مسلح يصوب قذيفة في اشتباكات بيروت بالطيونة (أرشيفية)
تصعيد عسكري شهدته بيروت يوم الخميس 14 أكتوبر 2021.

المشاهد المأساوية التي عاشتها بيروت صباح الخميس من قنص وحرب شوارع وصيحات طائفية أعادت الى الأذهان صور الحرب الأهلية، وهي تضع لبنان على منعطف حاسم بين خيار الدولة والقانون أو الميليشيات والتفتت الاجتماعي والجغرافي. 

أخطأ حزب الله بفتح معركة ضد قاض مدني اسمه طارق بيطار من عائلة شمالية مستقلة، خدم أربابها في الجيش ولم تنزلق في دهاليز الفساد والقرف الميليشيوي الذي يخنق بيروت. الهجوم على البيطار من أمين عام حزب الله حسن نصرالله، واعتباره القاضي في انفجار مرفأ بيروت "منحاز ومسيس" يعكس ارتباك وتململ الحزب وتخبطه في أسلوب التعامل مع التحقيق.

فماذا يخاف حزب الله حين يتم استدعاء رئيس الحكومة السابق حسان دياب والنواب الوزراء السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق للتحقيق؟ ما علاقة تحرير القدس و"القضاء على إسرائيل" بتحقيق العدالة لعشرات الضحايا، تناثرت أشلاؤهم فوق متفجرات النيترات المخزنة في المرفأ؟ 

حزب الله، الذي ينادي بالعدالة الاجتماعية والمساواة والدفاع عن المحرومين والمظلومين، يريد قطع الطريق أمام قاض لبناني يسعى لكشف الستار عن ما تسبب في قتل أبرياء في منازلهم ودكاكينهم ودور عبادتهم. 

تمادي حزب الله ومعه حركة أمل بعد خطاب نصرالله كان باستخدام الشارع لتحدي ما تبقى من القضاء اللبناني، واللعب مرة أخرى على الوتر الطائفي لشحن مناصريه والدخول في معركة طائفية ضد البيطار. فبعد أحداث بلدة شويا والمواجهات بين حزب الله والدروز على خلفية إطلاق صواريخ، وقبلها الاشتباكات مع عشائر بيروت "العرب" والسنة، دخل حزب الله هذا الأسبوع في مواجهة مع القوات اللبنانية في المناطق المسيحية من بيروت.

هذا الانزلاق في المعترك الطائفي هو خلل كبير في أسلوب حزب الله وخطر على السلم الأهلي. فطوال الحرب الأهلية اللبنانية، نجح حزب الله في حفظ مسافة من الاقتتال الداخلي والطائفي، وخرج منتصرا في معركة تحرير الجنوب في 2000. أما ما بعد ذلك، فشهد انحدار حزب الله التدريجي على المسار الطائفي خطابا وسلوكا، ودخول وعشق السلطة وصولا للحرب السورية التي زادت من ثقة الحزب بخوضه أي معركة وتحقيق مصالحه الضيقة. 

المشكلة أمام حزب الله اليوم هو في أن لبنان ليس سوريا، والنسيج الاجتماعي والطائفي الهش إذا تفكك سيطال أيضا الحزب. لا غنى لحزب الله عن بيروت كمقر سياسي وعسكري، وللحفاظ على ذلك لا يمكن خسارة السلم الأهلي. فالسلاح وكما برهنت الأشهر الماضية ليس فقط بيد حزب الله في لبنان، ومواجهة الأعمدة الأخيرة المتبقية للدولة اللبنانية ستعني انهيار السقف فوق الجميع.

من يخاف على مصلحة حزب الله، ينصح أمينه العام بإعادة النظر بأولويات الحزب الداخلية. هل هي إقصاء البيطار أو محاسبة القتلة؟ هل هي ركوب الباص الطائفي مرة أخرى وجر لبنان إلى مواجهة مذهبية أم هل هي لم شمل اللبنانيين؟ 

لبنان أمام خيارين لا ثالث بينهما: تفكك أمني وطائفي يؤدي إلى مواجهات وحروب شوارع واضمحلال اقتصادي واجتماعي أو رص ما تبقى من أعمدة الدولة وهما القضاء والجيش والمضي بمسار يضع صوت قاض نزيه فوق أصوات المافيات المختبئة وراء العباءات الطائفية ، ويمهد لإصلاحات تمنع تكرار تفجير 4 أغسطس وتضع السلاح، سلاح جميع الميليشيات، بيد الدولة. 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.