السادات
السادات

مرّت، قبل أيام، الذكرى الأربعون لاغتيال الرئيس السادات، دون أن تنال اهتماما إعلاميا يتناسب مع حجم هذه الجريمة ومع الشخصية الاستثنائية لهذا الرجل، الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للدولة المصرية الحالية، ففترة رئاسته التي استمرت 11 عاما، ورغم أنها كانت فترة قصيرة مقارنة مع من سبقه ومن لحقه، لكنها كانت غنية بالأحداث المفصلية الكبيرة وبالقرارات المصيرية المفاجئة التي اتخذها السادات شخصيا، والتي رسمت السياسات والتوجهات الإستراتيجية الرئيسية للدولة المصرية التي مازالت تسير عليها حتى اليوم.

وعند الحديث عن تلك الفترة، لابد من التذكير بالمفاجأة الأولى التي أدّت إلى وصول السادات إلى قيادة مصر عندما وضعه الرئيس جمال عبد الناصر في نهاية عام 1969 في منصب نائب رئيس الجمهورية، رغم أنه كان غير منسجم فكريا وسياسيا مع المفاهيم السائدة عند عبد الناصر والحلقة المحيطة به، ورغم أنه لم يتول أي منصب في السلطة التنفيذية من قبل.

ولذلك عندما توفي عبد الناصر، بعد عشرة أشهر عن عمر 52 عاما فقط، أصبح السادات رئيسا لمصر، لكنه كان شخصا وحيدا مختلفا ومحاطا بطبقة سياسية تحرّكها الأيديولوجيا القومية أو اليسارية، وتتحكم بكافة المناصب السيادية من نائب رئيس الجمهورية ووزراء الدفاع والداخلية والإعلام، إلى رئاسة المخابرات والبرلمان وقيادة الإتحاد الاشتراكي، حتى مدير مكتب رئيس الجمهورية.

فكانت خطوة السادات الكبيرة الأولى بعد بضعة أشهر من استلامه السلطة، التخلص من جميع هؤلاء دفعة واحدة بطريقة استعراضية طبعت أسلوبه طوال فترة حكمه، حيث توجّه مباشرة إلى الشعب المصري، وارتجل خطابا لمدة تسعين دقيقة باللهجة العاميّة أوضح فيه وجهة نظره في قضية الخلاف مع من سماهم "مراكز القوى"، وأقالهم جميعا من مناصبهم ثم أحالهم للقضاء وحمّلهم مسؤولية الدولة البوليسية التي كانت تتجسس على شعبها وتسجّل عليه ما يقوله، ثم أشرف شخصيا على إحراق أشرطة التسجيل التي تحتوي على مكالمات آلاف المواطنين وأطلق سراح الكثير من السجناء السياسيين، وبعد نجاح انقلابه الأبيض تخلّى عن السياسات الاشتراكية وتوجّه نحو الانفتاح الاقتصادي، كما أقلع عن فكرة "مصر الثورة" زعيمة القومية العربية، وما ترتب على ذلك من مغامرات غير محسوبة لم تجلب على مصر سوى الكوارث.

فمصر الثورة هي التي أرسلت جيشها إلى اليمن في حرب لا تعود على الشعب المصري بأي فائدة، بل ألحقت بالجيش والاقتصاد خسائر لا يستهان بها، ومصر الثورة نفسها هي التي أغلقت مضائق تيران وطردت قوات حفظ السلام الدولية من سيناء قبيل حرب حزيران 1967، وبالتالي جعلت من مصر كبش فداء وهدفا رئيسيا للضربة الإسرائيلية ودون أن تتمكن من إنقاذ سوريا، بينما كان بإمكان مصر إظهار تضامنها مع سوريا بإرسال طائرات أو قوات للجبهة السورية والتعامل من هناك مع التهديدات الإسرائيلية.

ورغم أن الإعلام المصري يكرر دوما أن السادات هو من اتخذ قرار حرب أكتوبر، لكن الحقيقة أن هذا القرار قد أتّخذ منذ أيام عبد الناصر وكانت هذه الحرب ستحدث مع عبد الناصر أو أي رئيس سيخلفه، أمّا من ناحية استثمار هذه الحرب سياسيا فقد كان السادات، دون شك، الأقدر على القيام بهذه المهمة، وكانت خطوته الأولى لتحقيق ذلك هي إخراج الخبراء السوفييت من مصر عام 1972 قبل أكثر من سنة على الحرب، وبقراره المفاجئ هذا جعل السادات من حرب أكتوبر حربا وطنية هدفها استعادة الأراضي المصرية المحتلة.

بينما لو لم يفعل ذلك لكانت تلك الحرب مع وجود 20 ألف خبير عسكري روسي في مصر واحدة من جبهات الصراع بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الاشتراكي بقيادة الإتحاد السوفييتي، ولتحوّلت قضية الأراضي المصرية إلى تفصيل ثانوي في الصراع الدولي، وأعقب قراره هذا بالتودد إلى الولايات المتحدة التي "تملك أوراق الحل" كما صرّح مرارا، بل وضع أميركا في موقع الحكم بين مصر وإسرائيل، وأثبتت الأيام فيما بعد أن قراره هذا كان أيضا صائبا.

