Supporters of the Shiite Amal group fire weapons in the air during the funeral processions of Hassan Jamil Nehmeh, who was…
لا نعرف بثقة كاملة جميع ملابسات الاشتباكات

الاشتباكات الدموية التي وقعت يوم الخميس الماضي في بيروت بين عناصر تنتمي إلى التنظيمين الشيعيين حزب الله وأمل، وعناصر تنتمي إلى حزب القوات اللبنانية وأدت الى مصرع 7 أشخاص وجرح أكثر من 30 شخصا تعتبر من أخطر الاشتباكات الأهلية منذ احتلال حزب الله لمعظم القطاع الغربي من العاصمة اللبنانية في 2008، وأعادت لأذهان العديد من اللبنانيين أشباح وكوابيس الحرب الأهلية بين 1975 و1990. معظم المحللين لا يتوقعون حربا أهلية جديدة، ويمكن القول إن معظم قادة لبنان، بمن فيهم قادة القوى التي سفكت الدماء الأسبوع الماضي لا يريدون بالضرورة استئناف الاقتتال الأهلي. المجتمع اللبناني اليوم، بعكس 1975 منهك وشبه مشلول اقتصاديا وماليا، ومشرذم اجتماعيا وأكثرية اللبنانيين من مختلف الخلفيات الدينية والاجتماعية غير مستعدة للقتال لصالح طبقة سياسية أذلتهم وأوصلتهم إلى حافة الجوع حيث يستعطي اللبنانيون المساعدات الإنسانية من مجتمع دولي لا يثق بطبقة مفترسة.

ولكن في الأيام القليلة التي تلت الاشتباكات وفي الوقت الذي كان يتم فيه دفن القتلى ومعالجة الجرحى في المستشفيات، رجعت القوى المعنية بالاشتباكات، كما تفعل كل القوى اللبنانية في مثل هذه الحالات إلى اعتماد "الموقف الافتراضي" default position أي العودة إلى التعبئة الطائفية والتي أصبحت جزءا عضويا من تقاليد النزاعات بين الفئات اللبنانية. لا زعيم حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ولا زعيمي حزب الله وحركة أمل، حسن نصرالله ونبيه بري تحدثوا عن حرب أهلية جديدة – جميعهم ينبذون ذلك – ولكنهم تعاملوا، وغيرهم من الزعامات اللبنانية مع الاشتباكات من منظور طائفي ومن الإرث الثقيل للحرب الأهلية.

تظاهرات أنصار حزب الله وحركة أمل كانت جزءا من الحملة الشرسة التي يقودها التنظيمان ضد التحقيق الذي يقوم به القاضي طارق بيطار في الانفجار الهائل الذي دمّر مرفأ بيروت وأحياء كبيرة في بيروت الشرقية في الرابع من أغسطس 2020، وأدى إلى مصرع أكثر من مئتي مدني وجرح الآلاف. ويوم الاثنين الماضي خصص زعيم حزب الله حسن نصرالله جزءا هاما من خطاب له ضد القاضي بيطار حين كرر المطالبة بعزله بحجة أنه يقوم تحقيق "مسيّس". وكان القاضي بيطار قد أصدر مذكرة توقيف بحق القيادي في حركة أمل ووزير المالية السابق علي حسن خليل الذي رفض المثول أمامه.

وكانت ضغوط حزب الله وأمل وسياسيين آخرين من خلفيات سياسية وطائفية أخرى قد نجحت قبل أشهر في إقالة القاضي فادي صوّان الذي بدأ التحقيقات، بعد أن توصل إلى وثائق تؤكد أن أكثرية من السياسيين والمسؤولين الأمنيين اللبنانيين كانوا يعرفون بشحنة الأمونيوم نايتريت الضخمة في المرفأ وكيف تم تخزينها بشكل عشوائي، وأن سلوكهم يرقى إلى مستوى "الإهمال الجنائي". حملة حزب الله وأمل، وحقيقة أن زعيم حزب الله هو الذي يقود شخصيا وعلنا الحملة ضد القاضي بيطار عمقت شكوك الكثير من اللبنانيين أن حزب الله وأمل، يقومان بالنيابة عن قسم كبير من الطبقة السياسية الفاسدة بمحاولة قتل التحقيق لإخفاء الحقائق. من المنظور الطائفي المتجذر في الذاكرة الجماعية للبنانيين، أكثرية ضحايا انفجار مرفأ بيروت وممتلكاتهم هي أكثرية مسيحية، وبالتالي أي محاولة للتغطية على المسؤولية القانونية والاخلاقية لانفجار المرفأ موجهة، من هذا المنظور ضد الضحايا المسيحيين وعائلاتهم.

