلبة. 

قائد الوحدة، وحتى لا يفسد أي عابر طريق تلك "الصبة الإسمنتية" الطرية أدرج في توزيع المناوبات العسكرية في الوحدة تلك الليلة أمرا بوضع جندي حراسة على تلك الصبة "الخضراء"، وفي اليوم التالي كانت "الصبة" لا تزال طرية قليلا، فقرر الضابط تمديد فترة حراستها لليلة تالية على جدول المناوبات. 

حسب الحكاية الطريفة فإن الضابط انتقل لقيادة وحدة ثانية وحل محله ضابط آخر، كان يوقع جدول الحراسات اليومية وقد تم اعتماد بقعة "الصبة الخضراء" رسميا فيها وبقي الأمر لسنوات طويلة على هذا النحو: جندي بكامل لياقته العسكرية يبقى متيقظا لحراسة بقعة إسمنتية جفت وقست ولم تعد خضراء لكنها في جدول المناوبات الرسمية اسمها : "الصبة الخضراء". 

الملك عبدالله الثاني سيستلم "مخرجات" اللجنة الملكية للتطوير والتحديث مرفقة، حسب ما علمنا، بورقة سياسية مكثفة تشكل خارطة طريق للدولة في سبيل تمهيد تلك المخرجات على أحسن ما يمكن، وتلك المخرجات ستجد طريقها بعد ذلك من الحكومة كمشاريع قوانين وتشريعات لها طريقها الدستوري في البرلمان الأردني بغرفتيه الأعيان والنواب. 

النواب الذين يدركون أن مقترحات الإصلاح ستدفن حضورهم من جديد، وهم فعليا إفرازات مرحلة يفترض أن يتم وأدها حية حتى تنهض "كما هو مأمول" دولة المؤسسات والقانون الدستورية، ضمن منظومة برلمان يتم، حسب ما ورد من خاطرة طريق إصلاحية، ضخ الوعي السياسي فيه بالتدريج وعلى مراحل للوصول بعد فترة زمنية لا تتجاوز العشر سنوات، كما قيل، إلى حكومات برلمانية مبنية على مشهد سياسي حزبي، تتبلور فيه ثلاثة أو أربعة أحزاب تمثل في برامجها للحكم شتى أصول ومنابت وأفكار المواطن الأردني الذي، حسب التمنيات القصوى، سيستعيد مفهوم المواطنة كحقوق وواجبات بلا تمييز وعلى مسطرة المساواة تحت القوانين! 

تلك مهمة ستبدأ الآن، والمطلوب من حكومة الملك (غالبا هي الحكومة الحالية التي يترأسها الدكتور بشر الخصاونة)، أن تقوم بالدفاع عن رؤية الملك المتجلية في مخرجات اللجنة التي شكلها الملك نفسه، والدفاع هنا ليس إعلاميا وحسب، بل تشريعيا أمام مجلس نواب قلنا إنه يدرك أن المخرجات ستكون نهاية تركيبته الحالية والبائسة المكررة منذ سنوات. 

الحكومة، إن بقيت كما هو مأمول لغايات ضبط جودة الاستقرار وعدم الدخول في متاهات التشكيل الجديد، مطالبة بالتعديل على الأقل لغايات ضبط ذات الجودة ورفع سوية روحها القتالية في معركة قادمة بلا شك أمام مجلس نواب، وقوى مصلحية "ظاهرة وخفية" مهتمة بعدم التغيير، فالتغيير يعني تذويبها تماما وتلاشيها، وذلك من خلال فريق وزاري فيه رأس حربة يملك "مزيجا ساحرا بين السياسي والقانوني" والتعبير لسياسي أردني رفيع المستوى. 

مدير المخابرات العامة يؤكد في كل حديث له أمام من يلتقيهم أنه سينفذ، كعسكري تلقى الأمر، أوامر "قائده الأعلى" الملك بتنفيذ الرغبة بالإصلاح، وهذا يعني بترجمة حديث مدير المخابرات إلى وقائع أن التدخل الأمني "المعطل" انتهى وأن توجيهات الدائرة للنواب أو للإعلام تم وقفها، ورفع اليد عن الجميع. 

المشكلة هنا أن رفع اليد عن كل من اعتادوا التحرك بتوجيهات لا يعني استقامة الأمور بقدر ما يعني انفلاتا غير محسوب، لأن التوجيهات كانت على الأقل "ضبطا" للتحركات التي انفلتت بعد "رفع اليد" إلى أقصى حدودها وهو ما تجلى في هجوم عشوائي "إعلامي" أردني على اللجنة ومخرجاتها، والهجمة تعكس رعايات مبعثرة لقوى الوضع الراهن وهي تحاول تأليب الرأي العام "المحتقن أصلا" ضد أي تحرك إصلاحي. 

القوى العدمية تلك ليست مخفية، وهي تشمل سياسيين وأصحاب مصالح ونفوذ، وكنت قابلت أحدهم في زيارتي الأخيرة للعاصمة الأردنية، عمّان، وقد تواجهنا في لقاء تلفزيوني، وتحت الهواء بعيدا عن الكاميرات كان الرجل مصرا على السخرية من فكرة الإصلاح كله، معتقدا، بقناعة يقينية، أنه ومن مثله يمثلون أفضل طبقة حكم في الأردن!

في الخلاصة، ما سيحدث من الآن فصاعدا، محكوم بإرادة الملك الفعلية والتي وضعها الملك نفسه على محك الاختبار في واقع الحياة السياسية الأردنية. هي مواجهة مفتوحة الآن بين الملك "الإصلاحي" وبين من يرون في الملك ويريدونه "شيخ مشايخ القبيلة". 

كل ما يتمناه المؤمنون بالإصلاح، على اختلاف مشاربهم وتياراتهم، ألا تتحول المخرجات من لجنة الملك في قادم الأيام إلى "صبة خضراء" مدرجة في جدول الحراسات فيستمر العبث من جديد ونعيد إنتاج الخيبة في الدولة وقد دخلت المائة الثانية على تأسيسها بخيبات كثيرة. 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.