تسعى فرنسا من دون نجاح حتى تاريخه لتبرئة نفسها من عقد صفقة مع إيران
تسعى فرنسا من دون نجاح حتى تاريخه لتبرئة نفسها من عقد صفقة مع إيران

يقر مسؤولون فرنسيون أنّ خطة باريس الهادفة الى إخراج لبنان من أزمته مستحيلة، إذا لم تراجع المملكة العربية السعودية ومعها مجلس التعاون الخليجي نظرتها الى لبنان، ذلك أنّ حجر الزاوية في بنية الإنقاذ هو توفير حجم معقول من الأموال في الأسواق، من أجل توحيد سعر صرف الدولار، فالإنقاذ، في ظل أربعة أسعار للعملة مستحيل، تماما مثل توحيد السعر، في غياب أيّ تدفق مالي.

ولهذا جدّدت باريس، في الأيّام القليلة الماضية، دق الباب السعودي، خلال الزيارة التي قام بها وزير خارجيتها جان إيف لودريان الى الرياض، حيث التقى بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

ولكن لودريان، في الملف اللبناني، عاد خائباً، فالقيادة السعودية مصرّة على عدم مساعدة لبنان إذا لم يستطع أن يساعد نفسه بموضوع رفع هيمنة "حزب الله" عن قراره. بالنسبة إليها، إنّ الحكومة التي تشكّلت برئاسة نجيب ميقاتي، بدل أن تُخفّف من حدّة هذه الهيمنة، كرّستها.

وتسعى فرنسا، من دون نجاح حتى تاريخه، لتبرئة نفسها من عقد صفقة مع إيران أدّت الى تشكيل هذه الحكومة، بتأكيدها أنّها تعمل على منع مزيد من الانزلاق اللبناني في الهاوية المترامية، وهي من أجل تحقيق هذا الهدف، لم توفّر جهة مؤثّرة إلّا ودقّت أبوابها، وإيران هي جهة من هذه الجهات، لا أكثر ولا أقل.

وتريد باريس أن تعود السعودية الى دورها التقليدي في لبنان، لأنّ ذلك وحده يحول دون أن تواصل إيران التمدّد فيه.

ولكنّ القيادة السعودية لا تشاطر نظيرتها الفرنسية الرؤية نفسها للأمور، فـ"حزب الله" همين على لبنان، في الوقت الذي كانت فيه الرياض، تمدّه بكل ما يحتاج إليه من مساعدات وإسعافات وهبات، وليس عندما انقطعت عن ذلك.

وفي قراءة الرياض إنّ "حزب الله" الذي يتلطى، اليوم وراء الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية لإدخال المازوت الإيراني، بطريقة مؤذية للدولة اللبنانية وتعهدات حكومتها بالإصلاح المالي والضرائبي والاستثماري، هو نفسه الذي كان، قبل حلول هذه الأزمات، يدخل ما يشاء من بضائع، بطريقة التهريب، إلى لبنان، ويتاجر بها ويجني الأرباح الطائلة منها، على حساب الخزينة العامة، في وقت يعتمد معابره التهريبية نفسها في عمليات نقل المقاتلين والأسلحة والمستشارين والأمنيين والإرهابيين والمواد المدعومة، للإضرار بالأمن الإستراتيجي للملكة العربية السعودية وغيرها.

وهذا يعني أنّ انهيار لبنان هو نتيجة مباشرة لارتكابات "حزب الله"، وعلى من يرغب في إنقاذ لبنان أن يسارع الى وضع حد سريع لهذه الإرتكابات، لأنّ مشكلة لبنان ليست تقنية، بل سيادية.

وإذا كانت باريس لا تُخفي رهانها على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فإنّ كثيرين، في الداخل والخارج، يرفضون ذلك، فخبرتهم مع ميقاتي "سيّئة"، فـ"نياته" قد تكون "طيّبة" ولكنّ قدراته شبه معدومة، وهو يعرف أنّه "يكابر" ويعد بما يعجز عن تنفيذه.

آخر الأمثلة على أداء ميقاتي الذي يحول دون استقامة الرهان عليه، كان موقفه، في آخر مقابلة تلفزيونية أجراها، عن "المعابر غير النظامية" التي أدخل "حزب الله" عبرها المازوت الإيراني من سوريا.

قال ميقاتي:" لقد اكتشفنا المعابر غير النظامية بعد دخول النفط الإيراني".

وهذا الكلام ليس صحيحاً على الإطلاق، فوزارات المال والدفاع والداخلية والنقل تعرف هذه المعابر والكثير غيرها، منذ سنوات طويلة. يكفي، في هذا السياق، مراجعة التقارير ذات الصلة، والاطلاع على تصاريح الوزراء المختّصين، ولا سيّما منها تلك التي أصدرها، تباعاً، الوزراء السابقون غازي العريضي (النقل) علي حسن خليل (المالية) الياس أبو صعب (الدفاع).

ولو تمّ التغاضي عن مجانبة ميقاتي الحقيقة، فإنّ إقراره بـ"اكتشاف المعابر غير النظامية"، يضعه أمام تحدّي مواجهتها وإقفالها ومنع توسّلها في عمليات التهريب، ذهاباً وإياباً.

وهذا ما لن يفعله، فهو، عندما يتكلّم، يكتفي برفع المسؤولية عنه، وكأنّ شخصه هو "بيت القصيد" وليس وطنه وخزينة دولته ومصالح شعبه وهوية بلده، ذلك أن لا أحد يفتّش عن "مسؤول متعاطف" بل يتطلّع الجميع الى "مسؤول فاعل".

وما يصح في موضوع المعابر يصح أيضاً في موضوع التحقيق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت، ذلك أنّه فيما ميقاتي يواصل اللعب على الكلام، يبقى تهديد "حزب الله" للمحقق العدلي طارق البيطار ساري المفعول.

وآخر تداعيات هذا التهديد أنّ الأجهزة الأمنية المختصة في لبنان أوصلت الى البيطار رسالة واضحة مفادها أنّها لن تتولّى تبليغ السياسيين من رؤساء ووزراء سابقين ونواب، بالإضافة طبعاً الى قادة الأجهزة الأمنية، ما يصدره بحقهم من مذكرات إحضار وجلب وتوقيف، بل عليه الاعتماد على موظفيه، في ذلك.

وهذا يعني أنّ الأجهزة الأمنية، وبعد تهديد "حزب الله"، قررت التمرّد على المحقق العدلي، والإخلال بواجباتها لجهة أنّها "ضابطة عدلية".

ولا يستطيع القضاء في لبنان العمل من دون الأجهزة الأمنية، لأنّه حينها يصبح بلا أذرُع، وإجراءاته بلا قيمة.

وعليه، في ظل الوعود بالمحاسبة والمساءلة، يتم التحايل على التحقيق في واحد من أخطر الملفات التي عرفها لبنان، من أجل ضبطه في الاتجاه الذي يرغب فيه "حزب الله".

إنّ لبنان، ما دام مسؤولوه يتواطؤون مع "حزب الله"، وفق سيناريو المعابر غير النظامية وانفجار المرفأ الإجرامي، يستحيل عليه أن يسلك درب الإنقاذ، لأنّه لن يستعيد لا ثقة المستثمرين ولا المودعين ولا الدول التي يناشدها لتنظر إليه، على أساس أنّه دولة مكتملة المواصفات. 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.