Supporters of the Shiite Amal group fire weapons in the air during the funeral processions of Hassan Jamil Nehmeh, who was…
يعتبر حزب الله أن العدالة تهدد السلم الأهلي

وجدت منذ يومين كتاب لميا زيادة Mon port de Beyrouth بالصدفة في إحدى مكتبات مونريال. عنوانه الفرعي C’est une malediction, ton pauvre pays!، "بلدك المسكين، لعنة".

جملة فاجأها بها أحد الأصدقاء فاعتقدت أنه يقصد الأزمة الاقتصادية أو كورونا التي زادت الطين بلّة. لكن عدد رسائل الواتس أب غير المعتاد على مجموعتها جعلها تتوجس. وتتالت الصور المفجعة والمدماة.

كان الخبر القادم من البلد اللعنة جريمة انفجار 4 آب. والكتاب عبارة عن رسومات تظهر ضحايا الانفجار من قتلى وجرحى ومصابين مع تعريف مختصر لكل منهم.

انفجار 4 آب، أكبر انفجار غير نووي على الكرة الارضية، يلحق بنا أنّى توجهنا.

من هنا، ومع مرور الوقت دون حصول أي تقدم في تحقيق جريمة المرفأ، خصوصاً بعد إقصاء القاضي صوان دون صعوبة، اطمئنانهم إلى أن التحقيق دفن ولن تقوم له قائمة. فجاءهم هذا القاضي الأعزل ليتبين انه "يقبض مهمته جدياً" ويقوم بما يتوجب على قاضي تحقيق القيام به. يبدو أنها كانت صدمة غير محتملة لمن "لم يحصل أن صادفَ أمراً من هذا النوع طيلة فترة تجربته كمحام ووزير للعدل"، على ما أسرّ الرئيس نبيه بري لأحدهم.

فلم يسبق أن وقف قاضٍ بوجه سلطة حاكمة برعاية ترسانة جيش "منتصر" في جميع الساحات.

فضحت التدخلات والمطالبات العلنية "بقبع" القاضي، ما كان لا يزال مبهماً عند البعض وفي باب الاحتمالات فقط، بانتظار البراهين القاطعة التي لا يؤمنها سوى تحقيق قضائي عادل. صار أوضح من الوضوح أن من أراد اقناعنا أن لا دخل له ولا حتى معرفة بما يجري في مرفأ بيروت، متضرر من التحقيق القضائي المستقل الذي يقوم به القاضي بيطار.

وأن الميثاقية التي أوجعوا رؤوسنا بها وأبدعوا في خلق أعراف تتعارض مع القوانين وتعطيل عشرات القرارات المصيرية بذريعتها، انها قميص عثمان لتمرير الهرطقات القانونية حصراً. إذا لا يخفى على أحد أن انفجار 4 آب في الوجدان المسيحي استهدفهم بالدرجة الاولى. فعدا عن الضحايا، لا تزال آلاف الأسر مشردة ومن دون عمل. والمسيحيون يعتبرون التدخل لمنع التحقيق موجهاً ضدهم لأنه رفض معلن لإنصاف ضحاياهم ولأنصافهم. من هنا حرج رئيس الجمهورية أمام جمهوره المسيحي. فجاءت حادثة الطيونة – عين الرمانة حبل نجاة له وغطاء لتحميل جعجع المسؤولية، فيلعب دور شيخ الصلح على حساب شريكه في اتفاق معراب الشهير تحت شعار "أوعا خيّك"، او جعلها ذريعة لدفع القاضي للتنحي.

أما تحميل مسؤولية مشهد الطيونة – عين الرمانة، مع ما تحمله من ذاكرة مثقلة، لأميركا وبعض العرب من رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله، في أن ما جرى "هو حلقة من الحلقات التي تديرها الولايات المتحدة الاميركية ويمولها بعض العرب.. ونحن جاهزون لتحمل المسؤولية وعدم الانجرار الى الفتنة الداخلية والحرب الاهلية لأننا أهل وعي" فعدا عن غرابته مردود حكماً. ربما كان يصح فيما لو أن المظاهرات انطلقت من عين الرمانة نحو الشياح مباشرة بعد خطاب السيد نصرالله الذي طالب فيه الدولة وأجهزتها العمل على إقالة البيطار "لأنه ما بينحملش"، وهتفوا "موارنة، موارنة، او قوات قوات، أو ما شابه.

