"المحلل" هو من تزوج المرأة المطلقة طلاقا مكملا للثلاث قاصدا تحليلها للزوج الأول باتفاق بين الزوجين
"المحلل" هو من تزوج المرأة المطلقة طلاقا مكملا للثلاث قاصدا تحليلها للزوج الأول باتفاق بين الزوجين

كشف مواطن مصري، أنه تزوج أكثر من ثلاثين مرة "محلل شرعي" وقال أنه فعل ذلك من أجل إعادة الزوجات إلى أزواجهن بعد أن تم تطليقهن من أزواجهن ثلاث مرات.

وهذا الأمر "أي الزواج بهن كمحلل" كما قال "عمل خيري لوجه الله"، ورد أستاذ بجامع الأزهر عليه بالحديث: لعن الله المحلل والمحلل له. 

وقال "المحلل الشرعي" المذكور ,إسمه محمد ملاح : "أقوم بهذا الأمر لوجه الله كعمل تطوعي بدون أي مقابل لله فقط؛ ولا أتقاضى أموالا من أجل حماية البيوت من الخراب وانفصال الأزواج"، مشيرا إلى أنه "إذا قالت لي دار الإفتاء المصرية  أن هذا العمل غلط هبطل" والواقع في هذه القصة أسوأ كثيراً من أي خيال. فمن الصعب تصور كيف تعود زوجة محترمة إلى زوجها وترى أبناءها بعد أن قامت بمعاشرة رجل آخر لمدة بضعة أيام!

و"المحلل" هو من تزوج المرأة المطلقة طلاقا مكملا للثلاث قاصدا تحليلها للزوج الأول باتفاق بين الزوجين. ويتم هذا الأمر كما يفعل البعض لأن القرآن اشترط في الحالة المذكورة (أي الطلاق الثالث) أن تتزوج المرأة من رجل آخر وتطلق (بضم التاء وفتح الطاء) منه حتى تحل للزوج الأول " فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ" (سورة البقرة آية 230).

ويذكرني هذا الأمر بمن يغمض عينيه ليقول أنه لا يرى الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ولذا فليس عليه أي صيام في رمضان لأن القرآن قال " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ " (البقرة 188)! أو من يشرب "فودكا" ويقول أنها حلال له لأن الله أمر بتجنب الخمر ولم يأمر بتجنب "الفودكا" ولأنه لا يوجد نص صريح بتحريم الأخيرة.

فالأمر هنا ليس إلا عملية خداع وتحايل على الدين.

وكان شيئاً جيداً أن هيئة الإفتاء في مصر رفضت ما أعلنه الملاح بناءً على حديث "لعن المحلل (بكسر وشد اللام) والمحلل (بفتح وشد اللام) له".

والمشكلة هنا أن الاعتماد على مثل هذا الحديث قد يرد عليه البعض بأن يقولوا أن هذا الحديث هو حديث لم يصل إلى درجة الحديث الصحيح وأنه يعتبر حديثاً ضعيفاً كما جاء في موسوعة الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة  (المجلد الثاني حديث رقم 3202).

وقد اعتبر بعض علماء الحديث أن الحديث ضعيف الإسناد لأن من رواته أبي الواصل، فهو مجهول كما قال الحسيني في الإكمال (ص:561) وأقره (في رأيه) الحافظ في تعجيل المنفعة. 

ومن ذلك يتضح أن الاعتماد على مثل هذا الحديث قد لايكون كافياً لإنهاء الجدل حول موضوع "المحلل" لأنه – أي الحديث - الذي تم استخدامه لحسم الأمر لا يرقى إلى درجة الحديث الصحيح كما يتم تدريسه في المعاهد الدينية.

وهنا يتجلى دور القرآن وفهم مفرداته بدقة حتى لا يتم إضلال البعض به " يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ" (البقرة 26).
والآن دعنا نرى ما قاله القرآن في تعريف معنى الزواج لكي ندرك أن موضوع المحلل ليس إلا تحايلاً على آيات الله وخداعاً للضمير الإنساني.

فتبعاً للقرآن الكريم فإن شروط الزواج المقبولة عند الله هو أن يتصف بهذه الصفات " وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ" سورة النساء آية 24. أي أن الإحصان هو ركن أساسي لاعتبار الزواج صحيحاً.

ولنا وقفة هنا – وهي أهم وقفة في هذا السياق - أمام استخدام القرآن لكلمة "محصنين" وهي إحدى مشتقات كلمة "حصن". والحصن كما جاء في التاريخ يتم بناؤه لكي يبقى لا لكي يتم هدمه بعد بضعة أيام. فكلنا نرى الحصون التاريخية باقية لأن بناء الحصن كان بهدف البقاء عبر الأزمنة كي يحمي الدول والشعوب. فمن يتزوج وفي نيته الطلاق بعدها لا يمكن أن يوصف زواجه بأنه "حصن" ولذا فهو لا يعد زواجاً حقيقياً أو شرعياً تبعاً للقرآن الكريم وآيات الذكر الحكيم. فمن يبني حصناً حقيقياً لا يمكن أن يفكر ولو للحظة وهو يبنيه أن يهدمه بعد بضعة أيام من بنائه! 

ويتضح لنا مما سبق أن ما يسمى بالزواج المؤقت كما نرى في موضوع زواج "المحلل" ليس إلا عملية تحايل على الله وخداع يتستر تحت إسم الدين. ولا أجد وصفاً لهذا الخداع أفضل من قوله تعالى " وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ (8) يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ (11) أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ (سورة البقرة 8-12)" 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.