بعض الجهود الفردية التي أتاحتها تقنيات الإعلام الحديث ووسائل التواصل الاجتماعي فاق تأثيرها تأثير تلك المؤسسات
بعض الجهود الفردية التي أتاحتها تقنيات الإعلام الحديث ووسائل التواصل الاجتماعي فاق تأثيرها تأثير تلك المؤسسات

أنا من جيل نشأ ثقافيا على مَدارِ ازدهارِ مُؤسّستين من أهم المؤسسات الثقافية في العالم العربي: "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" في الكويت، و"المجلس الأعلى للثقافة في مصر"، إذ كان لهما الحضور المؤسسي الفاعل المؤثر ـ بعمق ورصانة وتنوّع منتجهما الثقافي ـ لا عليَّ خاصة، بل على مُجَايِليَّ من مواليد السبعينيات من القرن الميلادي المنصرم. وبالطبع، هو أثر سابق على من قبلنا؛ كما هو أثر لاحق على من بعدنا؛ إذ التأثير ومتتالياته ـ المباشرة وغير المباشرة ـ لا يزال فاعلا إلى اليوم في أهم مثقفي ومفكري العالم العربي.

كانت إصدارات "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" التي من أشهرها وأهمها: كتاب "عالم المعرفة" الشهري، ودورية "عالم الفكر"، و"الثقافة العالمية"، و"العربي"... إلخ كانت هذه الإصدارات حاضرة في منافذ البيع على نحو مُكثّف، وبأسعار معقولة، بحيث لا يشق اقتناؤها على الطلاب من ذوي الدخل المحدود. أي أن التسويق لها كان ذكيًّا؛ كما كان نشطا، على العكس من إصدارات "المجلس الأعلى للثقافة في مصر"، وغيره من المؤسسات الثقافية المصرية، إذ على الرغم من كونها أرخص سعرا، وأكثر تنوّعا، فهي لا تتوفر في كل مكان، بل إن كثيرا منها لا يظفر به إلا "الرحّالةُ المغتربون في سبيل المعرفة"، كما كان عليه الأمر في مجلة "إبداع"، و"فصول"، ومترجمات "المركز القومي للترجمة"، ومنشورات "الهيئة العامة للكتاب"... إلخ التي كانت مما تزدهي به حقائبُ عشاق الثقافة العائدين من مصر، وذلك قبل أن تتوفر على الإنترنت ككنز ثقافي ثمين يغفل عنه اليوم أكثر الباحثين.

ما دون ذلك، كانت المؤسسات الثقافية في العالم العربي ظاهرة إعلانية، أكثر مما هي ظاهرة ثقافية حقيقية. كانت ـ ولا تزال ـ تقول كثيرا وكثيرا، بينما لا تعمل إلا قليلا، أو ما هو أقل من القليل. لهذا، قامت كبريات دور النشر العربية، كـ"الآداب" و"الطليعة" و"مؤسسة الانتشار العربي" و"المركز الثقافي العربي" و "الشروق" و"المدى" و"الفارابي" و"مركز دراسات الوحدة العربية" و"المعارف" و"توبقال" و"أفريقيا الشرق" و"الساقي"... إلخ دور النشر الرائدة، كل واحدة منها بدور يفوق الدور الذي قامت به المؤسسات الثقافية، ليس فقط من ناحية "الكم" و"الكيف" إنتاجيا، بل ومن ناحية النجاح في الوصول إلى الفئات المستهدفة أيضا، بل إن أثر هذه الدور وأمثالها لا يزال محفورا في وعي جميع المثقفين على اختلاف مشاربهم وهمومهم وتوجهاتهم، بينما أغلبهم لم يسمع قط بتلك المؤسسات الثقافية التي أنفقت عليها عشراتُ الملايين، وإن سمع عنها ذات مصادفة؛ فكما يسمع الإعلانَ العابرَ عن حذاء رياضي أو حقيبة نسائية أو جهاز من أجهزة الطهي أو الغسيل !

بل إن بعض الجهود الفردية التي أتاحتها تقنيات الإعلام الحديث ووسائل التواصل الاجتماعي فاق تأثيرها تأثير تلك المؤسسات. فمثلا، حساب/ موقع يديره فرد أو بضعة أفراد، أو حلقات حوارية بجهود فردية أو شبه فردية، أصبحت اليوم تؤثّر في الوعي العام العربي ـ سلبا أو إيجابا ـ بما يفوق كل ما تقدمه تلك المؤسسات الثقافية مجتمعة. فكثير من هذه الجهود الفردية المدفوعة بروح تنافسية مفتوحة على آفاق من الأمل اللاّمحدود (وبعضها يُضيف إلى هذه الروح التنافسية هَمًّا معرفيا حقيقيا متجذرا في "رسالية التنوير") تبحث عن موادها وقضاياها في معترك الوعي الجماهيري السائد، إنها تقتنص فُرَصَ التأثير من زاوية أهم القضايا التي تشغل وعي الجيل القادم حديثا إلى ساحة الثقافة والإبداع.

