قبل 20 عاما، أزاح الجيش الأميركي حركة طالبان من السلطة بعد سماحها للقاعدة بتخطيط اعتداءات 11 سبتمبر الإرهابية من أراضي أفغانستان
قبل 20 عاما، أزاح الجيش الأميركي حركة طالبان من السلطة بعد سماحها للقاعدة بتخطيط اعتداءات 11 سبتمبر الإرهابية من أراضي أفغانستان

الانسحاب الاميركي الفوضوي والدموي من أفغانستان فاجأ القادة السياسيين والعسكريين الاميركيين، كما فاجأ حلفائهم وخصومهم في العالم، وأدى إلى جدل أميركي ودولي حول "دروس" أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، ومضاعفات الانسحاب على سمعة ومكانة وصدقية الولايات المتحدة كدولة عظمى وحليفة، واجهت في السنة الماضية زلزالا سياسيا داخليا، تمثل في اجتياح عنيف لمبنى الكابيتول لا تزال تعاني من تردداته الخطيرة. 

في الولايات المتحدة، وصف السياسيون من جمهوريين وديمقراطيين الانسحاب وعملية إجلاء الرعايا الاميركيين والاجانب من مطار كابول "بالكارثي" و "المهين"، وقارن المحللون ومن بينهم ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية "السقوط السريع لكابل يذّكرنا بالسقوط المهين لسايغون في 1975". ونشرت مقالات في الدوريات السياسية بعناوين مثل "نهاية الإمبراطورية" و "عودة الانعزالية" و "أميركا المتواضعة: نهاية النزعة العسكرية بعد هجمات سبتمبر 2001". الأوروبيون، الذين هزتهم صور الفوضى والعنف في كابول، وهم شركاء واشنطن في حربها الطويلة، أجمعوا على اعتبار الانسحاب السريع وفوضى عملية الجلاء على انها نكسة تتخطى الولايات المتحدة، كما قال نوربرت روتغين "الضرر الذي حدث يطال الصدقية الاخلاقية والسياسية للغرب".  

وعلى الرغم من اعتراف الرئيس بايدن بأن الانهيار السريع للجيش الأفغاني ومؤسسات الدولة الأخرى لم يكن متوقعا، إلا  أنه أصر على أن قراره بتنفيذ الانسحاب في موعده كان صائبا، لأن الخيار الاخر  كان إطالة حرب لا يؤيدها الشعب الأميركي واستمرت لعشرين سنة، ولن تتغير موازينها إذا استمرت لسنة او سنتين او أكثر.  

هذا الجدل الراهن في الأوساط السياسية والعسكرية والأكاديمية الأميركية مرشح للاستمرار في السنوات المقبلة وقطعا خلال ولاية الرئيس بايدن الذي يريد تركيز جهود وموارد الولايات المتحدة الاقتصادية والعسكرية في منطقة شرق آسيا لردع واحتواء النفوذ الصيني في تلك المنطقة التي أصبحت المنطقة الجغرافية الأهم اقتصاديا لواشنطن في العالم.  

النقّاد الكثر للرئيس بايدن في الداخل والخارج طرحوا أسئلة مثل: كيف سينظر خصوم الولايات المتحدة مثل الصين وروسيا وايران وكوريا الشمالية لنكسة أفغانستان، وكيف سيتعامل مع مضاعفاتها السلبية أصدقاء وحلفاء واشنطن في أوروبا، والشرق الأوسط وشرق آسيا؟ وحتى في هذا الوقت المبكر بعد نكسة أفغانستان، بدأ المعلقون بالحديث عن مزاج أميركي انعزالي بعض الشيء مماثل كثيرا للمزاج السياسي والشعبي في أعقاب ما سمي "متلازمة فيتنام" أو عقدة حرب فيتنام والتي هيمنت على الأوساط السياسية والعسكرية الاميركية ودفعت بالولايات المتحدة لتفادي التورط في حروب كبيرة ومكلفة.

