يطرح تساؤل مشروع حول قسط أخنوش ونصيب حزبه من الحصيلة الكارثية والفاشلة التي رعتها ونفذتها الحكومات السابقة
يطرح تساؤل مشروع حول قسط أخنوش ونصيب حزبه من الحصيلة الكارثية والفاشلة التي رعتها ونفذتها الحكومات السابقة

كما كان منتظرا، انتهت يوم الأربعاء الأخير، (13 أكتوبر الحالي)، جلسات مناقشة البرنامج الحكومي الذي قدمه رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش إلى البرلمان، بالمصادقة على البرنامج بأغلبية الأصوات. ليفسح المجال أمام الحكومة الجديدة لمباشرة أعمالها وممارسة صلاحياتها الدستورية.

وقد سمحت وسائل التواصل الاجتماعي بانتشار مسودة البرنامج الحكومي قبل مناقشته والتصويت عليه. ورغم ذلك فإن الاهتمام بتفاصيله ومناقشته لم تتعد فئات قليلة من النخبة المسيسة، وبعض مهنيي الصحافة والإعلام.

يقول موظف في القطاع الخاص بالدار البيضاء، إنه لا يجد فرقا جديرا بالاهتمام بين البرامج الحكومية المتوالية، "تتغير وجوه وأسماء رؤساء الحكومة والوزراء، لكن جميعهم يستمرون في مضغ لغة الخشب ذاتها. بجمل وعبارات مرصوفة، لا تقوى على تجاوز التراكيب الإنشائية الجامدة والوعود الفضفاضة".

في المنحى نفسه تقول أستاذة من الرباط، إنها تشعر وكأنه سبق لها الاستماع إلى برنامج حكومة عزيز أخنوش بعمومياته في حياة أخرى، قبل أعوام انقضت.

بالنسبة لكثير من المهتمين، اللعبة تتكرر، ولا مجال لتجديد مضمون قانونها وممارستها ومآلاتها. وأن منهجية التدبير الحكومي متواصلة ولا تختلف إلا في تفاصيل بسيطة وجزئيات شكلية.

مع كل حكومة جديدة، يتطلع المغاربة إلى ما يمكن أن تحققه من أجل تحسين ظروفهم وأحوالهم المعيشية. لكن مع تراكم خيباتهم يبدو أنهم كفوا عن استدرار الأمل لينخرطوا في مهاوي اليأس ومكابدة الخذلان. هكذا يلقى بالمواطنين المعنيين على هامش مخططات التنمية، في برامج يُزعم أنها أعدت من أجل راحتهم وإسعادهم. لكن يتضح أنه لا يتم إدماجهم في فرص الانخراط العملي والحقيقي في التنمية، لتمارس عليهم سياسات عمومية غير واضحة بالقدر الكافي في توجهاتها، ويعتري تنفيذها الاختلال والتأجيل والبيروقراطية المقيتة، وبالتالي تتبخر وتضيع الطموحات المنشودة.

لقد كسبت حكومة أخنوش بسهولة ثقة البرلمان، كيف لا، وهي تمتلك أغلبية مريحة، لكن من أين لها اكتساب ثقة المواطنين، ومن أين ستضمن صدقيتها لدى المؤسسات والجهات الدولية، التي تدرك أن الانتخابات التي أفرزت تشكيلتها لم تكن نزيهة حقا، بل اعترتها "خشونة" التلاعب بالإرادة الشعبية؟

كيف ستعمل حكومة أخنوش من أجل الدفع باتجاه تخليق الحياة العامة، ومحاربة الفساد والرشوة، ومكافحة اقتصاد الريع والامتيازات والإثراء غير المشروع، وما الذي يحول دون مبادرتها لتصفية الجو السياسي وتحقيق الانفراج المرغوب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي من الصحفيين، ورفع المضايقات عن المدافعين عن حقوق الإنسان؟

إجهاض الانتقال الديمقراطي

قبل وصول حكومتي التكنوقراطي إدريس جطو (2002)، والاستقلالي عباس الفاسي (2007)، انشغل النظام أكثر بالتوجس من صعود المد الإسلامي، فأعد العدة لكبح زحفهم "المقدس"، بإنشاء حزب "ليبرالي حداثي" لمواجهة إخوان "العدالة والتنمية"، فقام الحزب الجديد تحت اسم "الأصالة والمعاصرة"، بنفس الأسلوب الذي أنشئت به من قبل أحزاب أخرى لا زالت أغلبها في الساحة، وعرفت تاريخيا بالأحزاب "الإدارية والمخزنية".

