الملك عبدالله الثاني - الأردن - البرلمان
الملك عبدالله خلال خطاب برلماني (أرشيف)

أنهت لجنةٌ شكلها العاهل الأردني بغرض تحديث المنظومة السياسية أعمالها بعد ثلاثة أشهر من الاجتماعات المكثفة داخلياً ومع فعاليات المجتمع الأردني على اختلاف مرجعياتها، وقد تضمنت وثيقة من 240 صفحة، النتائج الختامية لأعمال اللجنة التي توزعت على مدخل سياسي /تاريخي، وضع مهمة اللجنة في سياقها العام، وحدد أهدافها ومناهج عملها ومعاييره، كما تضمنت مشروع قانون جديد للانتخاب وآخر للأحزاب، وتعديلات دستورية واجبة، وتوصيات لتطوير الإدارة المحلية وتعزيز مشاركة الشباب وتمكين النساء...من يقرأ الوثيقة الختامية، يخرج بخلاصة أنها جاءت بأفضل مما توقعه كثيرون، بالنظر لكبر حجم اللجنة (92 عضواً) التي تضم في عضويتها ممثلين لمشارب سياسية وفكرية واجتماعية متباينة. 

وبخلاف الحال عند تشكيلها، حين واجهت اللجنة عاصفةً من الانتقادات والشكوك بتشكيلها وتفويضها وقدرتها على الخروج بنتائج مرضية، فإن الكشف عن الوثيقة الختامية، لم يحظ باهتمام مماثل، إذ يبدو أن كثيرين يفضلون الانتظار حتى يروا المصائر التي ستنتهي إليها التوصيات ومشاريع القوانين الجديدة عندما يجري بحثها تحت قبة البرلمان. 

وقد لوحظ أن أحزاباً سياسية قائمة، اكتفت بإصدار بيانات تتناول "جزئية" هنا وأخرى هناك، فيما غاب النقاش حول نص سياسي – قانوني أوسع وأعمق وأشمل...فالإسلاميون الذين رحبوا بنتائج عمل اللجنة على وجه الإجمال، كرروا تحفظهم على التعديل المقترح بخصوص المادة السادسة من الدستور، رغم أن التعديل المذكور لم يصل إلى مستوى النص على مساواة النساء والرجال في الحقوق والواجبات، ولم يدع للمناصفة كما نصت عليه دساتير عربية أخرى، ألا أن الإضافة التي جاءت بها اللجنة حول "العدل والانصاف" و"التمكين"، لم ترق على ما يبدو للحركة الإسلامية الأردنية. 

أما الأحزاب اليسارية والقومية، وجميعها أخفقت في الوصول إلى قبة البرلمان في الانتخابات الأخيرة، ولم تحظ مجتمعة على أزيد من 1.4 بالمئة من إجمالي أصوات المقترعين، فقد اكتفت بالاعتراض على نص يطالبها بالتكيف مع "التعقيدات" الجديدة التي وضعتها اللجنة عند تشكيل حزب سياسي جديد، أو لاحتفاظ الأحزاب القديمة بتسجيلها، وهي هنا ألف عضو مؤسس بدلاً من 150 في القانون الساري، ومن ست محافظات من أصل 12 محافظة يتوزع عليها التقسيم الإداري للمملكة...كما أن هذه الأحزاب اعترضت على إقرار عتبة حسم لأول مرة في قانون انتخابي أردني (2.5 بالمئة) من أصوات الناخبين، لإدراكها صعوبة الحصول على  هذه النتيجة في الانتخابات المقبلة على ما يبدو. 

وانفرد حزب واحد (حزب الشراكة والإنقاذ) بتوجيه اتهامات لاذعة للجنة منذ البدء، ومقاطعة أية أنشطة تتعلق بها أو حتى مناقشة نتائج أعمالها، مقترحاً طريقاً للإصلاح، أكثر جذرية، يقفز إلى "الملكية الدستورية" و"الحكومات البرلمانية المنتخبة". 