التدخلات العسكرية التي عقبت الحرب في فيتنام مثل التدخل العسكري في لبنان وغرانادا  والصومال وحتى حرب الخليج الأولى في 1991 والبلقان، كانت قصيرة وغير مكلفة كثيرا للولايات المتحدة. في لبنان والصومال انسحبت القوات الأميركية بعد خسائر غبر مبررة في دول غير مهمة استراتيجيا للولايات المتحدة. في العراق كان الانتصار العسكري حاسما وسريعا، وفي البلقان نجح التدخل الاميركي في خلق استقرار سياسي مستمر منذ عقود. 

الذين تحدثوا او رحبوا بمتلازمة فيتنام وعقدة تلك الحرب المكلفة، فوجئوا انه بعد كارثة فيتنام بستة عشر سنة حققت الولايات المتحدة انتصارا تاريخيا مذهلا حين ساهمت حربها الباردة والطويلة ضد الاتحاد السوفياتي بانهياره التام دون اطلاق صاروخ واحد. 

 بعد نكسات الولايات المتحدة في لبنان والصومال، تساءل الكثير من المحللين والمعلقين كيف يمكن لمجموعات مسلحة وتنظيمات إرهابية محلية إرغام دولة عظمى على الانسحاب العسكري بعد تعرض قواتها لخسائر غير متوقعة وفي ظروف محرجة وحتى مهينة؟ ولكن الأسباب التي دفعت بالولايات المتحدة للتدخل العسكري في لبنان  والصومال كانت إنسانية وسياسية آنية وليست استراتيجية: في لبنان توفير الحماية للفلسطينيين المدنيين بعد تعرضهم للقتل الجماعي، وفي الصومال مساعدة قوات الأمم المتحدة.

وعلى الرغم من ادعاءات ومبالغات الرئيس رونالد ريغان حول أهمية لبنان في السياسة الأميركية، إلا انه لم يتردد للحظة واحدة بسحب القوات الأميركية من بيروت بعد تفجير مقر المارينز والثمن البشري الفادح للتفجير، لأنه وغيره من المخططين الاستراتيجيين الأميركيين لم يضعوا لبنان ولو لثانية واحدة في خانة الدول المهمة استراتيجيا للولايات المتحدة.

التقويم ذاته يسري على الصومال. (لا أزال أذكر تحليلات وشطحات بعض المعلقين العرب الذين رأوا في الانزال الاميركي في الصومال عملية عسكرية تهدف الى حماية باب المندب). في المقابل، احتلال العراق للكويت كان خطا أحمر، لأن الكويت، وبعدها السعودية وبقية دول الخليج العربية كانت جوهرية للاقتصاد العالمي وهذا يعني أن واشنطن لن تسمح لدولة إقليمية عدوانية ان كانت العراق او ايران بالتحكم بأسعار وأسواق النفط في العالم.  

من الواضح أن الرئيس بايدن ومستشاريه ينظرون الى الانسحاب الاميركي من افغانستان من هذا المنظور. الاحكام السريعة حول الثمن السياسي والاستراتيجي الذي ستدفعه واشنطن لخروجها المحرج من افغانستان سوف تبدو مع مرور بعض الوقت مبالغا فيها كما كانت الاحكام والتقويمات الاولية لمضاعفات الانسحاب الاميركي من لبنان والصومال.  

وهذا يضعنا الآن أمام الامتحان الذي تمثله الأزمة السياسية والعسكرية المتفاقمة بين الصين من جهة وتايوان التي تدعمها واشنطن سياسيا وتسلحها عسكريا من جهة أخرى. الولايات المتحدة تعترف رسميا بوجود دولة صينية ذات سيادة واحدة هي الصين، التي يحكمها منذ 1949 الحزب الشيوعي. طبعا العلاقات الاقتصادية والعسكرية المتشعبة بين الولايات المتحدة وتايوان، لا تشمل أي التزام اميركي رسمي او غير رسمي بالدفاع العسكري عن تايوان في حال تعرضها لاجتياح صيني. طبعا، أي اجتياح صيني شامل او محدود لتايوان سوف يؤدي الى أزمة خطيرة بين واشنطن وبيجين واحتجاجات دولية قوية، ولكنه لن يؤدي بالضرورة الى دخول الولايات المتحدة في حرب مع الصين لحماية أو إنقاذ تايوان.