لا نعرف بثقة كاملة جميع ملابسات الاشتباكات، ولكن ما هو واضح أن هناك قرار من حزب القوات اللبنانية بالتصدي لأي عناصر من حزب الله وأمل تدخل إلى الأحياء التي تسكنها أكثرية مسيحية ووقف أي محاولات ترهيب (هتافات استفزازية من نوع "شيعة، شيعة") أو تخريب مادي للممتلكات. ما لا نعرفه بيقين هو ما إذا كان القرار هو التصدي السياسي والشعبي، أم مزيج من الردع الشعبي والنشاط العسكري المحدود. إذا كان القرار يشمل الاستخدام المحدود للقوة، فهذا تصعيد غير مألوف من حزب القوات اللبنانية، ضد انتهاكات وترهيب يقوم به أنصار حزب الله وأمل ضد خصومهم بشكل دوري كما رأينا في 2008، وفي 2018 و2019. وإذا كان التصعيد القواتي يشمل استخدام السلاح ولو بشكل محدود وتحذيري، فهذا يطرح أسئلة جديدة ومقلقة حول حسابات حزب القوات اللبنانية، (سوف يبين الزمن إذا كانت متهورة أم لا) ومتى استعداده لاستيعاب ردود حزب الله وأمل، وكيف يتوقع ردود فعل التنظيمين، إضافة إلى ردود فعل خصومه المسيحيين، أي حزب الرئيس ميشال عون، التيار الوطني الحر، المتحالف مع حزب الله.

في المستقبل القريب سوف يتركز الاهتمام على ما سيفعله حزب الله وحركة أمل للرد على حزب القوات اللبنانية، ولحسم مستقبل تحقيق القاضي بيطار. هل سيجازف حزب الله سياسيا بتصعيد عسكري ضد القوات اللبنانية، وهو الذي يملك القوة العسكرية الأكبر في لبنان، أم هل سيضبط سلوكه لكي لا يلحق الأضرار بحليفه رئيس الجمهورية وحزبه؟ ردود الفعل الأولية تبين أن الاشتباكات وضعت الرئيس عون وصهره جبران باسيل ذو الطموحات الرئاسية في وضع صعب ودفاعي في "الأوساط المسيحية"، ووضعت سمير جعجع في موقع "المدافع" عن حقوق المسيحيين. 

صحيح أن حزب الله قادر على فرض سيطرته العسكرية على مناطق كبيرة في بيروت وخارجها، ولكن هل يريد أن يجازف بتأليب القوى والطوائف اللبنانية الأخرى مثل السنّة والدروز ضده، خاصة وأن رصيده في هذه الأوساط هو دون الصفر؟ هذا قد يكون من بين حسابات قيادة حزب القوات اللبنانية، ودافع اساسي لكي تضع أمام الحزب وحركة أمل خطوطا حمراء جديدة ابرزها: اقتحام المناطق المسيحية سوف يكون له ثمن من الان وصاعدا.

التقويم الأولي للانتخابات النيابية العراقية في المنطقة علّق أهمية كبيرة على التراجع المحرج لحلفاء وعملاء ايران في العراق الذين خاضوا الانتخابات كممثلين لميليشيات الحشد الشعبي التي تسلحها وتمولها ايران. خصوم إيران في لبنان وسوريا والعراق رأوا في نتائج الانتخابات نكسة سياسية جدية لإيران ولميليشياتها في المنطقة.

حسابات قيادة حزب القوات اللبنانية قد تكون خاطئة، إذا استمر أو تفاقم التوتر الطائفي، حتى موعد الانتخابات النيابية في السنة المقبلة، واستغل حزب الله هذا التوتر لتأجيل الانتخابات النيابية، ما يعني أن حزب الله سيحافظ على أكثريته الراهنة في برلمان ضعيف.

تزامنت اشتباكات بيروت مع زيارة وفد أميركي رفيع المستوى بقيادة وكيلة وزارة الخارجية للشؤون السياسية فكتوريا نولند إلى العاصمة اللبنانية يضم ممثلين عن وزارتي الخارجية والمالية لمناقشة المساعدات الاقتصادية الأميركية للبنان، والأهم من ذلك لكي تحض الحكومة الجديدة على اعتماد الشفافية وفتح سجلات لبنان المالية قبل المفاوضات مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. 

وفي هذا السياق شددت المسؤولة الأميركية على ضرورة مسائلة المسؤولين اللبنانيين خلال استخدامهم للقرض الخاص الذي سيحصلون عليه من صندوق النقد الدولي والبالغة قيمته مليار دولار.

إذا استمر التوتر الراهن، وإذا تفاقم أكثر في الأسابيع والأشهر المقبلة، فانه سيقوض أي فرص للحكومة الجديدة لتلبية الاحتياجات الإنسانية والمعيشية الملحة للبنانيين في محنتهم الحالية من فقدان الطاقة الكهربائية إلى غياب الأدوية والأغذية، كما أن أي اضطرابات أمنية كبيرة في بيروت قد تقوض أي فرص لحصول الحكومة الجديدة على أي مساعدات أو قروض من المؤسسات المالية الدولية، مع ما يعنيه ذلك من عواقب وخيمة على الأغلبية اللبنانية المحرومة.

قد لا تضع اشتباكات بيروت الأخيرة لبنان على طريق اقتتال أهلي كما حدث في 1975، ولكنها عمقت الاستقطابات الطائفية، وأظهرت مرة أخرى هشاشة السلم الأهلي، ووضعت اللبنانيين من جديد في مواجهة الإرث البشع لحربهم الأهلية الطويلة.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.