حصاد اللجنة

اعتمدت اللجنة منهج التدرج في مقاربتها التحديثية (الإصلاحية)، ويمكن وصف مخرجاتها بأنها خطة عشرية للإصلاح السياسي، وهو ما نظرت إليه قوى وشخصيات، على أنه ضربٌ من المماطلة والتسويف والإرجاء، مستندة إلى إرث متراكم من تجارب لجان مماثلة، لم تنتقل مقترحاتها وتوصياتها إلى حيز التنفيذ، وانتهت بانتفاء الحاجة لتشكيلها، سواء كانت حاجة داخلية، أم ناجمة عن ظرف إقليمي ودولي متغير. 

ولم تَكفِ هؤلاء على ما يبدو، الضمانة الملكية التي قطعها العاهل الأردني على نفسه أمام الأردنيين والأردنيات، بتوجيه الحكومة لنقلها إلى البرلمان، كما وردته من اللجنة، دون زيادة أو نقصان، والسهر على ترجمتها كما قال، في كلمة توجيهية ألقى بها في مفتتح أعمال اللجنة، بل والتأكيد على أن ولي عهده كذلك، سيواصل المهمة ذاتها...تجربة التقدم خطوة للأمام والتراجع خطوة للوراء التي ميزت المسار الإصلاحي الأردني طيلة العقود الثلاثة الفائتة، عمّقت فجوة الثقة بين الدولة ومواطنيها، وخلّفت فجوة ثقة بين القيادة والرأي العام، يصعب ردمها بكلمة هنا أو كتاب تكليف هناك، وربما يكون النظام السياسي الأردني بحاجة لما هو أبعد من ذلك وأعمق. 

ومع أنه من الصعوبة بمكانة، مناقشة النتائج الختامية للجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، في مقالة واحدة، إلا أن أهدافاً أربعة لطالما تطلع إصلاحيو الأردن لإنجازها، قد جرى "خدمتها" على نحو متقدم، أقله على مستوى "النص" الذي استبطنته الوثيقة الختامية: 

الأول؛ ويتعلق بتعزيز الهوية الوطنية الجامعة للأردنيين والأردنيين بصرف النظر عن منابتهم وأصولهم وخلفياتهم، في مواجهة "انفجار" الهويات الفرعية الذي تطايرت شراراته في السنوات الأخيرة، وتسبب في خلق حالة من الاستقطاب والتخندق وصراعات لا طائل من ورائها، تنذر بأوخم العواقب. 

الثاني: ويتعلق بالتقدم خطوة جريئة نحو برلمان قائم على التعددية الحزبية والسياسية (البرامجية) بعد ربع قرن من برلمانات "الصوت الواحد" التي عززت الهويات الفرعية والولاءات الثانوية، وأضعفت دور البرلمان السياسي والرقابي والتشريعي، وخلّفت واسعة من انعدام الثقة بين المواطنين ونوابهم، نواب الخدمات. 

والثالث: تعزيز المشاركة السياسية للأردنيين والأردنيات، وبالذات الشباب والنساء منهم، في مواجهة ظاهرة العزوف عن الأحزاب والانتخابات (نسبة الاقتراع في آخر انتخابات لم تصل إلى 30 بالمئة)، وكسر حاجز الخوف من الانخراط في العمل الحزبي، على خلفية "نظرة أمنية" متأصلة معادية للحزب السياسي، وكنتيجة مرة، لسنوات طوال من العمل بقوانين الطوارئ والأحكام العرفية. 

رابعاً: تفعيل قيم المواطنة الفاعلة وسيادة القانون والعدالة والمساواة والاندماج بين المواطنين، والعمل على "دسترتها" و"قوننتها". 

ويمكن القول، أن "المقدمة السياسية" التي بدأت بها الوثيقة الختامية، وهي لا تقل أهمية علن التوصيات بمشاريع قوانين وتعديلات الدستورية مواكبة، فضلاً عن مشاريع القوانين ذاتها، قد لبّت إلى حد كبير، نظرياً على الأقل، هذه الأهداف، وأن المطلوب اليوم، بعد انفضاض عمل اللجنة، السهر على ترجمتها، وخلق "كتلة وازنة" تقف وراءها، وعدم الاكتفاء بالوعود الرسمية من قبل الجهات الحكومية والأمنية بشق الطريق أمام توصيات اللجنة للسريان والنفاذ. 

