تمثال كريستوفر كولومبوس - واشنطن العاصمة
تمثال كريستوفر كولومبوس - واشنطن العاصمة

"يوم كولومبوس"، الاثنين المجاور للثاني عشر من شهر تشرين الأول، هو أحد أيام العطلة الرسمية لدى الحكومة الاتحادية في واشنطن، وفي العديد من الولايات الأميركية.

أصول هذه المناسبة الاحتفالية، وإن كانت طبعاً معلنة رسمياً على أنها لتخليد ذكرى اكتشاف العالم الجديد، تعود فعلياً إلى التجربة الإيطالية في الولايات المتحدة. يذكر هنا أن المجتمع الأميركي، كما هو اليوم مرتاب بمجمله من مكوناته الإسلامية والعربية، قد شهد مراحل كان فيها الارتياب من نصيب اليهود، وقبلهم الكاثوليك، ولا سيما من هؤلاء من جاء من إيطاليا وإيرلندا، لتمايزهم في دينهم وتقاليدهم.

والاحتفال الرسمي الأول بيوم كولومبوس قد جرى في الذكرى الأربعمئة لرحلته، عام ١٨٩٢، في أعقاب مقتل ١١ إيطالياً في مدينة نيو أورلينز في ولاية لويزيانا، في محاولة من الرئاسة الأميركية لتبديد عزلة الإيطاليين في الولايات المتحدة، والتأكيد على أنهم جزء من النسيج المشترك للبلاد.

هذا ما بقي عليه هذا العيد على مدى معظم القرن العشرين. فكما للإيرلنديين الأميركيين "يوم القديس باتريك" في السابع عشر من شهر آذار، كذلك للإيطاليين الأميركيين، خصومهم الودودين في العديد من المدن الأميركية، "يوم كولومبوس" للاعتزاز بالأصول الإيطالية وإقامة المهرجانات من وحي العادات والتقاليد في مختلف المحافظات والبلدات الإيطالية.

غير أنه، منذ أواسط القرن الماضي، لم يكن تلقي فكرة الاحتفال بكولومبوس مدعاة للسرور لدى التقدميين، إذ رأى العديد منهم في كولومبوس رمزاً للفتح والاستعمار والاستباحة، أي تعبيراً وحسب عن غلبة الأوروبيين على السكان الأصليين. وعلى مدى العقود السابقة، شهدت البلدات التي يغلب على مجالسها التقدميون، ثم بعض الولايات على التوالي، رفضاً لهذا العيد ودعوات لاستبداله باحتفالات تبرز تراث السكان الأصليين.

وقد اعتمدت إدارة الرئيس بايدن أخيراً وجهة النظر التقدمية إذ أعلنت أن يوم الاثنين الماضي، وهو "يوم كولومبوس" وفق السائد، هو عطلة رسمية بصفته "يوم الشعوب الأصلية".

قد يبدو القرار شكلياً وعَرَضياً، شأنه شأن الإعلانات المتواصلة الصادرة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية لتخصيص يوم احتفالي لأي غرض، مهما كان غريباً، ولأي مجموعة مهنية أو عرقية أو لغوية يستحسن استرضاؤها. على أن الأمر هنا يتجاوز ذلك، بل يكشف مجدداً عن الشرخ الكبير الذي يزداد اتساعاً على مستوى الثقافة والمجتمع والهوية في الولايات المتحدة.

المسألة طبعاً ليست "اكتشاف" أميركا. أهمية وصول كولومبوس إلى العالم الجديد هي في أنه أطلق تبادلاً حياتياً واقتصادياً وبشرياً على مستوى الكوكب. له بالتأكيد خصوصية، وإن بتنويهات.

لم يكن كريستوفور كولومبوس يدرك، يوم رست سفنه عند شاطئ إحدى جزر البحر الكاريبي، يوم الثاني عشر من تشرين الأول عام 1492، أنه قد اكتشف قارة جديدة. الهدف من رحلته كان إيجاد الطريق الغربي إلى الهند، بناء على استقرار القناعة بكروية الأرض، ولتحقيق التجارة المباشرة مع هذا الشرق البعيد الذي كان يورّد السلع الثمينة للمرافئ الأوروبية.

