ملك المغرب والحكومة الجديدة
ملك المغرب والحكومة الجديدة

بعد شهر على انتخابات مجلس النواب والمجالس المحلية والجهوية، تم يوم الخميس 7 أكتوبر 2021 التنصيب الملكي لأعضاء الحكومة المغربية بمدينة فاس (وسط البلاد). 

وكان يوم 5 أكتوبر 2021 قد شهد اكتمال عملية انتخاب البرلمان المغربي بغرفتيه، بإعلان النتائج الرسمية لانتخابات مجلس المستشارين (الغرفة الثانية) من طرف "الناخبين الكبار" أعضاء المجالس المحلية والجهات، والغرف المهنية والنقابات، ورجال الأعمال. ليتم افتتاح البرلمان الجديد يوم أمس الجمعة، بخطاب ملكي جرى عن بعد لضرورات احترازية ضد وباء كورونا.   


رأس واحدة وإطلالة من نافذتين

جاءت النتائج النهائية لانتخابات أعضاء الغرفة الثانية، مماثلة لنتائج انتخاب مجلس النواب في الثامن من سبتمبر الأخير، إذ هيمن حزب التجمع الوطني للأحرار، بفوزه بـ27 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا، هي مجموع مقاعد المجلس. وتلاه حزب الأصالة والمعاصرة بـ19 مقعدًا، وحزب الاستقلال بـ17 مقعدًا. وهذا هو الترتيب ذاته الذي حصل في انتخاب مجلس النواب والذي توقعه أغلب المراقبين، بتكرار سيناريو تصدر التحالف الحكومي المكون من الأحزاب الأولى المذكورة، إذ لن يحتاج هذا التحالف الثلاثي لأي تحالفات تكميلية لتمرير مشاريع القوانين المقبلة.

باقي النتائج أتت كالتالي: حصل حزب الحركة الشعبية على 12 مقعدا، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 8 مقاعد، وحزب العدالة والتنمية "البيجيدي" 3 مقاعد. ونال حزب الاتحاد الدستوري مقعدين. وتراجعت بشكل كبير نقابة الاتحاد الوطني للشغل المغربي التي يسيرها الحزب الإسلامي (مقعدان). في حين حصلت المركزية العمالية الاتحاد المغربي للشغل  على 8 مقاعد، تلتها نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب التابعة لحزب الاستقلال، بـ 6 مقاعد.

أما الكونفدرالية الديمقراطية للشغل فنالت 3 مقاعد. وحصلت الفيدرالية الديمقراطية للشغل التابعة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على مقعد واحد. وهو ما سمح للأمين العام للاتحاد المغربي للشغل الميلودي مخارق بالتفاخر بأن نقابته هي "الأكثر تمثيلية للطبقة العاملة المغربية". وللإشارة فإن مخارق دعا المنضوين تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل في انتخابات المجالس المحلية والبرلمان إلى التصويت بكثافة على لوائح حزب التجمع الوطني للأحرار، حزب "الباطرونا" رجال الأعمال. في حين حرصت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل على الدعوة إلى التصويت على مرشحي فيدرالية اليسار الديمقراطي.

أما الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب، التي تدافع عن مصالح "الباطرونا"، ويعد عزيز أخنوش من منتسبيها المؤثرين، فقد حافظت على جميع المقاعد الثمانية المخصصة لفئة أرباب العمل.

صدقة انتخابية للإسلاميين

من تداعيات انتخابات الغرفة الثانية، إعلان الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية رفضها للنتائج. وجاء في بيان القيادة أن الحزب "غير معني" بتلك المقاعد الثلاثة، ووصفها بـ"الممنوحة والمخالفة لقواعد العملية الانتخابية ولقيم السياسة التي آمن بها حزب العدالة والتنمية ودافع عنها". وهو ما أيده الأمين العام السابق للحزب عبد الإله بنكيران، حيث نقل عنه مصدر حزبي "تأسفه وتألمه مما حصل" في العملية الانتخابية. وروت برلمانية سابقة عن "البيجيدي" في تدوينة لها عن بنكيران قوله إن ما يجري "غير مفهوم". إذ كيف يحصل "البيجيدي" على أصوات مضاعفة لما حصل عليه قبل شهر في انتخابات المجالس المحلية والجهوية ومجلس النواب؟ 

وحسب المصدر ذاته، فإن المقاعد الثلاثة هي بمثابة "حسنة انتخابية". إذ لم يعقد الحزب تحالفات مع أحزاب أخرى بهذا الشأن. علما أن "البيجيدي" لم يتجاوز جراحاته بعد هزيمة 8 سبتمبر، التي سماها بنكيران بـ"النكسة". لذلك لم يقم الحزب بأي حملة انتخابية لضمان تواجده بالغرفة الثانية. فمن أي مصدر نزلت الأصوات التي "سقطت" على "البيجيدي"؟