لكن اندلاع ثورات الربيع العربي ووصول لهيبها إلى المغرب، بعثر الأوراق وأجل مشروع حكومة يرأسها فؤاد علي الهمة مؤسس "حزب الأصالة والمعاصرة"، (المستشار الملكي حاليا). هكذا جرى الاستنجاد بحزب العدالة والتنمية، فتمت الاستعانة بلافتته الإسلامية ككتيبة إطفاء يقودها عبد الإله بنكيران، الذي بعدما راقه الكرسي الوثير واستكان لأضواء السلطة وجاذبيتها، واعتقد أن خدماته غير المشروطة للنظام وانبطاحه لقوى التحكم سيسمح له بالاستمرار في ولاية ثانية بفوز حزب العدالة والتنمية بالرتبة الأولى في انتخابات 2016. لكن تم خلعه وتنصيب بديله سعد الدين العثماني الذي تعهد بمواصلة "إصلاحات بنكيران" الاقتصادية والاجتماعية.

وقتها، في معرض كلامه عن برنامجه الحكومي أعرب العثماني عن تفاؤله مفتخرا:  "إن حزبه "لن تكون له إلا النجاحات المستمرة حالا ومستقبلا". لكن الوقائع والأحداث ستكذبه، عندما تعرض حزب "المصباح" في الانتخابات الأخيرة لنكسة كبرى ورجة قوية غير مسبوقة، يبدو أنه لن يشفى منها سريعا، ولا يعرف كيف سيتخلص "إخوان المغرب" من الإدانة الشعبية التي وشمت على جبينهم مسؤولية إجهاض "الربيع المغربي"، وإخلاف موعد المغاربة مع التاريخ، بعدما حانت لحظة الانتقال نحو الديموقراطية الحقيقية.

 الاختلاف حول الدبلجة

بعد جائحة كورونا  حصل التراجع عن عدة مكتسبات، خاصة منها المتصلة بحقوق الإنسان، واكب ذلك أن العياء دب في أوصال "حركة 20 فبراير"، فعاد المخزن لاستلام الأمور بقوة من جديد بيده. رغم أن جميع الأحزاب ورؤساء الحكومات التي توالت على الشأن العام لم يبدر منهم أدنى تفكير في "الخروج عن النص".

وبمراجعة سريعة لبرامج الحكومات السابقة سنلمس أنها برنامج الواحد المتعدد، برامج ذات لغة واحدة، أما المختلف عليه فهو الدبلجة إلى لغة "الماركتينغ" السياسي المنسجمة مع السياق والحاليات.

قبل وصوله إلى رئاسة الحكومة نجح رجل الأعمال عزيز أخنوش في المهمة التي أوكلت إليه، وهي إزاحة عبد الإله بنكيران من المشهد الحكومي والحؤول دون تمكينه من ولاية ثانية في 2016، ولتحقيق هذه الغاية استعان الملياردير بـ"أحابيل" السياسي إدريس لشكر، في صنع ما عرف ب"البلوكاج". من هنا أتى وصف "البلطجي السياسي" الذي وجهه بنكيران مؤخرا إلى الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي.

ومنذ تعيينه على رأس التجمع الوطني للأحرار بتاريخ 29 أكتوبر 2016، سعى عزيز أخنوش للظهور بمظهر الزعيم المتمرس، واجتهد في الاقتباس من أداء الخطباء السياسيين، ومن عامية عبد الإله بنكيران الشعبوية. إلا أنه لم يوفق دائما، بل ارتكب أخطاء وزلات لسان، هوجم بسببها على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أهدر أخنوش الملايير من الدراهم في الدعاية، وفي مقدمتها الدعاية الرقمية، على الفيس بوك والوتساب أساسا.

إلا أن حزب التجمع الوطني للأحرار وحليفه في الحكومة حزب الأصالة والمعاصرة، يفتقران للامتداد الشعبي وللسند الجماهيري، رغم حصول أخنوش على دعم الميلودي مخارق الأمين العام للمركزية العمالية الاتحاد المغربي للشغل، في صفقة كتبت سطورها بليل.

 المشروع الأخنوشي

بعد إعلان الملك محمد السادس عن فشل النموذج التنموي الذي تنهجه البلاد منذ عقود، قام القصر بتشكيل لجنة خبراء أشرفت على إعداد تقرير استراتيجي، باركه العاهل وصفقت له باقي الأحزاب والهيئات السياسية التي كانت حتى الأمس القريب تشيد وتنوه وتطبِّل لنموذج تبين أنه لا يصلح.

وللتذكير، فإن أغلب الأحزاب المشاركة في الانتخابات الأخيرة تنافست حول أهليتها لتطبيق وتنزيل "البرنامج التنموي الجديد"، وعلى رأسها الأحزاب الثلاثة المكونة للفريق الحكومي الحالي برئاسة أخنوش.

لقد تواجد حزب التجمع الوطني للأحرار في أغلب الحكومات المغربية السابقة، وكان مشاركا أساسيا في التجربة الحكومية المحسوبة على الإسلاميين، وتولى بها حقائب وزارية رئيسية وجد هامة، مثل وزارات الاقتصاد والمالية، والصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، والسياحة والنقل الجوي والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، إضافة إلى وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات التي بقي أخنوش على رأسها ما يقرب من عقد ونصف.

