لم تتمكن السينما يوماً من إيقاف الحروب، لكنها على الأقل لعبت دور الشاهد في بعض المفاصل التاريخية الحاسمة، وكانت قادرة في بعض الأوقات ومع بعض الحظ، وبصفتها أحد أقوى الأدوات التعبيرية، أن تصنع فارقاُ ما بقوة الضغط والتأثير لأجل التخفيف مما راكمته هذه الحروب من أهوال. الأهم أن منجزها الأبرز كان في تمكنها من كسر احتكار التاريخ وسحبه من أيدي المنتصرين وتحويله لصالح الضحايا.
عن إنصاف أكثر من ثمانية آلاف ضحية من الرجال والفتيان، يتمحور الفيلم البوسني "إلى أين تذهبين يا عايدة-Que Vadis Aida?". من تأليف وإنتاج وإخراج ياسميلا زبينيتش، الذي نال عدداً من الجوائز الرفيعة وقوبل باستقبال جماهيري ونقدي عالمي ملفت، كما رشح لتمثيل بلاده كأفضل فيلم روائي طويل دولي في حفل توزيع جوائز الأوسكار الأخير، وبدء بعرضه في الولايات المتحدة من خلال السينما الافتراضية في مارس الفائت من هذا العام.
اثنتا عشرة دولة غالبيتها أوربية، شاركت في إنتاج هذا الفيلم، وكأن هذه الدول التي تمثل شريحة واسعة ونافذة من المجتمع الدولي، أرادت أن تعلن صراحة أنها تتبناه وجدانياً، وأنها معنية به إنسانياً، لأجل إنصاف ضحايا "مجزرة سربرنيتسا" التي يتحدث عنها الفيلم، والتي اعتبرت واحدة من أبشع جرائم الابادة العرقية والمذهبية التي عرفتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
اختارت المخرجة موعداُ دقيقاً لإصدار فيلمها في سبتمبر من العام الفائت، ليتوافق مع ذكرى مرور25 عاماً على المجزرة التي حدثت في شهر يوليو من العام 1995 بعد دخول جيش صرب البوسنة إلى مدينة سربرنيتسا المفترض أنها كانت منطقة آمنة تحت رعاية الأمم المتحدة. وقد استُلهمت قصته عن قصة حقيقية استبدل فيها صاحب القصة الشاب بالسيدة عايدة، التي لعبت الدور الحقيقي ذاته كمترجمة لدى قوات حفظ السلام الهولندية.
يوازن الفيلم ببراعة ودقة تموضع اللغة كدلالة على انقسام البلاد بين خمس لغات هي الكرواتية والانكليزية، والبوسنية والصربية والهولندية. ويعيد مستنداً إلى الوثيقة التاريخية، محاكاة الأيام والساعات الأخيرة قبيل وقوع المجزرة، مشيراً إلى عجز المجتمع الدولي ممثلاً بقوات حفظ السلام عن لعب الدور الحاسم في الحروب وتجنيب الشعوب وقوع مجازر مماثلة محتملة، إما بسبب الخديعة التي تتعرض لها هذه القوات وتصديقها للوعود الكاذبة التي يقدمها قادة الحروب، أو بسبب حرص هذه القوات على الامتثال للقوانين والحيادية التامة في مثل هذه الظروف.
عن خديعة قادة الحروب، ستحرص المخرجة على ترجمتها بإبراز الوجهين المتناقضين اللذين لعبهما الجنرال ميلاديتش، عبر حرصه على الظهور الاعلامي بصفته قائداً وإنساناً ورحيماً يقدم الخبز وبعض العصائر والبسكويت للجائعين البوسنيين بأسلوبية الصدقة التي لا تخلو من إذلال، وكيف تمكن من خداع الجميع وحشر النساء والأطفال في الحافلات بالقوة لأجل ترحيلهم- بما يعرف بعمليات الترانسفير والتغيير الديمغرافي- تحت ذريعة حمايتهم، في الوقت الذي كانت فيه عناصره المسلحة المعروفة بفرقة العقارب تبيد الرجال والفتيان.
مشاهد صادمة ومفزعة تضمنها الفيلم بأسلوبية سينمائية مغايرة صنعت تميزه وقوة تأثيره، دمجت فيها المخرجة مأساة عايدة الشخصية المتمثلة بخسارتها لأسرتها بالحدث العام الذي طال مئات الآلاف من مسلمي البوسنة. وانحازت فيه – كامرأة - بوضوح للنساء، بصفتهن أكثر الضحايا اللاتي تقع عليهن آثام الحروب، عبر تعرضهن لكل أشكال العنف ثم تركهن لآلامهن وفقدهن لأزواجهن وأسرهن، والتعويل على مقدرتهن اللاحقة في الصبر والتحمل والاستمرار في الحياة وحيدات مع كل هذه التحديات والذكريات التي تثقل على كاهلهن كالجبال.
فيلم مؤلم جداً، وسيبدو أكثر إيلاماً للمشاهد الذي شهد أو مازال يعيش تجربة مماثلة من الحروب العرقية والمذهبية ومعنى فقد الأسرة والبيت والتجويع والمجازر والمقابر الجماعية والتهجير القسري وحافلات القهر وغيرها من فظائع هذه الحروب. لكنه فيلم يمنح بعض الأمل بالعدالة مهما طال الزمن، كما هو الحال اليوم مع ميلاديتش المحكوم حكماً مؤبداً من قبل المحكمة الجنائية الدولية بصفته المسؤول عن عشرات الجرائم في البوسنة من أبرزها مجزرة سربانيتسا.
أتذكر ما قرأته يوماً على لسان أحد الناجين من مجزرة مشابهة عن معنى تحقق العدالة وقيمة مثل هذه الأحكام في التخفيف من الألم، مشيراً بمرارة إنه في الوقت الذي صار أهله تحت التراب، يعيش مجرم حرب مثل ميلاديتش -على سبيل المثال- في سجن أوروبي خمس نجوم، يتنفس الهواء ويرى الصباح وينعم بوسائد نظيفة وطعام جيد، لم يتذوق معنى العذاب والأهوال التي كان يذيقها لضحاياه في زنازينه، المفترض أن يكون في واحدة منها، والتي تفوق مواصفاتها أهوال الجحيم.
"إلى أين ستذهبين يا عايدة؟" عنوان ملفت حمل صيغة سؤال وجودي متعمد لامرأة تشبه حالتها أحوال آلاف الضحايا من الأحياء الذين يواجهون الفراغ والعدم، رغم أن المخرجة تنهي صنعتها بالانحياز للأمل في الأجيال الجديدة والمصالحة الوطنية والتعايش والسلام المستدام، لكن ابتسامة عايدة الأخيرة كانت كفيلة بالتعبير عن مدى حجم المرارة داخل هذه النفس المتهالكة، المعلّقة بما تبقى من عمر، بخيطٍ واهٍ.