وللتذكير، فإن حزب العدالة والتنمية رشح ثلاثة أعضاء فقط لانتخابات مجلس المستشارين، قصد "المشاركة من أجل المشاركة"، يقينا منه أن "770 صوتا" مجموع ما حصل عليه في انتخابات المجالس المحلية، غير كافٍ لنيل مقعد واحد، فإذا بوزارة الداخلية تصنع المفاجأة و"تنعم بالفوز" على جميع المرشحين الثلاثة من "البيجدي". لذلك لم يتردد أعضاء بارزون من "البيجيدي" في وصف المقاعد الثلاثة بـ"المشبوهة والمريبة"، مطالبين برفضها، متهمين من نعتوهم بـ "الدولة العميقة" بترتيب تلك النتيجة التي يتبرأ منها حزبهم.

قتل السياسة والتراجع عن الإصلاحات

"إنهم يدفعون في اتجاه مزيد من قتل السياسة وفقدان الثقة في السياسيين" يصرح آخر. 
وكأنها فرصة سنحت لحزب العدالة والتنمية واستغلها لالتقاط أنفاسه من أجل استعادة ثقة قواعده الساخطة، بعدما احتد غضبها إثر تراجع الأمانة العامة عن الاستقالة الاحتجاجية ضد "مجزرة" 8 سبتمبر 2021، وزعم الأمين العام سعد الدين العثماني بكونها "استقالة سياسية وليست استقالة تنظيمية" (!) 

ضمن هذا السياق تساءل المؤرخ والناشط الحقوقي المعطي منجب قائلا: "لا أدري لماذا قيادة "البيجيدي" خايفة وترتعد إلى هذا الحد، أين هو النضال في سبيل الله والحق؟ لم لا ينشرون كتابا أبيض يقول الحقيقة في ما وقع يوم 8 شتنبر وما وقع يوم 5 أكتوبر؟"

لكن لا يعول كثيرا على حزب خرج من تحت عباءة المخزن، و"تخلى عن المطالب  الشعبية. لا، بل مس بمكتسباتها وحارب تطلعاتها، وساهم بقسطه في الفساد السياسي"، وكان تلميذا منضبطا للقرارات المملاة عليه من "فوق".
 لذلك سينتظر قادة "البيجيدي" ووزراؤه السابقون "التفاتة كريمة" ومكافاءات من المخزن، على شكل مناصب عامة وسفارات، في انتظار الحاجة لاستخدام ورقة الإسلاميين المعتدلين، كما حصل بعد وصول لهيب حرائق ثورات الربيع العربي (2011). ولن يتطور الاستياء والغضب الانفعالي داخل قواعد حزب "البيجيدي"، بل سرعان ما ستستقيم الأمور لتعود سريعا إلى مدارجها، ويواصل القوم عد الأيام والأسابيع والشهور والأعوام "إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها".


لا ذرائع ولا أعذار

من جانب آخر، يطرح البعض شكوكا في أن يكون هناك ملتمس سري غير معلن في مشروع "البرنامج التنموي الجديد" الذي اقترحه وصادق عليه الملك. توصية بضرورة بسط يد الحكومة على البرلمان بغرفتيه للمساعدة على تنفيذ المشاريع والاستراتيجيات، تسهيلا لتنزيل البرنامج الملكي بهدوء ومن "دون تشويش". وهذا لم تتمتع به أي حكومة سابقة. لذلك لن يتذرع عزيز أخنوش مستقبلا بأية حجة، من قبيل "جيوب مقاومة التغيير" (اليوسفي)، أو "التماسيح والعفاريت" (بنكيران). فمنذ اليوم ليست هناك حواجز أمام تاجر المحروقات، بعد فوزه بأغلبية حكومية مريحة ومنسجمة وقوية، وبعد سيطرته على مقاعد مجلس النواب والجهات والمدن الكبرى وتأييد أكبر المركزيات العمالية... فلا ذرائع ولا أعذار. 

وحسب متتبعين آخرين للوضع السياسي في المغرب، ربما يدخل الأمر في سياق تطورات أخطر، مثل ما ذهب إليه المحلل السياسي أبو بكر الجامعي، الذي سارع إلى استنتاج أن هناك إرادة رجعية أقوى داخل النظام، وأن "المخزن الجديد لم يعد متشبثا بفكرة الإصلاح"، محذرا من كون "المصائب التي تطبخ اليوم ستوصلنا إلى الحائط"، أي إلى نفق مظلم لا ضوء في نهايته.