لذلك يطرح تساؤل مشروع حول قسط أخنوش ونصيب حزبه من الحصيلة الكارثية والفاشلة التي رعتها ونفذتها الحكومات السابقة، والتي انعكست نتائجها سلبا على الفئات الشعبية وأضرت بأحوالها اليومية.

وليس غريبا أن تواجه حكومة أخنوش، قبل أن تستوي فوق مقاعدها، باحتجاجات شعبية من قطاعات عدة ومختلفة. وتتوصل بعدد من المذكرات المطلبية ورسائل التنبيه والتحذير، من منظمات نقابية وهيئات حقوقية انبرت للقيام بمعارضة الحكومة من خارج البرلمان، خاصة وأن ارتفاعا ملحوظا في أسعار المواد المعيشية الأساسية واكب وصول الحكومة الجديدة.

كما أن "المشروع الأخنوشي" أعلن عن نفسه قبل أن يعلن شكيب بنموسى عن نتائج اللجنة الاستشارية الملكية التي ترأسها ليقدم بين يدي الملك مشروع "النموذج التنموي الجديد" الذي صاغته لجنته (25 ماي 2021). إذ أن أخنوش استبق بنموسى بأزيد من سنة، حين قدم تصوراته ل"الإنقاذ" عبر مقال حمل توقيعه ونشر نصه بالفرنسية بيومية "أوجوردوي لوماروك" (14 أبريل 2020)، الصادرة عن المجموعة الإعلامية "بريس كاراكتير" التابعة للهولدينغ الاقتصادي "أكوا" لصاحبه عزيز أخنوش. جاء المقال المشار إليه بمثابة تمهيد لخطة وبرنامج سياسي اقتصادي واجتماعي، يعكس وجهة نظر المقاولات المغربية والباطرونا. لذلك فإن البرنامج الحكومي ليس سوى توسيع لفكرة أخنوش التي جاء بها المقال المذكور، الذي طرح مساندة توجه الرفع من مستوى المديونية وتحمل المخاطر، ضاربا مثل "الاقتصادات الكبرى التي اختارت السماح لنفسها بتجاوزات كبيرة للمستويات المعتادة من عجز ميزانياتها، وأنه لا سبيل إلا الرفع من المديونية".

واضح أنه تصور لا يتناقض مع برنامج حكومة حزب العدالة والتنمية إلا في التطبيق والوسيلة والخطاب. وكأن أخنوش يستعير التعبير العامي "كبَّرْها تصغر"، للسير في اتجاه تعميق سياسة الليبرالية المتوحشة، دون الالتفات إلى مطالب الفئات والطبقات الاجتماعية وهيئاتها التمثيلية والنقابية. ما يرشح لحالة الاصطدام. وقد عبر عن هذا بقوله المبطن "خلونا نخدمو" (دعونا نعمل). وليس مستغربا أن لا يأتي أخنوش بممارسة غير تلك التي يتقنها كرجل أعمال وصاحب مقاولات كبرى، وكشخص مقرب من أعلى سلطة في البلاد. إلا أن العمل الحكومي ليس هو تسيير الشركات، وإدارة المقاولات لا تنفع في مواجهة الشارع الذي عاد من جديد للتحرك والاحتجاج اليومي.

بضاعة سريعة التلف

ليس من باب الترف العدمي على الإطلاق، القول بأن التغيير الحقيقي لا يزال سرابا، أو القول بأنه ليست هناك إرادة هزم مواقع ورموز الفساد، وإنهاء المحسوبية والرشوة وإهدار المال العام، والانتصار للعدالة الاجتماعية والمجالية ولحقوق الإنسان والحريات، ووضع القطيعة مع ديمقراطية الواجهة والسلطوية والتحكم. هي حقائق ومكتسبات لا تبدو في الأفق المغربي القريب، رغم ما تشي به الأوضاع من تأزم واندحار.

لذلك، "يجب أن نشرع في تقديم الأجوبة وبدون تأخير، لأن الأمر يتعلق بالمستقبل القريب لبلادنا. ولهذه الغاية يجب إحداث فضاءات للنقاش والحوار، ومنصات مثل هاته من أجل تمكين الجميع من إيصال صوته والتعبير عن ما يخالجه".

هذا الكلمات المحصورة بين مزدوجتين، ليس مقتطفا من خطاب "تشويشي عدمي معارض"، بل هي كلمات موثقة لفاعل اقتصادي دخل غمار السياسة، ويصنف ثاني أغنى شخص في المغرب خارج العائلة الملكية، اسمه عزيز أخنوش. قالها قبل صعوده إلى رئاسة الحكومة. فهل سيتذكرها ويفي بتنفيذ مضمونها اليوم؟

أم أن الوعود بضاعة سريعة التلف. أو كما قال رجل الدولة والسياسي البروسي - الألماني أوتو فون بسمارك، في نهاية القرن التاسع عشر، أن "الكذب يكثر عادة قبل الانتخابات، وخلال الحرب، وبعد الصيد."

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.