ولكن تبقى الخطوة الكبيرة التي يصعب وجود من يتجرّأ على القيام بها سوى شخص استثنائي بمواصفات أنور السادات، وهي ذهابه شخصيا إلى إسرائيل ومصافحته الحارّة لقادة إسرائيل على أرض المطار وتبادل أحاديث ودية معهم، ثم إلقاء خطابه في الكنيست الإسرائيلي وسط ذهول العالم لأن خطوته تلك كانت سابقة لعصرها وبعيدة تماما عن المسلّمات التي كانت سائدة في تلك الأيام، حتى أن الكثير من المسؤولين المصريين في حكومة السادات نفسها كانوا يحاولون التنصل منها.

ولكن اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية مازالت سارية حتى يومنا هذا كبصمة ساداتية أخرى أكّدت على أن المشكلة مع إسرائيل هي صراع حدود وليس صراع وجود، كما كان يتردد في إعلام ستينيات القرن الماضي، ولزم العرب سنوات غير قليلة للتسليم بوجود إسرائيل وطرح مبادرة السلام العربية.

أي أن السادات تمكّن، خلال سنوات قليلة، من طي صفحة الناصرية بدولتها البوليسية واشتراكيتها وتحالفاتها الدولية وشعاراتها القومية الطنانة التي لا يوجد طريقة واقعية لتحقيقها، وتمكن من استرجاع الأراضي المصرية المحتلة وأقام سلاما مع إسرائيل، بينما لم يبق من الناصرية سوى ذكرى لفترة مرّت بما لها وما عليها، دون أن تترك أثرا يذكر في السياسة المصرية.

لكن ذلك لا يروق للكثير من المثقفين والإعلاميين المصريين الذين يصرّون على أن مصر الحالية هي جمهورية يوليو 1952، ويحاولون على قدر استطاعتهم تجاهل السادات وفترة حكمه وخاصة ما يتعلق باتفاقية السلام مع إسرائيل، بل إنهم حاربوا كل من أيد هذه الاتفاقية.

كما عارضوا فيما بعد اتفاقيات السلام الإبراهيمي الأخيرة بين إسرائيل وبعض الدول العربية بالقول إن مصر كانت مضطرة لعقد اتفاق السلام لاستعادة أراضيها بينما تلك الدول ليس لها حروب أو حدود مع إسرائيل فما الذي يدفعها للتطبيع معها، متجاهلين أهمية المنافع الاقتصادية والسياسية المتبادلة بين الشعوب والدول، التي من المفروض أن تكون العامل الرئيسي في رسم السياسات، أي أنهم مازالوا يعيشون في عالم الصراع الوجودي الأبدي مع إسرائيل، بل إن بعضهم يشعر بالذنب لأن بلده وقّع اتفاق سلام مع إسرائيل، فتراه دائما يندفع بالمزايدة الخطابية لإظهار شكل قديم من الوطنية، يقوم على التضحية بحياة أجيال من الرجال والنساء والأطفال، لتبقى الشعارات والرموز عالية خفّاقة..!

وكان من الممكن مشاهدة ذلك قبل أيام في الإعلام المصري خلال احتفالات مصر بذكرى أكتوبر، التي عرضت جميعها مشاهد من تلك الحرب مع "العدو" وكأنه صراع أزلي سيستمر إلى أبد الآبدين، ولكن في نفس اليوم ومن زاوية مختلفة تماما وتحت شعار العبور إلى المستقبل تحدث الرئيس السيسي عن هذه الحرب باعتبارها لم تكن سوى الطريق لتحقيق السلام وحيا الرئيس السادات بطل الحرب والسلام، وتحدث عن بعد نظره الاستثنائي عندما رأى منذ تلك الأيام أن السلام مطلب وحق للشعوب.

وارتجل بعد خطابه كلمات وضّحت رؤيته تلك: "هناك جدار لم يتكلم عنه أحد وهو أدبيات وثقافة العصر المستقرّة التي تمنع اتخاذ قرارات صائبة في عصرها، والذي يستطيع أن يرى هذا الجدار ويكون مستعدا لتجاوزه ويتحدّى عدم قدرة الكثيرين على الرؤية، مثل الرئيس السادات الذي مكنه الله من أن يرى أن هذه الأدبيات، وهذه الثقافة والمفاهيم لن تستمر بعد حرب أكتوبر ولابد من تجاوزها بمفاهيم جديدة ولذلك أطلق مبادرة السلام التي أثبتت بعد أكثر من أربعين سنة أن اقتحام هذا الحاجز كان قراءة سابقة لعصرها، وأنا أتمنى أنه كما رأى الرئيس السادات ذلك وتجاوزه أن يستطيع القادة أن يتجاوزوا الأدبيات المستقرة وأن ينطلقوا إلى أعماق أفضل"، غامزا من قناة القادة الفلسطينيين والمثقفين المصريين.

واختتم بالقول لا أعرف إذا كان ما أقوله قد وصل لأنه على ما يبدو يعرف أن القيادات الفلسطينية والوسط الثقافي والإعلامي المصري الحالي مازال يعيش في عالم شعارات الستينيات، وليس من السهل على هؤلاء تجاوز "مفاهيم وثقافة العصر المستقرّة".

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.