في مشهد عمومي، يشبه حكايات ومرويات ومسببات "الهجرات العُظمى"، التي تعرضها بعض الأفلام الوثائقية لعالم الحيوان، يكاد كُل السوريين مُطلقاً أن يكونوا أناساً مهيئين وباحثين وساعين للجوء والنزوح والهجرة ومغادرة بلادهم.
سواء الذين يتعرضون لخطر جسدي وحياتي مادي مباشر من الحرب الدائرة في بلادهم، أو كانوا من الذين يعيشون سلاماً وأماناً نسبياً عن ذلك، في الأماكن التي لا تشهد مواجهات عسكرية، وحتى تلك التي لم تشهد أحداثاً أمنية قط. إذ ثمة ما يشبه "الوباء النفسي"، أساسه اضمحلال أية ثقة بالقدرة والقابلية لبناء شكل ما للحياة، المُستقرة والمُستدامة وذات مضمون.
في أزمنة سابقة، لم تكن ظروف وشروط الحياة سهلة في سوريا. فطوال أكثر من نصف قرن مضى، كانت سوريا دولة شمولية الحُكم، تهدر فيها الأجهزة الأمنية والمؤسسات العسكرية كرامات الناس وحقوقهم البديهية.
كذلك كان المُجتمع السوري فقيراً بأغلبيته المُطلقة، ومستويات الخدمات العامة متدهورة للغاية. ومع كل ذلك، لم تكن نسبة الباحثين عن الفرار الناجز بهذا العدد الكُلي، ولا كان السوريون فاقدين لحس الولاء والوفاء والارتباط ببلادهم وتفاصيلها وأنماط عيشها ومجتمعها وخصوصياتها التي كانت.
بهذا المعنى، فإن السوريين لم يعودوا يخشون الحرب وأحداثها، بل صاروا فاقدين تماماً لأية ثقة ببلادهم نفسها، بلعبة ومنطق ومسار الحياة داخلها، راهناً وفي أي مُستقبل منظور، أياً كانت النتائج والتحولات السياسية التي قد تحدث في ذلك المستقبل.
فهذه الحرب السورية التي طالت للغاية، وصارت دون أي أفق، وحطمت الفروق القيمية والسياسية والأخلاقية بين المُتصارعين، إنما دخلت مرحلة من العدمية المتقادمة بالنسبة لأغلبية واضحة من السوريين هؤلاء، معارضين ومؤيدين ومحايدين، وصاروا يعتبرون أن الفرار من هذه العدمية هو الحل الوحيد المُمكن، دون أي تصور وسياق آخر متخيل للحياة.
طوال عقود كثيرة سبقت الحرب، وبالرغم من ظروف الحياة التي كان يعيشها السوريون هؤلاء، فإن أغلبية واضحة منهم كانت تملك مخيلة ووعياً لسياقات الحياة المستقبلية، وضمن البلاد.
فمئات الآلاف من العُمال الفقراء مثلاً، كانوا يسعون جاهدين لأن يُرسلوا أولادهم إلى المدارس، لينالوا تعليماً جيداً ووظائف حكومية أو خاصة، تُزيد من مداخيلهم المالية ومواقعهم في السلم الاجتماعي، ليتمكنوا في مرحلة لاحقة من تغيير أوضاعهم البائسة.
كذلك كان الملايين من الفلاحين الأكثر بساطة وهامشية، يعملون ليل نهار، وحتى في أكثر المناطق الزراعية قسوة وتصحراً في البلاد صعوبة، فقط ليستأجروا بيوتاً لأبنائهم في البلدات والمُدن البعيدة، ويؤمنوا لهم مصاريف شهرية، ليكملوا تعليمهم أو أعمالهم، ويستطيعوا تغيير أنماط حياتهم وأنواع مهنهم.