فلأول مرة يجري تخصيص 30 بالمئة من مقاعد المجلس النيابي البالغة (138 مقعداً) لقوائم حزبية تنتخب على قاعدة "الأردن دائرة واحدة"، من دون إسقاط حق الأحزاب في المنافسة في الدوائر المحلية، وسيكون الحد الأدنى للتمثيل الحزبي في البرلمان 20 القادم، 41 عضواً، قد يصل إلى 50 أو أزيد قليلاً، وتلكم نسبة غير مسبوقة في العمل السياسي والنيابي الأردني. 

ولقد رافق ذلك، توسيع الدوائر الانتخابية بعد أن كانت المدن /المحافظات الكبرى قُسّمت في القوانين السابقة، إلى دوائر متعددة، فهبط إجمالي عددها من 23 دائرة إلى 18 دائرة فقط، وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أنه سيجري اعتماد سجل للناخبين بناء على مكان سكن الناخب، وليس مسقط رأسه أو جذر عائلته وعشيرته، كما كان يحدث غالباً، فإن من المتوقع أن يجد الأردنيون أنفسهم، على اختلاف مشاربهم، منخرطون في ورشة عمل وطنية، لإعداد قوائمهم الانتخابية وبناء أحزابهم الكبيرة، وخوض حملات انتخابية لدعم مرشحيهم من شتى الهويات الفرعية. 

لقد أولت الوثيقة، في مشاريع القوانين المتضمنة، وفي شرح أسبابها الموجبة، اهتماماً لمسألة الهوية الوطنية الجامعة، وهو أمر يكتسي أهمية خاصة في ظل انفجار الهويات القاتلة، ويضع الدولة، حال إقرار هذه الوثيقة، في قلب الجدل الدائر لاستنقاذ الهوية الجامعة وتعزيز اللحمة الوطنية وإعلاء مفهوم المواطنة الفاعلة والمتساوية، ومراعاة العدالة في المشاركة والتمثيل. 

وستجلس ثمانية عشرة امرأة على أقل تقدير، على مقاعد المجلس النيابي العشرين، علماً بأن نساء أخريات سيصلن إلى قبة المجلس على متن القوائم الحزبية، حيث خصص مقعد واحد للمرأة من بين أول وثاني ثلاثة أسماء مدرجة على القوائم الوطنية، ما يسمح على الاعتقاد بأن البرلمان القادم قد يضم قرابة 25 امرأة، وفي حال حصل ذلك، سيكون هذا أعلى رقم وأعلى نسبة للنساء في البرلمان في الأردن، وهي خطوة في الاتجاه في الاتجاه الصحيح، على تواضعها، وبرغم أنها ما زالت دون الهدف المرسوم في الاستراتيجية الوطنية للمرأة (30 بالمئة نساء في الهيئات المنتخبة والمعينة). 

لقد تم تخفيض سن الترشح للشباب في الانتخابات النيابية إلى 25 سنة (من 30 سنة في الدستور) وفي مؤسسات الإدارة المحلية إلى 22 سنة، وجرى التنصيص على مقاعد مضمونة للشباب في كل هذه المؤسسات، كما جرى اعتماد حوافز مادية للأحزاب التي تتقدم بنساء وشباب أكثر على متن لوائحها الانتخابية في الانتخابات العامة...ولأول مرة كذلك، تجري ملاحظة الحاجة لتمثيل ذوي الإعاقة، سواء في قانوني الأحزاب أو الانتخاب أو في التوصيات المتعلقة بالإدارة المحلية، وتلكم خطوة في الاتجاه الصحيح، من المأمول أن تنهض بدور الشباب والنساء، وأن تعزز القدرات المؤسسية والتنافسية للأحزاب، وأن تحفز المشاركة السياسية، وأن تكسر حاجز الخوف من العمل السياسي والحزبي، سيما بعد تضمين قانون الأحزاب مواداً جديدة، تجرم التعرض لنشطاء الأحزاب، وبخاصة طلبة الجامعات، وتعيد تعريف الحزب السياسي بأنه يهدف إلى تشكيل الحكومات والمشاركة فيها، ولأول مرة منذ أول قانون سنّ بعد إلغاء الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ (1992). 

