تطبيقات فيسبوك وإنستغرام وواتساب توقفت نحو ست ساعات
تطبيقات فيسبوك وإنستغرام وواتساب توقفت نحو ست ساعات

من سوء حظ الرابع من شهر أكتوبر الجاري أنه سيسُجَّل في الذاكرة كتاريخ غير محبّب لحدثٍ استثنائي وحّد العالم وأربكه دون استثناء. وهو اليوم الذي توقفت فيه قبل أسبوع خدمة فيسبوك وخدمات أفراد أسرته من واتساب ومسنجر وانستغرام لأكثر من خمس ساعات، بحيث بدا المشهد العالمي عقب عودة الخدمة، وكأنه كان تائهاً عن أمه وعثر عليها بعد لوعة ومعاناة.  

العطل التقني الذي عُزي إليه سبب توقف الخدمة وسُجل على أنه الأطول في تاريخ الشركة، شكل للبعض فرصة ذهبية نادرة للاستراحة من طنين إشعارات الرسائل ومقاطع الفيديو. فيما شكّك مدمنو فيسبوك وواتساب بالأمر، واعتبروه مؤامرة كونية ضد الخاسر الأكبر الشاب الطيب مارك، وردوا عقب عودة الخدمة على شماتة الـ "تويتريين" بإطلاق بعض العيارات النارية ابتهاجاً، كما أوردت بعض الصفحات السورية واللبنانية الخاصة.  

أجواء الدعابة المشوبة بالحنق والمبالغة التي سادت بين أفراد باتت وسائل التواصل الاجتماعي نوافذهم الوحيدة لبعض الترفيه والتنفس في الحياة، لا تنفي جدية الحدث الذي لم يمر مرور الكرام أو يعبر بسهولة في العديد من الحسابات، وفي مقدمها الحسابات الاقتصادية المهولة التي مازالت تتفاعل عالمياً حتى اللحظة. 

كما لم يعبر بدوره في العديد من الحسابات المعنوية الإنسانية التي صدمت لاكتشافها حقيقة عجزها أمام جبروت التكنولوجيا الحديثة، وإدراكها لحقيقة مدى ارتباطها الافتراضي، واحتمال فقدان هذا الارتباط إلى الأبد في لحظة قدرية ما، أو تكرار هذا التيه لأي سبب من الأسباب. 

وهو ما استدعى إثر تجربة الانقطاع القصيرة  هذه بعض ذكريات الماضي القريب وعقد المقارنات بين أدوات التواصل وسرعتها، وطرح استفهامات شابها بعض التهكم حول كيفية تدبّر الآباء والأجداد لأمورهم في حينه، وما إن كان احتمال فقدان العالم لميسرات حياته اليوم سيعيده إلى زمن الأنتيكا والمتاحف، بما يشمل العودة إلى الهاتف الثابت ذي القرص وهدر العمر والأعصاب في انتظار رسالة يحملها ساعي البريد.      

حياة يخيل للبعض، وفي مقدهم الجيل الشاب الذي ينتمي إلى زمن العالم الافتراضي ويتهكم من زمن مضى لم يختبره عن قرب، أنها كانت معقدة وعسيرة للغاية. فيما تؤكد معظم الوثائق والصور وسرديات المسنيّن وأدبيات الماضي القريب، أنها كانت حياة سعيدة وميسرة لأبنائها، لا ناقصة ولا تعيسة. 

أبرز ما تميز في حينه، كان التواصل الإنساني الفيزيائي المباشر المفتقد اليوم، والذي شهد أوجه آنذاك عبر الدور الناشط للسينما والمسرح والنوادي الأهلية المندثرة ذات البرامج الاجتماعية المتميزة. مع الإشارة إلى أن صحة الأفراد العامة كانت أفضل بسبب تنظيم أوقاتهم ومواعيد النوم الذي تسرقه اليوم منصات العالم الافتراضي وترهق البصر عبر إدمان متابعتها ليلاً نهاراً.     

فيما تدين الكثير من روائع الأدب العالمي وأجمل أفلام السينما العالمية للمعاني الإنسانية النبيلة التي ألهمتها الرسائل الورقية وشخصية ساعي البريد وما ارتبط بهما من قصص تاريخية وعاطفية وتضحيات خالدة، والتي ساهمت بدورها في كشف العديد من الأسرار المتعلقة بالخطوط وشخصية كتابها، كمثل الرسائل المتبادلة بين كبار ساسة العالم والنخب المتميزة والظروف التاريخية المحيطة بمحتوى كل رسالة. 

إذ ساهمت الرسائل الخالدة بأنواعها، ليس فقط في كشف طبيعة المشاعر المتبادلة من حيث المحتوى، بل في رفد عمليات التوثيق الزمني من خلال معرفة نوعية الأقلام والأحبار والأوراق المستعملة، والتي حرص العشاق بشكل خاص على اختيار النوع الشفيف منها الذي يتماهى مع شفافية عواطفهم، والمذيل أحياناً بعبارات الشوق والحب أو المعطر، لتغدو الرسالة باكتمالها مع مغلفها الأنيق وطابعها والمظهر الأنيق لحاملها ساعي البريد، تحفة فنية حقيقية. 

فيما الرسائل التي تغرق جوالاتنا بالعشرات والمئات يومياً، عبر البريد الالكتروني أو واتساب أو عبر كافة منافذ وسائل التواصل الاجتماعي، لا تعدو أن تكون رسائل تكتسب قيمتها من محتواها لا أكثر، تخلو من كل تلك المظاهر المنمقة المرادفة للرسائل الورقية رغم تضمينها أحياناً للعديد من الـ Emoj باردة المشاعر، عدا عن الإحساس الدائم بالخطر من احتمالية قرصنة هذه الرسائل  وتبعاتها في أي وقت، واحتمالية ضياعها للأبد جراء خطأ تقني فردي أو عالمي أو فيروس، دون أن ننسى تمكن كل أجهزة الاستخبارات العالمية من التلصص على خصوصياتها، وخلوها بالتأكيد  من رائحة العطر. 

لن يعود الماضي ولا أدواته إلا باسترجاعه من باب الحنين، فلا الأمس كان بائساً ولا اليوم أكثر بهجة، إذ ينتمي كل جيل إلى زمنه وعصره وأدواته التي يتماهى معها أبناؤه ويصنعون عبرها الفارق الخاص في المذاق. ومن حق أبناء اليوم أن يقلقوا من احتمال فقدان ميسرات حياتهم وأدواتهم التي أجبروا على التعامل بها ومعها تحت ضغط كل أشكال الحداثة والعولمة، ومن حقهم أيضاً أن يغضبوا ويضطربوا حال إدراكهم أنهم لا يتحكمون بها، بل هي من تفعل.   

لا أخفي هنا أنني سقت بعض الحديث عن الرسائل الورقية كنوع من التحية الودودة للبريد وسعاته وتاريخه وأبطاله وشهدائه في يومه العالمي الذي يصادف التاسع من أكتوبر من كل عام. كما لا أخفي أنني أفتقد لأبي فؤاد، ساعي البريد الذي نقل لجميع أهل الحي رسائلهم الحميمة على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، فيما اليوم لاتقرع الأبواب إلا لإيصال تبليغ من محكمة أو للاستدعاءات الأمنية.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.