عناصر من حركة حماس في قطاع غزة
عناصر من حركة حماس في قطاع غزة

 ثمة حجابان يلفان العقل العربي المسلم، ويمنعان عنه أوكسجين الإنسانية. الأول هو حجاب الدين، وهو الأعلى والأكثر كثافة، ثم حجاب القومية العربية. ورغم أن إزالة الحجاب الأول تظل أصعب وبحاجة إلى وقت أطول، فإن إزالة الحجاب الثاني لا تقل صعوبة، وفي الكثير من الأحيان فإنهما يتداخلان ويغذيان بعضهما البعض.

ولا توجد قضية يتجلى فيها حجابا الدين والقومية مثل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
فهذا الصراع يختزن بداخله حمولة الدين وحمولة القومية، فإن هو أفلت من أحدهما فإنه لا يفلت من الثاني.
بالنسبة للإسلامي فإن الصراع هو ديني بين المسلمين واليهود. واليهود وفق التراث الإسلامي وصفوا بالقردة والخنازير والفئران وهم قتلة الأنبياء وهم المغضوب عليهم.. الخ، وبالتالي لا يستطيع المسلم أن يتقبل فكرة التعايش مع اليهود على قدم المساواة، ناهيك عن التسليم لليهود بالسلطة والسيطرة على أي شيء مما قد يعتبره المسلمون وقفا لهم أو أرضا خاصة بهم! قد تضطر الظروف المسلم إلى المهادنة لبعض الوقت، لكنه في قراره نفسه، يرفض أي حل للصراع لا يشمل إعادة اليهود من جديد تحت السلطة الإسلامية على أقل تقدير أو طردهم وتشتيتهم في أسوأ تقدير. 

أما بالنسبة للقومي فإن وجود إسرائيل هو مؤامرة استعمارية كبرى لتمزيق العرب والحيلولة دون إقامة الوحدة العربية. وبالنسبة له فإن إسرائيل هي مشروع غربي زرع في المنطقة لخدمة سياسات وأهداف الامبريالية والرأسمالية والصهيونية العالمية.. الخ!

وجميع نظريات المؤامرة، القديم منها والحديث، لا بد أن يشتمل الجزء الرئيسي فيها على ذكر إسرائيل أو اليهود. وإذا لم يكن اليهود هم المحرك الخفي في هذه النظريات فهم لا بد أن يكونوا مشاركا رئيسيا فيها أو من كبار المستفيدين منها!  

ومثل الإسلامي، لا يستطيع القومي أيضا أن يتسامح مع فكرة التعايش مع إسرائيل أو مع اليهود، إلا بوصفهم أقلية وخاضعة للحكم العربي. أما العكس فإنه يجعل كلاهما في حالة توتر ورفض دائمين. 
ولهذا فإنه في أية دولة أو مجتمع يكون حجابا الدين والقومية قويين يكون الرفض لليهود ولإسرائيل قويا أيضا، والعكس صحيح. ولا يطيق القومي أو الإسلامي في هذه المجتمعات مجرد الحديث عن السلام أو الصلح، فذلك من أبغض الأشياء التي يمكنك أن تتلوها على مسامعه. 

وما هو الحل؟
لا يوجد حل على المدى المتوسط أو البعيد سوى بالتطور نحو الأعلى باتجاه الإنسانية.  
الفكر الإنساني وحده القادر على مساعدة الناس، اليهود والمسلمين، الفلسطينيين والإسرائيليين على التخلص من الهويات السفلية، الانتماء الديني والقومي، وبالتالي وقف دوامة العنف والانتقام والجنون الذي لا يتوقف. 

ولماذا الفكر الإنساني؟
لأنه الوحيد الذي يجعل الإنسان يرى ما هو مشترك بين جميع البشر.  فإذا كان الدين يفرق بين الناس، بحكم طبيعته، وكذلك الانتماء القومي، بحكم وظيفته، فإن الإنسانية توحد البشر، لأنها القاسم المشترك بينهم. وحين يرى الإنسان القضايا والأمور من المستوى الإنساني فهو لابد أن يدرك سخافة الحروب والنزاعات. لأنه عند هذا المستوى لا يوجد آخر. يوجد فقط إنسان.    

هل الانتقال إلى الإنسانية أمر سهل؟
بالطبع كلا. فالانتماءات والهويات الدينية وكذلك القومية قوية إلى الدرجة التي بإمكانها أن تجعل الإنسان أحيانا يعمل ضد نفسه وضد مصالحه المباشرة. بل في كثير من الأحيان ضد المقربين منه، قبل الأبعدين. وبالتالي فإن هذ الانتماءات لا تستسلم بسهولة. 
الحل يكمن في التطور والنضج العقلي والنفسي. قد يحتاج ذلك إلى بعض الوقت، لكنه أمر ممكن. 
لنتخيل كيف تمكن الألمان أو اليابانيون من انجاز هذا التطور بعد الحرب العالمية الثانية. 

كان بإمكان الألمان الذين هزموا في الحرب ودمرت بلادهم وقسمت إلى شرقية وغربية وقتل وجرح الملايين منهم، أن يحملوا شعلة المظلومية ويواصلوا زرع الكراهية ونظريات المؤامرة وارتكاب أعمال العنف ضد الدول المنتصرة في الحرب. بالضبط كما يفعل اليوم الفلسطينيون ويساندهم في ذلك الكثير من العرب والمسلمين. بل كما تفعل الكثير من الدول العربية والإسلامية، بصورة أو بأخرى، في معالجتها لمشاكل الماضي.

لكن الألمان اختاروا طريقا آخر. طريق التطور نحو الأعلى بدلا من النزول إلى الأسفل. طريق الإنسانية بدلا من البقاء فريسة للانتماءات السفلية والغرائز البدائية. وهذا الطريق هو الذي ساعدهم فيما بعد ليس فقط على الخروج من تحت ركام الحرب بسرعة وبناء أقوى اقتصاد في أوروبا، وإنما أيضا في توحيد ألمانيا من جديد.

والنموذج الألماني ليس استثناء هنا، فهناك العديد من الدول التي عانت من الحروب أو حتى الاستعمار، ولكنها خرجت منها بصورة أفضل وأقوى، لأن استجابتها لكل ذلك كانت مختلفة. فالمهم هو ليس ما يفعله الآخرون، فليست لدينا دائما القدرة على تغيير أفعالهم، ولكن المهم هو كيف نتصرف نحن إزاء هذا التحدي. تصرفنا أو استجابتنا هي التي تخلق الفرق في الأشياء وليس أفعالهم. وهذا هو الدرس الأهم. ولكي نتعلم هذا الدرس نحتاج إلى التفكير مليا في كيفية التخلص ليس من الدين والقومية نفسيهما، ولكن من أحجبتهما الكثيفة التي لا تزال تغلف عقولنا! 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.