لم يكن يدري، ولا هو تقصّد الاكتشاف. ثم أن تسمية العالم الجديد جاءت بعد قرابة العقدين نتيجة قرار من مطبعة عند إصدارها لأحد الأطالس، إذ اعتمدت رأي بحّار إيطالي مغمور بأن الأرض التي بلغها كولومبوس هي قارة جديدة، فأوردت تسميتها بتأنيث اسمه مع بعض التحريف. أميريغو أنتج أميركا، وذلك رغم إقرار المعاصرين بأن أول من بلغ هذا العالم الجديد هو كولومبوس.

نسبة اكتشاف العالم الجديد إلى كولومبوس واجهتها التحديات. منها المبني على معطيات، وتحديداً بلوغ شعوب الشمال، أي أقرباء الڤايكينغ، الأطراف الأولى لكندا الحالية عام 1000 للميلاد، بعد أن استوطنوا كل من إيسلندا وغرينلاند، وهما الجزيرتان الكبيرتان الواقعتان قرابة القطب الشمالي بين القارتين الأوروبية والأميركية.

وفي حين أن المعطيات بقيت نصيّة إلى أمد طويل، في إشارات بعضها العابر وبعضها المستفيض إلى استطلاعات في «ڤينلاند»، أرض كروم العنب، فإن التنقيبات الحفرية وثقّت عام 1960 هبوط البحارة الشماليين وإقامتهم في العالم الجديد، في كندا، قبل زهاء خمسة قرون من اكتشاف كولومبوس له.

بعض التحديات الأخرى لمقام كولومبوس كمكتشف أميركا قائمة على النظريات المعتبرة. أهمها إمكانية أن تكون السفن الصينية قد بلغت الشواطئ الغربية لما هو اليوم الولايات المتحدة قبل كولوبوس بقرون، وذلك بناءا على بيانات مدوّنة وإن انضوت على بعض الالتباس. أو أن يكون بحارة جزر المحيط الهادئ قد وصلوا إلى أميركا الجنوبية، بما يفسّر التشابه في بعض الأشكال الحضارية.

ومن هذه "التحديات" ما هو قائم على الأوهام والمغالطات، مثل الحديث المفتقد لأية قرينة حقيقية عن "اكتشاف" الفينيقيين للعالم الجديد، أو على الأقل وصولهم إليه وإن عن طريق الخطأ، وذلك بناءً على آراء من نسج الخيال، لأغراض محلية سياسية، لبعض مخمّني التاريخ البرازيليين من القرن التاسع عشر.

على أن التحدي الأكبر، وهو الذي اعتمده التقدميون، ثم مجموعات متزايدة منتسبة إلى سكان القارة الأصليين، هو أن العالم الجديد لم يكن بحاجة إلى أن يُكتشف ابتداء، إذ أن فيه من اكتشفه أجدادهم قبل ألفيات عدّة، فالاكتشاف المزعوم ما هو إلا انطلاق لمشروع الإبادة والاستبدال والاستغلال.

وإذا كان يوم كولومبوس قد برز في المئوية الرابعة لوصوله إلى العالم الجديد، فإن شعار المئوية الخامسة في الوسط التقدمي، من وحي برنامج فكاهي، كان "كولومبوس اكتشف أميركا. لم يفعل"، ليتعاظم معه سجال ثقافي بين جانبين لا يتكلمان اللغة نفسها.

لغة التقدميين والمنتسبين إلى الشعوب الأصلية هي لغة مفعمة بالتاريخ المؤلم والصراع العرقي إذ باشره تغلّب "أبيض" يقرأ الماضي دون اعتبار لغيره، والأوان هو لمحاسبته. كولومبوس، بعد أن تنازع فضله إلى أمس قريب الطليان والإسبان والفرنسيون، بل واليهود (إذ رأى البعض فيه أصولاً من المارانو، أي اليهود الأندلسيون الذين أرغموا على اعتناق المسيحية)، أمسى وحسب رمز المستعمر القاتل، حامل الأغطية الملوّثة بالجراثيم (لم يفعل، ولكن آخرين فعلوا في مراحل لاحقة)، والمختطف للسكان الأصليين (الراجح أنه بالفعل قد أخذ بعضهم عنوة إلى إسبانيا).