أكثر الطبقات الاجتماعية السورية هذه بساطة، وأقلها حداثة واطلاعاً، كانت متمركزة حول وعي شديد العُمق، يملك رؤية وبرنامج عمل تاريخي، يكاد أن يفوق برامج الحكومات العالمية من حيث تفاصيله ومداه. كان السوريون كذلك لأنهم كانوا مجتمع عمل كبير، ولأن سوريا كانت كياناً مستقراً نسبياً، السياسة فيه مفصومة نوعاً ما عن المُجتمع، الذي كان ملتهياً وموالياً لنفسه.
مثل العمال والفلاحين، كان المعلمون وموظفو الدولة والعاملون في اقتصاد الظل، كان الملايين من السوريين هؤلاء يشيدون ظروف حيواتهم ببطء شديد، ربما تمتد لثلاثة أو أربعة أجيال كاملة، يضيف كل واحد منها شيئاً يسيراً لما حققه الآباء والأجداد. يشترون بيوتاً بالتقسيط الطويل، يشترك العشرات منهم في مشروع واحد صغير، يعمل أربعة أو خمسة أفراد من عائلة واحدة لإتمام مشروع زواج أو شراء حانوت صغير لفرد سادس من العائلة. يسافر فرد من العائلة إلى إحدى دول الجوار ويرسل أكثر من نصف مدخوله الشهري لعائلته المستقرة في البلاد لتنظيم حياتها.. وهكذا.
قبل الحرب، كان السوريون في هذا السياق يُجمِعون بغالبتهم المُطلقة على تفصيلين صغيرين: يقوم الأول على تنظيم الحياة وكأن الدولة غير موجودة، أي دون انتظار أية مساهمة أو مساعدة من مؤسساتها وأدواتها وخيرها العام. على العكس تماماً، كانوا يعتبروها ثقلاً على مبادراتهم وأعمالهم ونشاطاتهم اليومية.
التفصيل الآخر كان يتعلق بالسعي والإصرار الدائم على تشييد أشكال الحياة والصعود في السلم الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي بشكل متقادم، أياً كانت درجة البطء والصعوبة التي في ذلك، لكن دائماً كان السوريون بغالبيتهم يملكون رؤية ونفساً طويلاً لما يتخيلون ويتوقعون أن تكون عليها حياتهم مستقبلاً.
حطمت الحرب كلا الديناميكيتين، فالدولة لم تعد مُجرد فاعل سلبي وثانوي في سعي الناس لبناء حياتهم، بل صار واضحاً أنها غدت غولاً ضخماً يقود البلاد مرة بعد أخرى نحو الهاوية، التي تحطم كُل ما تم بناؤه لسنوات كثيرة. كذلك صار السوريون فاقدين لرؤية ما قد تكون متسقة ومنطقية لما ستكون عليه الأمور كلها مستقبلاً.
فعلت الحرب السورية ذلك لأسباب مركبة. لأن السوريون لاحظوا يوماً بعد آخر أن هذه الحرب تستمر دون معنى ونهاية، وأن المُجتمع الدولي لا يملك أية طاقة أو قرار لوضع خطوط حُمر ما للمتصارعين.
لكن الأكثر تأثيراً وتفصيلاً على ذلك كان هذا المدى المُريع من انكشاف سوريا لصالح خارجها، فالمتصارعون السوريون أثبتوا إنهم مُجرد أدوات للقوى الإقليمية والخارجية، وتالياً فإن السوريين فقدوا مزيداً من الإحساس بخصوصية ودفء بلادهم، مثلما كانوا يملكون في سنوات سابقة، حينما كانوا يحسونها ذاتاً ملتفة على نفسها.
الحرب السورية لن تنتهي لحظة وقف إطلاق النار، بل فقط وقتما يعود السوريون إلى الثقة بحياة ما ممكنة في بلادهم، بالرغم من الصعوبات المُعاشة، تلك اللحظة التي ربما يحتاج السوريون لأجيال كثيرة كي يبلغوها.

