من الضروري إشراك مختلف شرائح وأطياف المجتمع في مهمة تأمين البلاد
من الضروري إشراك مختلف شرائح وأطياف المجتمع في مهمة تأمين البلاد

ضبطت الأجهزة الأمنية السودانية الأسبوع الماضي خلية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وبحسب مصادر فإن جهاز المخابرات ألقى القبض على جميع المشتبه فيهم، البالغ عددهم 16 فردا، ويحملون جنسيات مختلفة (معظمهم مصريون) باستثناء عنصر سوداني، لا تزال السلطات تلاحقه.

وكان جهاز الأمن والمخابرات قال إن 5 من عناصره، بينهم ضابطان، قتلوا برصاص المتطرفين، بينما أصيب ضابط آخر أثناء عملية المداهمة لبعض أفراد الخلية في منزل بحي جبرة، جنوبي العاصمة الخرطوم.

كذلك تمكنت الأجهزة الأمنية هذا الأسبوع من متابعة جيوب الخلية الداعشية، حيث ألقت القبض على 3 عناصر في حي الهدى بمنطقة شرق النيل، بالإضافة لقتل 4 عناصر، وإلقاء القبض على 4 آخرين بحي جبرة.

عرف السودان عمليات العنف المتطرف مع استلام جماعة الإخوان المسلمين السلطة عبر الانقلاب العسكري في يونيو 1989، حيث خلق نظام الإخوان بيئة حاضنة لمختلف الحركات المتطرفة، ومنها تنظيما الجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية المصريين، كما استضاف البلد زعيما تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري لعدة سنوات.

بدأت العمليات العنيفة بالهجوم الذي شنته مجموعة يقودها الليبي محمد عبد الله الخليفي على مسجد يتبع لجماعة أنصار السنة المحمدية في مدينة أم درمان في فبراير 1994 مما أسفر عن مقتل 19 شخصا، ثم أعقبتها مذبحة أخرى نفذها في ديسمبر 2000 متطرف ينتمي لجماعة "التكفير والهجرة" يدعى عباس الباقر، بمسجد يقع بمنطقة الجرافة بضواحي أم درمان، أسفرت عن مقتل 22 شخصا من المصلين.

كذلك قام 4 من الشباب المتطرفين بقتل الدبلوماسي الأميركي المسؤول في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، جون غرانفيل، وسائق سيارته السوداني، عبد الرحمن عباس رحمة، ليلة رأس السنة  من العام 2008.

كانت هذه أبرز العمليات الإرهابية التي شهدها السودان في الفترة الماضية، ومن ثم تحول البلد في المرحلة اللاحقة إلى حاضنة ومنطقة تجنيد مكثف وعبور للجماعات المتشددة، حيث شهد عام 2016 خروج العشرات من الطلاب الجامعيين من الجنسين من البلاد عبر مطار الخرطوم للانضمام لداعش في ليبيا والعراق وسوريا.

في ذلك الحين اعترفت وزارة الداخلية السودانية أن نحو 70 شابا قد التحقوا بالتنظيم المتطرف، لكن معلومات متطابقة أفادت بعد ذلك أن عدد الطلاب السودانيين في تنظيم داعش يفوق تلك الأرقام الرسمية المعلنة بكثير.

وتجيء عملية ضبط الخلية الداعشية في وقت يعمل فيه التنظيم على خلق مناطق عمليات جديدة بعد التضييق الشديد الذي واجهه في العراق والشام وليبيا وغيرها من أماكن تواجده، ويذكر أنه في أعقاب سقوط نظام الإخوان المسلمين في أبريل 2019 وجهت مؤسسة الوفاء، التابعة لداعش، رسالة لأهل السودان بعنوان "نداء إلى أهل السودان من الداخل منها وإليها" جاء فيها:

(إن الفرصة في السودان جاءت الآن، فهي سهلة الاقتناص فلا يجب أن نضيعها كي لا نندم بعد ذلك، ولا نريد أن تضيع الفرصة من تحت أيدينا كي لا نندم. وإن العتاد والعدد مطلوبان، والجميع داخل التنظيم يعلم أن لا سلمية ولكن توخي الحذر واجب، والتكتيك الاستراتيجي يحتاج مدة زمنية، وذهابا وإيابا مع تحري الدقة في تتبع الأخبار للانتشار هناك).

وطالب التنظيم في رسالته التحريضية شيوخ داعش بضرورة كتابة عدد من الرسائل التحريضية الأخرى للسودان تحت ألقاب مجهولة من أجل وضع قدم التنظيم هناك، كما دعا إلى إقامة ما سماه بدولة إسلامية تحت مسمى الدين لا الخلافة "فإن الخلافة ستأتي، ولكن تريثوا بأن تسموها خلافة من البداية".

وبعد تلك الرسالة انتشرت تصريحات لأمير التنظيم السابق أبوبكر البغدادي يشير فيها إلى السودان باعتباره "ساحة معركة مستقبلية".

