الانتخابات العراقية هي الخامسة منذ العام 2003
الانتخابات العراقية هي الخامسة منذ العام 2003

غدا سيختار العراقيون ممثليهم في الندوة البرلمانية. نوعية التمثيل مرتبطة بحجم المشاركة، والمشاركة مهددة بخيار المقاطعة التي وإن حصلت ستسمح بإعادة إنتاج النظام، وهذا يعني إعادة تعويم السلطة، وإعطاء نظام 2003 جرعة بقاء على حساب الدولة والشعب، الأمر الذي سيزيد من تعقيدات المشهد العراقي بعد الانتخابات حتى لو نجحت قوى السلطة بكل مكوناتها من التوصل إلى تسوية سريعة تمكنها من ترتيب السلطة وتقاسمها.

ولكن فوز قوى السلطة في الانتخابات لن يحل أزمة النظام ومستقبله، والأغلب أنه سيمدد أزمة باتت بنيوية وتحتاج إلى تحولات جذرية خارج الآليات الدستورية وهذا شبه مستحيل، خصوصا أن نظام 2003 بكل ترهلاته وتفككه، لا تستطيع قوى المجتمع الأهلي إسقاطه في الشارع بالرغم من إسقاط مشروعيته، أما المحاولات غير التقليدية فهي لا تستطيع إسقاطه بضربة قاضية، وأي توجه من هذا النوع سيفتح باب العنف على مصراعيه وقد يؤدي إلى نهاية العراق الذي نعرفه، لأن خيارات القوة والهيمنة هذه المرة لن تكون مواجهة ما بين قوى السلطة والشعب فقط، بل إن قوى السلطة غير المتماسكة ستدخل هي أيضا في دوامة عنف في ما بينها، تأخذ العراق إلى حروب أهلية.

 من هنا يمكن القول إن أزمة قوى السلطة المتصارعة على النفوذ معقدة ومركبة، كونها باتت غير قادرة على تغيير طبيعتها، وهي متمسكة بطريقة تعاطيها مع الدولة، وتتصرف معها كغنيمة، بالرغم من أنها مهددة بنفاذ خزائنها بعيدا عن حجم ثرواتها المهدورة، التي يحتاجها العراق من أجل الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات. فالاصرار مستقبلا على تهميش الدولة سينعكس سلبا على هذه القوى وستصل إلى نقطة اللاعودة، التي تحمل مخاطر التفكك والتجزئة، خصوصا إن أصرت على إنكار وقائع السنوات الأخيرة من الحرب على داعش إلى انتفاضة تشرين ومطلب العراقيين بالاصلاح، ما يعني أن هذه الطبقة مصرة على الاستمرار بنفس الفعل السياسي الذي أدى إلى امتلاك السلطة دون بناء الدولة، والسيطرة على الثروة دون تحويلها إلى رأس مال وطني.

فمعضلة العلاقة ما بين السلطة والدولة والثروة ورأس المال، أنتجت في 18 سنة السابقة سلطة من دون دولة، وثروة من دون رأس مال، فباتت الدولة مهددة بالاندثار نتيجة لسوء استخدام السلطة، أما الثروة فتحولت إلى أداة بيد أصحاب السلطة، ما أدى إلى مشهد سياسي بالغ التعقيد وضغوط اقتصادية وأمنية، وفقدان الثقة بالعملية السياسية برمتها وتفضيل خيار المقاطعة.

خيار المقاطعة هو رهان على المجهول، وهو أشبه بإعلان استسلام مبكر، والتسليم بضيق الخيارات وانسداد الأفق، والاعتراف بعدم القدرة على التأثير بصناعة مستقبل العملية السياسية وحماية ما تبقى من الدولة، لذلك يمكن القول إن هذه الانتخابات مصيرية كونها تشكل الحد الفاصل ما بين «نظام 2003» ومشروع التغيير؛ فالأول جاهز للتسويات تحت ذريعة التوافق حفاظا على مكتسباته، أما الثاني فهو حتى الآن مربك ويعمل على الصدمات ولم يتحول إلى مشروع معارضة وطنية أو تغيير ممنهج.

وبناء عليه، وبرغم صعوبة المشهد فإن الكرة لا تزال في ملعب الشريحة الأكبر من العراقيين الذين ما زالوا يملكون القدرة على المبادرة من خلال المشاركة بالعملية الانتخابية عبر التصويت العقابي الذي يمنحهم القدرة على منع وصول خصومهم، إذا لم يستطيعوا إيصال من يمثلهم، وهذا ينسجم مع خطاب المرجعية الدينية ومواقف انتفاضة تشرين، وإلا فإن التسليم بالأمر الواقع سيجعل أزمة العراق السياسية مستعصية، ومعالجتها تحتاج إلى مواجهة التحديات تجنبا لتكون آخر انتخابات. 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.