في المقابل، فإن لغة المدافعين عن يوم كولومبوس كانت إلى أمس قريب لغة الثقافة والاعتزاز، لا "الأبيض" ولا حتى الأوروبي، بل الإيطالي تحديداً.

يمكن بالفعل انتقاد الدفاع الإيطالي الأميركي عن صورة كولومبوس على أنه يتجاهل السياق الأكبر. الأصح أنه غير معني بهذا السياق، لأن الاحتفالات بيوم كولومبوس لدى الجالية تكاد أن تنسى "الاكتشاف" ببعده التاريخي، وتعمل على تمجيد بلد المنشأ بطعامه وملابسه ولغاته.

وبغضّ النظر عن عيوب القراءة الإيطالية الأميركية لكولومبوس، فإن المراجعة التاريخية التي يطرحها التقدميون، والتي أصبحت للتوّ موقفاً رسمياً للولايات المتحدة، قائمة على مبالغات، إن لم تكن تجاوزات أو مغالطات.

المبالغة الأولى هي افتراض الاستقرار في المرحلة السابقة لوصول كولومبوس. فالرواية التقدمية غالباً ما تصوّر العالم الجديد قبل وصول السفن كأنه بنيان متجانس قائم على التوافق والوئام بين شعوبه وطبيعته. هو تصوير خيالي يمحو حقيقة أن تاريخ هذه البلاد كان كغيره حافلاً بالفتوح والغزوات والمجازر.

المبالغة الثانية هي في اعتبار فصل وصول كولومبوس نقطة تحوّل استثنائية أو فريدة باتجاه إساءات منقطعة النظير. لا شك أن ما تلا وصول كولومبوس قد دمّر الدول التي كانت قائمة في أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية، وجرّد القبائل الأولى في أميركا الشمالية من مراتعها ودفع، عَمَداً وعَرَضاً باتجاه فنائها تقريباً، وجميع هذه النتائج تستوجب المتابعة.

لكن هذا الحدث الجلل لا يختلف عن غيره من المحطات التاريخية الكبيرة، بدءاً من ممالك الشرق الأدنى القديم والصين الناشئة، مروراً بالفتوحات الإسلامية في المشرق والمغرب والهند، والتوسع المغولي على مدى العالم القديم، وصولاً إلى المرحلة الاستعمارية. جميع هذه الفصول وغيرها الكثير المنسي أو غير المدوّن قد أنتج الإساءات المماثلة، وجميعها قد هيّأ الأرضية كذلك لبناء الحضارة. أي في حين لا يجوز إهمال التبعات الطاعنة، ولا سيما منها تلك التي لا تزال تؤلم وتستنزف، فإن الاقتصار عليها ينفي مشروعية التاريخ ابتداء.

أما المبالغة الثالثة، وهي التي تؤسس للخطر السياسي، فهي في توزيع الأدوار التاريخية حصرياً على الأفراد والمجموعات القائمة اليوم. أي أن أحفاد "طغاة" الأمس، عرقياً سلالياً قومياً، هم "طغاة" اليوم بالتمام والكمال. وأحفاد الضحايا هم الذين يجاهرون اليوم بانتسابهم إلى هوية السكان الأصليين. أما التقدميون من "البيض"، فهم التائبون المدركون لجرائم أجدادهم، عسى أن تقبل توبتهم.

أما الإشكالية الرابعة في الموقف التقدمي فهي في إهماله الخصوصيات التفصيلية وإصراره على الإجمال. تجربة الإيطاليين الأميركيين، على مرارتها، ليست ذات شأن أمام ضرورة إبراز الظلم "الأبيض".

الواقع أكثر تعقيداً. المفارقة البليغة في هذه الأوجه الأربعة أنها تستعيد، ربما من حيث لا تدري، كامل المقولة الاستعمارية التي سعى التقدميون في مرحلة ماضية إلى تفكيكها.

المقولة الاستعمارية رأت في سكان العالم الجديد (وغيره من المستعمرات) واقعاً آسناً خارج التاريخ، يقارب الثبات والجمود، وكان تقييمها له سلبياً. المقولة التقدمية تجاري التوصيف في افتراض استمرارية التجانس والاستقرار، ولكنها تلقي عليه سمة إيجابية.

