هذه الانتخابات هي الأولى من نوعها باعتبارها أول انتخابات تحمل عنوان مبكّرة
هذه الانتخابات هي الأولى من نوعها باعتبارها أول انتخابات تحمل عنوان مبكّرة

لا تخلو السجالات بشأن الانتخابات التي تجري اليوم في العراق من تداخل الرغبات والأمنيات، وبين محاولة مقاربة الموضوع من خلال تجارب نماذج التحول الديمقراطي.

وقد لا أخفي تحيّزي للدفاع عن فكرة أن التقادم بالممارسة الانتخابية هو السبيل الأوحد لتصحيح المسار، رغم تعقّد الظروف الموضوعية وتغوّل القوى السياسية التقليدية وهيمنتها على مقاليد السلطة والحكم واختزالها الديمقراطية بالعملية الانتخابية.

بادئ ذي بدء علينا تمييز قراءة الانتخابات عن مخرجاتها التي تتعلق ببنية النظام السياسي القائم على أساس الصفقات والتوافقات بعيداً عن نتائجها. ومن هنا، مقارنة انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2021 مع الانتخابات السابقة يحتاج وقفة تأمل بالكثير من المعطيات الجديدة التي تؤكد بأن كل تجربة انتخابية تختلف عن اللاحقة.

فهذه الانتخابات هي الأولى من نوعها باعتبارها أول انتخابات تحمل عنوان مبكّرة، وأتت نتيجة لضغط الاحتجاجات الشعبية في تشرين 2019 التي طالبت بها، ورغم التسويف والمماطلة من قبل القوى السياسية تحقق هذا المطلب الاحتجاجي. ويمكن القول أنه آخر أهداف قوى الاحتجاجات في مرمى قوى السلطة والنفوذ. 

في 2005 جرت أول انتخابات في العراق وكان الشحن والتحشيد الطائفي مخيّماً على أجواء الانتخابات، ولذلك وصفها (كارلوس فالنزويلا) ممثل الأمم المتحدة آنذاك بالقول: "إن المواطنين لا يهتمون كثيراً في معرفة كيفية حصول الأحداث والكيانات على المقاعد والفوز، فيهتمون بكيفية حصول الجماعات الإثنية أو الدينية السياسية على المزيد من المقاعد. حيث من المفيد أن يدرك العراقيون أن هذه الانتخابات، غير مصممة كصراع بين الشيعة والسنة أو بين المسلمين والمسيحيين أو العرب ضد الأكراد، ليست لدى العراقيين فكرة واضحة عن أن الانتخابات تجري كسباق سياسي."

لذلك فإن انتخابات 2021 كشفت عن تخلّف الخطاب الانتخابي لبعض الزعامات السياسية عن الواقع السياسي الذي ثبتته احتجاجات تشرين، فهو لم يتمكّن من مغادرة الخطاب الطائفي والحديث عن المظلومية وتآمر قوى خارجية وداخلية -بالتأكيد لا أحد يعرفها غيرهم- على تجربة حكمهم! ويبدو أن تفكيره وخطابه السياسي تجمَّد عند سنة 2005،  ولا يعلم أن وسائل التواصل الاجتماعي تعبّر عن ردود أفعال الجمهور إزاء خطابهم السياسي. 

وتعد هذه الانتخابات التجربة الأولى لنظام انتخابي يعتمد الدوائر المتعددة والانتخاب الفردي، وهذا تحديداً من مطالب احتجاجات تشرين وتم اعتماده في القانون الانتخابي. ما يميّز هذا القانون هو جعل العلاقة مباشرة ما بين الناخب والمرشَّح، ولذلك لم يعد لاعتماد المرشَّح على القائمة الانتخابية في تعزيز حظوظه في الفوز بمقعد نيابي دوراً كما كان الوضع في الانتخابات السابقة. 