أين من هنا؟ 

لا تدور أغلب التعليقات "المتشائمة" أو النقدية حول مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية حول مضمون الوثيقة الختامية وما تضمنته من توصيات ومقترحات، مع أنها لا تخلو من كثيرٍ منها، وكان يمكن أن تكون أفضل من ذلك، أغلب التحفظات والشكوك تدور فرص ترجمتها واستمرار مؤسسات الدولة بالعمل على تنفيذها بكل نزاهة وأمانة، بعيداً عن مختلف أشكال التعدي على الحريات ومحاولات وضع اليد على العمل الحزبي والبرلماني من قبل جهات نافذة في الدولة، وبما يعيد الاعتبار لـ"شرف صناديق الاقتراع"، ويسقط نهائياً نظرية "هندسة الانتخابات". 

ويزيد الأمر تعقيداً، أن مبدأ التدرج الذي اعتمدته اللجنة، تضمن خطة تمتد لثلاث دورات انتخابية قادمة، برلمانية كانت أم محلية، فالبرلمان 20 سيغرف 30 بالمئة من أعضائه من صفوف أحزاب قائمة أو متشكلة، لترتفع النسبة إلى 50 بالمئة إلى في البرلمان 21 و65 بالمئة في البرلمان 22 الذي سينتخب في مفتتح العشرية الرابعة من القرن الحالي، وهي مسافة طويلة في الزمن، لا ضمانة من أي نوع للالتزام برزنامتها وتوقيتاتها...وما ينطبق على الانتخابات البرلمان، ينطبق بالقدر ذاته على تجربة "الإدارة المحلية" التي ستنتقل من "الإدارة إلى الحكم المحلي" وفقاً لنظام "الأقاليم" و"اللامركزية العميقة"، بعد عشرية من السنين كذلك... 

وثمة مخاوف من أن يقظة الدولة الأردنية على الحاجة للإصلاح السياسي، هي يقظة مؤقتة وطارئة، وأن طريق الأردن للديمقراطية باتجاهين وليس باتجاه واحد، وأن عوامل محلية (أزمة الفتنة – الأمير حمزة) ودولية (مجيء إدارة بايدن) أملت السير على هذا الطريق، الذي يمكن العودة عنه، بمجرد انتفاء مفاعليها أو تغيرها...هذه المخاوف لا يمكن تبديدها دفعة واحدة، وبين عشية وضحاها، ولدى الدولة بمؤسساتها المختلفة، وفي أول انتخابات قادمة، فرصة ذهبية لتبديدها، بل ويمكن القول، أن لديها اليوم، وقبل الوصول إلى استحقاق انتخابات البرلمان 20، فرصاَ عديدة، لإقناع الرأي العام، بجدية توجهها الإصلاحي: إشاعة الحريات العامة، إطلاق سراح المعتقلين، وقف التعديات على حرية الرأي والتعبير والصحافة، إعادة نقابة المعلمين المحلولة، وغيرها كثير مما يندرج في سياق إجراءات بناء الثقة واستعادتها. 

لكن على الأحزاب السياسية والنشطاء وفاعلي المجتمع المدني وكافة قوى الإصلاح، إدراك الحاجة لخلق "كتلة تاريخية" وازنة، تقف خلف هذه الإصلاحات، وتحفز مسار الدمقرطة وتحصنه من احتمالات التراجع والانتكاس الوراء...فما حصل خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح، تبنتها الدولة من رأسها إلى مختلف مؤسساتها الأمنية والسياسية، والمطلوب اليوم، الاحتفاظ بقوة الزخم، وجعل التراجع عن هذه التعهدات والالتزامات، أكثر كلفة من الالتزام بها والعمل على ترجمتها...المهم إبقاء القناعة راسخة، بأن كلف الإصلاح أقل بكثير من كلف عدم الإصلاح، والكرة في ملاعب الجميع، وليست في ملعب فريق واحد. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.