الغاز ومستقبل المنطقة.. تساؤلات عدة
الغاز ومستقبل المنطقة.. تساؤلات عدة

يتحدث الجميع هنا في أوروبا عن أزمة في "الغاز" متوقعة، بل ووشيكة على أبواب الشتاء، الذي نتلمس برودته مبكرا هذا العام.

كنت في مقالات سابقة تحدثت عن تحولات دولية وإقليمية بشكل استدارات كاملة، كان سببها تحول جوهر النزاعات بين اللاعبين الكبار دوليا، من نزاعات على "النفط"، إلى تنافس شرس حد المواجهة على الغاز ومصادره.

قبل يوم من كتابة المقال، أقرأ خبرا صغيرا ومقتضبا ومكثف المعلومات بأن "قطر للبترول" غيرت اسمها الرسمي إلى "قطر للطاقة"، مع حديث لوزير الطاقة القطري ورئيس الشركة أن تغيير الاسم يترافق مع تغيير إلى استراتيجية جديدة ستركز على كفاءة الطاقة وتكنولوجيا صديقة للبيئة مثل تقنية احتجاز ثاني أكسيد الكربون، مضيفا أن "قطر للطاقة ترغب أن تكون أكثر كفاءة في استخدام الطاقة."

وعلى موقع الشركة الإلكتروني كان التغيير في المحتوى سريعا ومدروسا وقد قدمت الشركة تعهدها أن تعمل على توصيل "الطاقة الأنظف" التي يحتاجها العالم.

حسنا..

هذا مؤشر واضح على الاستدارات الكاملة في العالم، وفي الإقليم، وهو الذي كان يحمل اسم "الشرق الأوسط" ليتحول أيضا إلى اسم جديد يعكس التغيرات فيه، ويصبح "شرق المتوسط".

هذا التغير في أولويات اللاعبين الكبار في مصادر الطاقة من البترول إلى الغاز، لو اعتمدناه كمعيار جديد لفهم متغيرات السياسة في "الشرق الأوسط سابقا" ربما استطعنا الوصول إلى تفسيرات فيها منطق أكثر من القراءات التقليدية القديمة التي تصلح لعالم الأمس.

قطر، التي تحكم علاقاتها مع إيران تشابكات مشدودة إلى أقصاها على وتر المصالح تشترك مع جارتها الشمالية بأكبر حقل غاز في العالم على الإطلاق، تسمية الحقل نفسها تعتمد على زاوية رؤية الدوحة وطهران: هو حقل الشمال بالنسبة لقطر، وحقل الجنوب الفارسي بالنسبة لإيران!

احتياطي الغاز حسب المصادر المختصة في الحقل تبلغ 51 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، ويشغل الحقل مساحة 9700 كم² من المياه الاقليمية الإيرانية، و6000 كم² من المياه الاقليمية القطرية.

ببساطة.. تتبع سيرة حياة الغاز المشترك بين إيران وقطر، وحينها ستفهم المنعطفات والاستدارات المفاجئة في العلاقات السياسية بين الدولتين وأثرها على المحيط والإقليم والعالم، وربما يمكن حينها فهم خطورة ما وصل إليه تيار "الإخوان المسلمين" من قوة ونفوذ وتأثير "ممول"، وهو شريك ولاعب أساسي على ضفاف كل هذا الغاز.

--

في شرق البحر المتوسط، تلك الزاوية التي تعج بالدول والأزمات التاريخية، الوضع يصبح أكثر تعقيدا فنحن أمام تداخل معقد ومتشابك من الأبعاد القانونية والسياسية والاقتصادية والأمنية مما يجعل شرق المتوسط منطقة قابلة للاشتعال السريع، خصوصا أمام عدم الجاهزية القانونية لاستثمار الثروات هناك أولا، كما أن اتفاقيات ترسيم الحدود التي كان يفترض أن تضبطها اتفاقيات القوانين والمعاهدات الدولية، كانت دوما معلقة لتصبح مشكلة حقيقية شديدة الخطورة اليوم.

كانت المشاكسات التركية في المياه القبرصية مضبوطة في توقيتها ومساحتها، توقيتها انتهى مع رحيل إدارة ترامب وقد وصلت البرقيات المطلوبة إلى الإدارة الجديدة والعالم، ومساحتها كانت في المجال الحيوي لليونان ومصر، وتلك برقيات إقليمية توضح خطورة الاستمرار في تعليق اتفاقيات ترسيم الحدود، وهو ما يفضي مباشرة إلى فتح ملفات الأزمات الإقليمية "والبينية الثنائية" العالقة والمتوترة بين لاعبي ذلك الإقليم بكباره وصغاره، فالكل أمام مشروع غاز محتمل وضخم مؤهل ليكون كبيرا ومؤثرا، مما يعني إعادة قراءة المواقف وربما ابتكار الاستدارات السياسية في تلك المواقف حسب المصالح لتلك البلدان، مصالح بحاجة إلى ترسيم على مقياس مسطرة حقول الغاز في شرق المتوسط، التي ترجحها تقديرات بحجم يفوق الـ120 تريليون متر مكعب، غير وجود احتياطي نفط، نعم نفط، بحجم 107 مليار برميل قابل للاستخراج.

هذه أرقام تعني أننا امام أكبر احتياطي غاز فعليا في عالم يتحول نحو الغاز كمصدر طاقة، وهذا الاحتياطي قريب جغرافيا من أكبر سوق موحد للاستهلاك المباشر وهو القارة الأوروبية!

لكن، هذا الغاز كله، الذي بطبيعته لن ينتظر طويلا تحت الأرض، يتطلب للاستفادة منه ترتيب كل ملفات الإقليم حوله، تسويات في العلاقات الدولية تتجاوز كل ما كان الكل يتصوره "بديهيات" باتت في مهب "الغاز" نفسه.

إسرائيل ولبنان وتركيا وسوريا ومصر واليونان وقبرص، في داخل الملفات قبرص بشمالها وجنوبها، وقطاع غزة (الأفقر والأكثر بؤسا بين الكيانات التي تشرف على حقول غاز ضخمة) وعلاقة القطاع بالضفة الغربية، مستقبل كل تلك الجغرافيا في ضوء المعطيات الجديدة، ودول على الحافة مثل الأردن والعراق، التي ستنتقل من مناطق عازلة، إلى مساحات تواصل ونقل حيوية.

الغاز، أصبح الكلمة المفتاحية لفهم كل ما يدور في عالم العلاقات الدولية المتشابك والمعقد فيما كان يسمى الشرق الأوسط، الشرق الأوسط الذي كانت كلمته المفتاحية "النفط" صار اليوم شرق المتوسط الوارث الشرعي لكل إرث الأزمات الإقليمية الثقيل واللاعبون فيه هم الجميع، لا دول وحسب، بل وشركات تندمج وتتحالف وتدرك حجم التغيرات الهائلة في عالم العلاقات الدولية وتكنولوجيا ثورة المعلومات التي أصبحت تخلق أسواقا موازية، قادرة على تغيير اللعبة كلها، لا قواعدها فقط.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.