الإخوان.. تاريخ وجدل
الإخوان.. تاريخ وجدل

يدعي كثير من قيادات الإخوان المسلمين أن جماعتهم قامت على أساس بعث وتجديد الإسلام والدعوة له بالحسنى، وأنهم طالما سعوا للعمل في أوساط الجماهير بالطرق والوسائل السلمية في الوقت الذي واجهتهم فيه الأنظمة الحاكمة بالقمع والتنكيل، فهل يصمد هذا الادعاء أمام ممارسة الجماعة العملية على أرض الواقع؟

من المؤكد أن المبادئ الفكرية والأسس التنظيمية التي قام عليها بنيان الجماعة تضمنت دعوات صريحة لممارسة العنف تجاه الآخر المُختلِف من أجل إخضاعه لأهداف الإخوان، وقد تجلى هذا الأمر في التجربة العملية للجماعة منذ بواكير نشأتها.  

في 7 يناير 1992 أقيمت بمعرض القاهرة الدولي للكتاب مناظرة تحت عنوان "مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية" شارك فيها الشيخ محمد الغزالي وعضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان مأمون الهضيبي والدكتور محمد عمارة من جانب دعاة الدولة الدينية، في مواجهة الدكتور فرج فودة والدكتور محمد أحمد خلف الله المدافعين عن الدولة المدنية، وقد أدار المناظرة الدكتور سمير سرحان رئيس الهيئة العامة للكتاب حينها.

خلال المناظرة طرح الدكتور فرج فودة التساؤلات التالية على المستشار الهضيبي: (هل أفعال الصبيان الذين ينتسبون للإسلام بالعنف وهو دين الرحمة.. أفعال الصبيان هذه منكم أو ليست منكم؟ سيادة المستشار الهضيبي وهو رجل قانون يقول لنا إذا كان التنظيم السري كان جزءا من فصائلكم أم لا؟ هل تدينونه اليوم أم لا؟ هل مقتل النقراشي ومقتل الخازندار هي بدايات لحل إسلامي صحيح، أم أن الإسلام سيظل دين السلام والرحمة؟ والدين الذي يرفض أن يقتل مسلما ظلما وزورا وبهتانا لمجرد خلاف في رأي).

وفي رده على الدكتور فودة قال المستشار الهضيبي: (أما بقى حاتقولي الإرهاب والجهاز السري فنحن نفخر ونتقرب إلى الله بالجهاز السري).

هذا الرد الحاسم من الهضيبي يوضح بجلاء أن استخدام العنف واغتيال المخالفين يعتبر أمراً أساسياً في فكر الجماعة وهو وسيلة للتقرب لله، وقد أشار الأستاذ محمد الباز في كتابه "المضللون" إلى أن وقع كلمات الهضيبي كان صادماً على أحد قيادات الجماعة ممن حضروا المناظرة وهو المحامي ثروت الخرباوي الذي قال في تعليقه على كلام المستشار حول التنظيم السري:

(أيأتي المستشار مأمون ليقول للعالم أجمع إننا نتعبد لله بأعمالهم؟ كيف هذا وأيم الله؟ لقد أثارت كلماته حيرتي وأدخلت الريبة في نفسي، أي عبادة تلك التي قتلت مسلمين آمنين على أنفسهم؟ في ليلة وضحاها وعلى لسان رجل القضاء الكبير يصبح قتل النقراشي رئيس وزراء مصر عبادة، وكمثل الساحر اللبيب الفطن أو الخطيب البليغ ذرب اللسان يقف المستشار عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان ليبدل الحقائق ويسحر أعين الناس وعقولهم، فتتحول عملية قتل سيد فايز الإخواني، الذي نشأ في معية الجماعة ثم اختلف مع النظام الخاص إلى عبادة نتقرب بها إلى الله).

كان رد المستشار مأمون الهضيبي، إلى جانب أشياء أخرى، سببا في خروج المحامي الخرباوي من صفوف الجماعة، حيث قام بنشر العديد من الكتب الهامة التي كشف فيها الأسرار الداخلية للإخوان وعدم تورعهم عن تشويه الدين وتوظيفه بشتى السبل من أجل الوصول للسلطة.

أما في السودان فقد ظل العنف ملازما لمسيرة الجماعة وتنظيماتها المختلفة (خاصة الطلابية)، كما أنها وصلت للسلطة عبر الانقلاب العسكري، ومارست أسوأ أنواع التعذيب والقمع والتنكيل ضد الخصوم السياسيين طيلة 30 عاما من الحكم.

وعندما خرجت الجماهير في ثورة عارمة ضد حكم الإخوان الفاسد في ديسمبر 2018، كشف الرجل الثاني في الجماعة، علي عثمان محمد طه، أن هناك "كتائب ظل" تحمي النظام، وقال في حوار تلفزيوني شهير:

(الآن هذا النظام تحميه كتائب ومجموعات هي على استعداد للتضحية ليس فقط هي تقف من وراء مؤسسات الدولة، نعم هي التي مطلوب منها أن تقوم بدورها في الحياة المدنية العادية في تسيير دولاب الحياة، ولكن هنالك كتائب ظل كاملة يعرفونها وأحسن أن نقول لهم هي موجودة تدافع عن هذا النظام اذا ما احتاج الأمر لتسيير دولاب العمل، تدافع عن هذا النظام إذا ما احتاج الأمر الى أن تقوم بمهام العمل المدني، تدافع عن هذا النظام حتى إذا احتاج الأمر التضحية بالروح، هذا نظام تحرسه مثل هذا الإرادة وتحرسه من قبل ومن بعد عناية الله سبحانه وتعالى).

احتفظت الجماعة طوال سنوات حكمها بهذه الكتائب المسلحة، وجعلتها تعمل في الظل على الرغم من تطبيقها سياسة التمكين البغيضة التي قامت بموجبها بفصل الآلاف من العاملين بالأجهزة الرسمية من جيش وشرطة وأمن، وزرعت مكانهم الكادر المنتمي للإخوان، وعندما هدرت الملايين في الشوارع مطالبة بسقوط النظام أخرجت الجماعة كتائب الظل المسلحة التي قامت بحصد أرواح المئات من الشباب البريء. 

قد بات مؤكدا اليوم أن الجماعة استخدمت أموال الخزينة العامة وموارد الدولة في الصرف على كتائب الظل وتسليحها من أجل قتل الشعب وحماية النظام، ضاربة عرض الحائط بكل القيم والشعارات الدينية التي تتغنى بحرمة المال العام ومراعاة حقوق الناس، وعلى الرغم من ذلك يدعي الرجل الثاني أن نظام حكمهم كانت "تحرسه من قبل ومن بعد عناية الله سبحانه وتعالى"، فتأمل! 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.