وبينما يعيش السودان في الوقت الراهن فترة انتقالية صعبة تسعى للتعامل مع إرث كبير من المشاكل الأمنية والسياسية والاجتماعية المعقدة بعد 30 عاما من حكم الإخوان، فإن ضبط هذه الخلية يعطي مؤشرا لإمكانية استهداف الأمن وزعزعة الاستقرار في هذه المرحلة الهشة من عمر البلاد.

موقع السودان الجغرافي الذي يربط بين غرب القارة الأفريقية وشرقها، وحقيقة جواره لسبع دول، يجعله عرضة لاستهداف الحركات المتطرفة التي يمتد وجودها من الصومال شرقا (الشباب الإسلامي) وحتى المغرب ونيجيريا غربا (القاعدة، داعش، بوكوحرام).

يجاور السودان في حدوده الغربية دولة ليبيا التي تشهد تواجدا كبيرا للحركات المتطرفة، كما أن حدوده الشمالية مع جمهورية مصر (تمتد لأكثر من 1200 كم) تتعرض للاختراق من قبل الجماعات العنيفة التي تخوض حربا ضروسا ضد الدولة المصرية منذ 8 سنوات، كما أن الحدود الشرقية للبلاد تشهد توترا شديدا مع الجارة إثيوبيا.

ويصعب على السودان السيطرة على الحدود الشمالية والغربية التي تمتد في جزء كبير منها داخل الصحراء الكبرى، وهي منطقة تنشط فيها الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية العابرة للحدود، فضلاً عن عصابات تهريب البشر.

من ناحية أخرى، ونتيجة للفساد الذي ضرب بأطنابه دولة الإخوان فقد انتشرت ظاهرة تجنيس الآلاف من العرب والأفارقة دون استيفاء الشروط والإجراءات المطلوبة واللازمة، مما أضحى أمراً مهدداً يضرب في صميم الأمن القومي السوداني ونافذة لاختراق الجماعات المتطرفة للبلاد.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن البلاد تشهد تناميا كبيرا للصراعات الجهوية والقبلية والإثنية إلى جانب الأزمة الاقتصادية وتعثر الشراكة القائمة بين المدنيين والعسكريين في حكم البلاد، فضلا عن المشاكل الكثيرة التي تعاني منها الأجهزة النظامية مما يضعف من قدرة الدولة على رصد ومتابعة الاختراقات من قبل الجماعات المتطرفة.

وتُعزِّز هذه النظرة حقيقة أن معظم المتطرفين من أعضاء الخلية التي تم ضبطها في الأسبوعين الأخيرين ينتمون لجنسيات مختلفة وتسيطر عليها غالبية من المصريين، كان بعضهم معتقلاً في السجون المصرية ضمن ما عرف حينها بخلية (جهاد المنصورة) حيث تم إطلاق سراحهم في فترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي.

وتؤكد عمليات الضبط والمداهمة التي قامت بها الأجهزة الأمنية مؤخراً أن هناك مؤشرات جدية بتواجد مكثف للخلايا النائمة التي يمكن أن تبدأ في النشاط لمقاومة الحصار الأمني، وهو الأمر الذي ينذر بمواجهات عنيفة في الفترة القريبة المقبلة.

في مثل هكذا أوضاع يتوجب على السلطات في المدى القريب اتخاذ إجراءات شاملة وسريعة تجاه تسجيل وحصر الأجانب والمتابعة الدقيقة لتحركاتهم، بالإضافة إلى تفعيل الرقابة الحدودية بشكل كبير منعاً لدخول أفراد الجماعات المتطرفة أو عبورهم لدول الجوار من الأراضي السودانية وهي مهمة صعبة تحتاج للتنسيق المحكم مع الأجهزة النظيرة في دول الجوار.

كذلك من الضروري إشراك مختلف شرائح وأطياف المجتمع في مهمة تأمين البلاد والكشف عن الخلايا النشطة والنائمة عبر التوعية المستمرة وتقوية وتمتين العلاقة بين مختلف الأجهزة المختصة والمواطنين.

وفي هذا الإطار يجب السعي نحو الاستغلال الأمثل للأجهزة الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي ومنابر المساجد وغيرها من أدوات الاتصال للتبصير بخطر الجماعات المتطرفة، وكيفية تجنب الأضرار التي تترتب على أنشطتها العنيفة.

وبما أن ظاهرة التطرف متعددة الأوجه، ولا يمكن أن تُعزى لسبب واحد، حيث تساهم في تشكيلها العديد من الأسباب النفسية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية بدرجات متفاوتة، فإن معالجتها بشكل جذري في المدى البعيد تتطلب وضع استراتيجية متكاملة، تُعنى بالعمل على محاربة الظاهرة في جميع أبعادها.  

 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!