حتى دعوات المقاطعة للانتخابات، هي تعبير عن ثقافة سياسية تفاعلية تنظر إلى الموضوع من ناحية رفض المشاركة في منح الشرعية لنظام سياسي أثبت عجزه وفشله عن تلبية رغبات وتطلعات الجمهور. والمقاطعة ليست رفضا لفكرة الانتخابات، بل تعبير عن رفض لمنظومة العمل السياسي التي تدار من قبل زعامات سياسية غير منتخبة.

ومن زاوية أخرى، يبقى المأزق الحقيقي للانتخابات في ديمقراطيتنا الهشة ودولتنا الفاشلة التي تحكمها الاتفاقات والصفقات بين الفرقاء السياسيين وليس المؤسسات والقوانين، فرصة للمافيات السياسية والأوليغارشيات وحتى قوى السلاح الخارج عن القانون في تعزيز نفوذها وسطوتها. 

بيد أن أهم ما في الانتخابات أنها تُبقي الأجواء مفتوحة أمام المنافسة السياسية، وفي الدورات الانتخابية السابقة صحيح أن التنافس بقي بين القوى السياسية التقليدية، ولكن الأوزان الانتخابية كانت تتغير. وعلى الرغم من أن هذا التغيير لم ينعكس على أداء النظام السياسي ولا على إدارة العملية السياسية. إلا أن الأهم من ذلك أن هذا التنافس يبقى فرصة حقيقة أمام أي قوى سياسية قادرة على تنظيم نفسها واستقطاب الجمهور وكسب ثقة المترددين والمقاطعين. 

الحقيقة التي ثبتتها الاحتجاجات أن ما بعد تشرين 2019 لن يكون كما قبلها، وعلى هذا الأساس لا يمكن التعويل على نتائج الانتخابات، وإنما تصوّر مستقبل العملية السياسية سيكون مرتهناً بطريقة تشكيل الحكومة القادمة، وما هي طبيعتها. فإذا تم إعادة سيناريو طريقة اختيار حكومتَي عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، فهذا يعني وصلنا حقيقةً إلى نقطة اللاعودة في تصحيح مسار العملية السياسية، ويتم تكرار نفس الأخطاء، وزيادة خطوط الانكسار بين المجتمع والطبقة السياسية الحاكمة. 

وانتخابات 2021 يجب أن تكون نقطة اللاعودة لما قبل هذا التاريخ لكلا الفريقَين لمن هم في السلطة وكذلك لقوى الاحتجاجات التي رفعت شعار المقاطعة. فالطبقة السياسية وزعماؤها ستكون أمام تحدي الشارع إذا أصرت على إعادة التحالفات الهشة التي تنحصر وظيفتها بتشكيل الحكومة وتقاسم وزاراتها، وتعيد إنتاج معادلة (الجميع في السلطة والجميع في المعارضة). ومن ثمَّ، نكون أمام سيناريو تكرار الفشل واستمرار الخراب والفساد.

وعليه فإن أي حكومة تتشكل وفق هذا السياق عليها مواجهة احتجاجات شعبية عارمة أقوى من احتجاجات تشرين. فإذا كانت منظومة السلطة باتت محترفة بالتسويف والمماطلة، فإن قوى الاحتجاجات باتت أيضاً أكثر احترافية في التحشيد للتظاهرات وستكون أكثر تنظيماً في المطالب، وتعمل على تجاوز الأخطاء السابقة. 

أما بالنسبة لقوى المقاطعة، فعليها التفكير جدياً في الخطوة القادمة التي تلي الاحتجاجات، ويكون ذلك من خلال تنظيم الصفوف وفق برنامج سياسي يحوّل مطالب الاحتجاجات إلى مشروع سياسي قادر على أن يكون بديلاً ومنافساً بقوة للقوى السياسية التقليدية. فالانتقال من العمل الاحتجاجي إلى العمل السياسي يحتاج مستوى عالياً من التنظيم، لأن الدخول في معركة التنافس السياسي مع قوى السلطة والنفوذ والسلاح لا يقل ضراوة عن مواجهتها في ساحات التظاهر. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.