يعتبر حزب الله أن العدالة تهدد السلم الأهلي. من لم يسمع التهديدات والتصريحات الصحافية عن أن "شيئاً كبيراً سيحصل" وان "الشارع ما عميتهدّا"... ناهيك عن تهديد وزير للحكومة مجتمعة مع رئيس الجمهورية: "اذا ابن مرا يقبض على علي حسن خليل". أما الاستنتاج، من هجوم شباب المسيرة على أحياء سكنية مسالمة واستفزاز سكانها بالشعار – البعبع: شيعة، شيعة!!! وشتم سمير جعجع، ومعهم سلاح متوسط لمتظاهرين "سلميين" شعروا بالفخر بهجومهم فوزعوا فيديوهاتهم الترهيبية على السكان في الحي المسيحي، يكون هو من يحافظ على السلم الأهلي ويضحي ليجنّب البلد حرباً أهلية؟؟ 

السؤال هل أن الدفاع عن النفس، في ظل غياب الأجهزة الأمنية، جريمة؟ هل الأضرار التي تعرضت لها أبنية وسيارات سكان عين الرمانة على أبواب الشتاء وفي ظل انهيار اقتصادي هو هدية السلام من قبل الثنائية الشيعية وشبابها! أليس هذا تهديداً في معرض ادعاء المسالمة؟  

على كل لنترك التفاصيل جانباً ونذهب لمعنى ما يحصل.

لم يعد مقبولاً لمعظم اللبنانيين هذه الهيمنة والغطرسة الشيعية. لأنها هي التي تعلن عن نفسها كذلك، سواء نطقت باسم كل الشيعة أو معظمهم أو قسم منهم. تكوين لبنان وتاريخه ونظامه لا يتحمل استقواء طائفة على جميع طوائف ومكونات هذا البلد.

تعب اللبنانيون مما كان مقاومة ومن سلاحها ومن حروبها ومن تهديداتها. لم تكن أحداث شويّا عندما تصدّى الأهالي لصواريخ المقاومة ولا أحداث خلدة عندما تصدّت العشائر العربية للعناصر التابع للحزب، ولا احراق مازوت إيران في بلدة غريفة ولا رد شباب عين – الرمانة على استفزازات عناصر مظاهرة الطيونة المسلحين حتى الأسنان، سوى التعبير عن رفض الاستمرار في هذه الدوامة من التهديد والوعيد والاستقواء والقمع.

إن أي دولة تستحق هذا الاسم لا تقوم لها قائمة إلا بشروط تأمين العدالة والحرية والمساواة لينعم مواطنيها بالسلم الأهلي.

بالطبع الحزب، ومن خلفه إيران، لا يريدون دولة فعلية. يريدون شكل دولة للبنان الذي كان، بما عرف عنه من مميزات، واستغلالها ليمررون عبرها سياساتهم وإرادتهم في مخاطبة أميركا والمجتمع الدولي. خصوصاً وان إيران تشعر الآن بنوع من التهديد لما يحصل في العراق وقلق في سوريا.

الشعب اللبناني يريد حكومة تستطيع إنقاذه من الهاوية، وليس زعم لحكومة "المستقلين" هذه التي أهدتنا إياها الدبلوماسية الفرنسية بعد لأي. حكومة يهدد فيها وزراء الثنائية الشيعية الحكومة مجتمعة، لإجبارهم على إقالة تقيل القاضي المزعج. حكومة ستكون اول انجازاتها إذا خضعت، سيكون ضرب مبدأ فصل السلطات وضرب القضاء من جذوره.

من هنا ضرورة العمل الجدي على حمل مطلب "بيروت منزوعة السلاح" مرحلياً، لحماية السكان المدنيين ومنع الاحتكاكات بين الأحياء باستخدام سلاح خفيف ومتوسط. وهذا المطلب لا يطال صواريخ حزب الله المفروض وجودها على الحدود من العدو وليست للتوزيع والنشر بين السكان وفي الأحياء.
إنها مسؤولية رئيس الجمهورية تحديداً وأداته لحماية السلم الأهلي وليس لتذكّر لعب دور عراب الصلح بين متخاصمين يكون فيها خاضعاً لإملاءات الطرف القوي.

وهذا يتطلب جبهة سياسية واسعة تحمل شعار العدالة أولاً. لا سيادة ولا سلم أهلي ولا حريات ولا مساواة دون تحقيق العدالة وحماية القاضي بيطار لاستكمال تحقيقاته بمعزل عن التهديدات مهما علا شأنها.

لا شك يشعر المسيحيون والسياديون الآن، لأنهم آخر معاقل مقاومة الاحتلال أو الهيمنة المسلحة، أن هذه على ما يبدو آخر معاركهم من أجل الحفاظ على لبنان التاريخي والتقليدي وبقاءهم به. فليفكروا ملياً قبل الاستسلام النهائي وتنظيم هجرة المسيحيين الطوعية على ما ينصح بعض مراجعهم الدينية.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.