معضلة استعادة الثقة 

لكن يبقى ما هو أكبر من الانسجام الحكومي والرغبة في تسريع الأداء التشريعي وتمرير القوانين. إنها إشكالية ضمان الثقة الشعبية في المؤسسات، وعلى رأسها المؤسسات المنتخبة، إذ كيف السبيل لتصحيح الصورة السلبية التي تراكمت عبر سنوات لدى المواطنين حول السياسة والسياسيين، تمثلات تضع الوزراء والبرلمانيين في مرتبة موازية للصوص المال العام والمرتشين والشفويين والمحتمين بالحصانة من أجل قضاء مصالحهم الخاصة ليس غير. وهذا هو السبب الرئيسي للعزوف السياسي ولارتفاع نسبة مقاطعة الانتخابات، التي وصلت أرقاما أكبر بكثير مما يصرح به رسميا.

غداة الانتخابات الأخيرة، كانت أولى التصريحات التي أدلى بها عزيز أخنوش هي "أن  المغاربة صوتوا لأول مرة من أجل التغيير ومن أجل زخم جديد، وأنه من الصعب عليه أن يخون هذه الرغبة في التغيير". كما أكد أخنوش في حوار مع موقع "لوبنيون" الباريسي، أن التغيير "رهانٌ استراتيجي للمملكة المغربية بعد عقد من قيادة حزب العدالة والتنمية للعمل الحكومي". وأشار في الحوار نفسه إلى أن "المغاربة يحبون الأشخاص الذين يعملون والذين ينجحون، لأنهم يرونهم كنماذج للتقدم الاجتماعي.

إنهم لا يحبون الظلم والهجمات غير المبررة. وقد انعكس ذلك في صندوق الاقتراع". لكن شخصية رئيس الحكومة الجديد لم تكن حتى أشهر قليلة سابقة ليوم الاقتراع، من الشخصيات التي يجمع المغاربة على احترامها، بل إن أخنوش تعرض لحملات هجومية واسعة، وكان ضمن الشخصيات المتهمة بالهيمنة على اقتصاد البلاد والمستفيدة من الريع المخزني، والتي أشارت إليها مسيرات ولافتات "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، في إدانتها لمخاطر "الجمع بين المال والسلطة".

ومعلوم أن شركة "أفريقيا" لتوزيع المحروقات التي يملكها أخنوش، كانت من الشركات المتضررة الأولى من حركة المقاطعة الاقتصادية الشعبية غير المسبوقة لعدد من المنتجات في المغرب، المقاطعة الاقتصادية التي أحرجت الطبقة السياسية الحاكمة بشكل واضح. وهو ما أثار غضب عزيز أخنوش بشدة، فلم يتمالك نفسه وهدد في تجمع للجالية المغربية المقيمة في إيطاليا، بأنه "علينا إعادة تربية بعض المغاربة"، ما نجم عنه موجة استياء شعبي نقلته مواقع التواصل الاجتماعي. وتعامل حقوقيون مع التصريح المشار إليه، أنه يدخل في نطاق "التحريض على العنف والتعدي على القوانين والمؤسسات".

يضاف إلى هذا ما يتوقعه الملاحظون من ضعف مرتقب في أداء المعارضة البرلمانية المقبلة. وهو ربما ما اكتشفته الجهات المخططة، حين أوعزت إلى الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر باقتراح (نشر على لسان ابنته) يدعو إلى تقليص عدد نواب الفرق البرلمانية، من 20 إلى 13 نائبا، ليتسنى لحزب العدالة والتنمية تشكيل فريق يمكنه من إسماع صوته ولعب دور في المعارضة. وهو  موقف لم يكن منتظرا من إدريس لشكر الذي هاجمه باستمرار زعيم "البيجيدي" عبد الإله بنكيران، بل نعته صراحة بـ"البلطجي السياسي". ولعله الدافع نفسه الذي أوحى لمهندسي الخريطة السياسية إهداء ثلاث مقاعد لـ"البيجيدي" في مجلس المستشارين، لا يستحقها سواء بالأرقام أو بالمسطرة .

فأي جديد يمكن أن تأتي به حكومة عزيز أخنوش؟ 
سؤال يطرح نفسه ويتردد على الألسنة بحدّة أشد، في انتظار أولى قرارات الحكومة الجديدة، قرارات من شأنها إعادة الاعتبار حقيقة للعمل السياسي، وفي مقدمتها إطلاق سراح معتقلي الرأي من الصحفيين والسجناء السياسيين. 
لننتظر.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.