رد الفعل الأميركي ضد الصين قد يكون قويا أكثر من رد الفعل الأميركي ضد روسيا في أعقاب احتلالها وضمها لشبه جزيرة القرم وانتزاعها من أوكرانيا في 2014. صحيح أن عدد الأميركيين – في استطلاعات الرأي الاخيرة – الذين يؤيدون تدخل الولايات المتحدة عسكريا لحماية تايوان يزداد، مع ازدياد التوتر مع الصين، ولكن المخططين الاستراتيجيين والسياسيين في واشنطن يدركون ان التورط في حرب مع الصين قرب حدودها وعلى بعد الاف الاميال من الولايات المتحدة ليس خيارا واقعيا.  

الولايات المتحدة ملتزمة منذ عقود بالدفاع عسكريا عن حلفائها في حلف شمال الأطلسي، (الناتو) وكوريا الجنوبية واليابان، ولكن لا توجد هناك التزامات مماثلة مع دول عديدة تربطها علاقات جيدة مع الولايات المتحدة.  

عملية تخفيض الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج وشرق المتوسط سوف تستمر في السنوات المقبلة، لأن معظم الأسباب التي أدت إلى هذا الوجود إما لم تعد موجودة، أو انخفضت كثيرا. وعلى الرغم من التوتر بين إيران (وحلفائها مثل التنظيمات التي تخدمها في اليمن والعراق) ودول الخليج العربية، والاعتداءات الايرانية ضد ناقلات النفط العربية وغير العربية في مياه الخليج او الهجمات الصاروخية الايرانية ضد المنشآت النفطية السعودية في أبقيق في 2019، فإن الولايات المتحدة لم تتعامل مع هذه الهجمات وكأنها ترقى الى مستويات خطيرة تتطلب ردا اميركيا مباشرا. في يونيو 2019، اسقطت ايران طائرة استطلاع أميركية متطورة دون طيار فوق المياه الدولية في منطقة مضيق هرمز، ومع ذلك فقد امتنع الرئيس السابق دونالد ترامب، على الرغم من مواقفه النارية ضد ايران عن الرد العسكري على مثل هذا الاستفزاز. ومنذ وصوله الى البيت الابيض، يؤكد الرئيس بايدن بأقواله واجراءاته انه يريد تفادي مواجهة عسكرية مع ايران.  

إدارة الرئيس بايدن لا تزال تقول – علنا على الأقل – أنها لا تزال ملتزمة بالسعي لحل الخلاف النووي مع إيران بالوسائل السلمية، وأنها لم تفقد الأمل نهائيا من عودة إيران إلى مفاوضات فيننا النووية. ولكن في حال انهيار هذه المفاوضات كليا، واقتراب أيران كثيرا من امتلاك معظم مقومات تصنيع قنبلة نووية، فإن ادارة الرئيس بايدن سوف تواجه معضلة سياسية واستراتيجية قد ترغمها على تعديل سياستها بالانسحاب العسكري البطيء والتدريجي من المنطقة. أي شيء أقل من ذلك لن يوقف مسيرة تخفيض الوجود العسكري الاميركي في الشرق الاوسط.  

الرئيس بايدن الذي يتحدث دائما عن ضرورة اتباع سياسة خارجية تخدم الطبقة الوسطى الاميركية يدرك انه ورث انقسامات واستقطابات سياسية واجتماعية وثقافية عميقة ومماثلة الى حد بعيد للانقسامات التي شهدتها الولايات المتحدة في العقد الذي سبق الحرب الاهلية، وعليه ان يعمل على احتواء هذه الانقسامات على الاقل. وهذا يعني تركيز اهتماماته وجهوده واستخدام أوراقه السياسية من أجل صيانة واصلاح الجبهة الداخلية وفي الوقت ذاته التركيز على مواجهة التحدي الصيني في شرق آسيا.  من هذا المنظور يتعامل الرئيس بايدن مع شؤون وشجون منطقة الشرق الاوسط .  

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.