والمقولة الاستعمارية ترى في التوسع الغربي خيراً مطلقاً. تبدو المقولة التقدمية موافقة على صفة الإطلاق، وتقتصر على تبديل "الخير" إلى "شر".

ثم أن المقولة الاستعمارية ترفض ظاهرة التصاهر، وتعتبر كل قطرة دم من خارج العرق "الأبيض" تلويثاً، تتبرأ منها وتنكرها. في الإصرار على فرز هوياتي مناقض لوقائع التداخل الوراثي، لا تتعارض المقولة التقدمية مع غريمتها.

وأخيراً، فإن المقولة الاستعمارية لا تعبأ بالجدلية القائمة في الأوساط المستعمرة، بل تنكر التعدد وتصرّ على افتراض وحدة حال قسرية للآخر، على أنه بدائي أو قاصر أو متخلف. حتى تسمية السكان الأصليين بـ"الهنود"، بعد اتضاح الخطأ ينصب في إطار تعميم التسمية والمسمّى. واليوم، في إهمال المقولة التقدمية للتجربة الإيطالية ضمن الإطار "الأبيض"، توافق مبدئي مع سابقتها.

معالجة مخلفات التاريخ مسؤولية أساسية لتشكيل مستقبل قائم على العدالة. غير أن استهداف كولومبوس ويومه لا يبدو وكأنه خطوة متقنة في هذا الاتجاه. هو بالتأكيد، من وجهة نظر إيطالية أميركية، غبن وحرب على تراث وتجاهل لتجربة.

الهوية "البيضاء" في الولايات المتحدة كانت ترفض في أمسها الإيطاليين واليونانيين والبرتغاليين والإيرلنديين، لبشرتهم السمراء ولعاداتهم المتوسطية. بالتزاوج والتجانس مع طبائع غيرهم، هم ذللوا بعض مقومات هذا الرفض.

واليوم، في خضم المسعى من القوميين "البيض"، الناطق منهم والصامت، إلى توسيع بيئتهم، يأتي الاختزال والتسطيح في المقولة التقدمية، ربما للإطاحة بما تبقى من تمايز للإيطاليين الأميركيين ودفعهم باتجاه استكمال انتقالهم إلى "الهوية البيضاء".

ليس هذا صلحاً مع التاريخ، بل هو تأسيس للمزيد من الانقسام. ربما الأصح، في الحالة الأميركية، كما في غيرها، إدراك أن مآسي الأمس لا ترشح بوضوح خطوط تماسها إلى واقع اليوم. بعض أجدادنا هزموا بعضهم الآخر، اختطفوا بل اغتصبوا بعض جداتنا. أن يرفض بعض آبائنا تداخل الهويات بدوره ليس بريئاً. أحفاد السكان الأصليين اليوم، في العديد من الحالات، أغزر في أصولهم انتماءً إلى "العرق الأبيض" منهم إلى هويتهم المعلنة، فيما الرصيد الوراثي للسكان الأصليين القدامى منتشر في أوساط قدرّ لها أو فضّلت أن تتغاضى عنه.

ربما أن الخطأ المؤسس لهذا المنزلق التقدمي هو السعي إلى الإصرار على صفة الرواية الواحدة عند تطبيق المراجعة التاريخية على التجربة الأميركية.

وصول كولومبوس إلى العالم الجديد لم يكن الفصل الأول من الحرب الأهلية الأميركية. أن يرفض التقدميون تمجيد من دعا إلى الاستمرار بالاستعباد في أواسط القرن التاسع عشر لا يقتضي تحطيم كل المراحل السابقة إذا ما انضوت على أي إساءة، ودون اعتبار للإساءات المستجدة من هذا الفعل.

وإذا كانت مراجعة الحرب الأهلية الأميركية تقتضي، من وجهة نظر تقدمية، المضي قدماً بدحض ما سبقها من تاريخ، فإن المعادلة معكوسة من وجهة نشر محافظة. أي أن الدفاع عن التاريخ، ولا سيما منه الفصول التي لا توافق على إدانتها، يستدعي الدفاع حتى عن الحرب الأهلية.

في هذه الرؤية وتلك تسعيراً لنار انقسام وانفصام. وثمة من يتربّص ويسعد لاستفحال هذه النار، علّه يحقق المكاسب السياسية في الانتخابات النصفية العام المقبل، وما يتعداها.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.