إن المؤسسات الثقافية في العالم العربي لا تفشل هذا الفشل الذريع المتواصل لِقِلّة الدعم المُقَدَّم لها، ولا لِزُهدِ كبارِ المثقفين فيها (فعلى العكس، هي مدعومة بشكل كبير، وكبار المثقفين يُبْدُون استعدادَهم للتعاون معها فيما هو نشاط ثقافي حقيقي، وليس فيما هو مجرد اشتراك رمزي في حفلات علاقات عامة) وإنما هي تفشل، وتدمن الفشل؛ لأنها ليست ذات هَمٍّ ثقافي حقيقي، بل إن هَمَّها في الأساس ـ وربما هو هَمُّها الوحيد ـ: إعلاني استنفاعي، يكون فيه القول قولا على قول، وليس قولا على فعل، وتكون فيه "المنتجات الثقافية" ـ في أحس أحوالها ـ، مجرد "أمنيات ثقافية"، لا يبقى منها في يد المتلقي الجماهيري غير قبض الريح.  

لقد قامت كثير من المشاريع الثقافية العربية في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين بدور تنويري رائد لا يزال أثره المباشر باقيا إلى اليوم في شرائح مجتمعية متنوعة، ولا يزال أثره غير المباشر يُسْهِم في المتغيرات النوعية التي نجد كثيرا من إحداثياتها في الواقع المعاش.

لقد كانت تلك المشاريع الرائدة تُدْرك أنها في معركة حاسمة مع الجهل والتخلف والتعصب، بل والإرهاب. ولهذا كانت هي "الثقافة" ذات الطابع المدني، ثقافة الانفتاح والتسامح، في مواجهة المد الأصولي المتطرف الذي ملأ الساحة/ المدى الجماهيري بالمنتج السلفي الإقصائي، ذلك المنتج العقائدي الخطير، سريع الأثر وعميق التأثير. وكان القائمون على هذه المشاريع الثقافية التنويرية هم من كبار المثقفين العرب الذين كانوا على وعي تام بخطورة الفشل في إدارة هذه المعركة التنويرية مع القوى الأصولية المتطرفة، إذ الفشل فيها سيمتد ـ بارتداداته الحتمية ـ ليشمل كلَّ تفاصيل الواقعة الاجتماعية، بما فيها الواقعة الثقافية بطبيعة الحال.

هذا الوعي بالدور التنويري، وبمدى خطورته، يبدو غائبا اليوم عن وعي القائمين على المؤسسات الثقافية. ولهذا، فالإحساس بـ"خطورة المتغير الثقافي" يبدو فاترا عند هؤلاء، إنهم يمارسون أدوارهم وكأنهم يتصورون أنفسهم يشتغلون في حقل من حقول "الكماليات" الهامشية التي لا يعدو أن يكون النجاح أو الفشل فيها نجاحا أو فشلا عابرا لبضعة أشخاص عابرين، لا لأمة كاملة معطوبة في وعيها الثقافي؛ وبالتالي؛ لا نجاة لها إلا بإحداث متغيرات جذرية على هذا الوعي الثقافي السائد.

طبعا، لا أقصد هنا ضرورة التكرار النمطي لدور تلك المؤسستين الناجحتين في الماضي القريب: "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" في الكويت، و"المجلس الأعلى للثقافة في مصر"، فدورهما المشكور بقي في إطار المكتوب وبعض الندوات الفكرية الرصينة غالبا، وإنما أقصد: "طبيعة الحيوية"، "طبيعة التصور العام" للدور الثقافي، "طبيعة الإخلاص" للمهمة الخطيرة، ثم بعد ذلك، وزيادة عليه: توظيف الوسائط الحديثة المؤثرة بكل أشكالها؛ لإجراء أكبر قدر من المتغيرات الثقافية النوعية في الوعي الجماهيري.

وأخيرا، وباختصار، فإن ثمة شيئا جوهريا يجعل دارَ نشر متواضعة في قدراتها تنجح، وتُحْدث أعمق الأثر؛ بينما تفشل مؤسسات كبرى حتى في أن تطبع 10% مما طبعته تلك الدار، بل وينجح فَردٌ مغمور وبجهد ذاتي، بينما تفشل تلك المؤسسات في منافسته حتى في مجاله الخاص. هذا الشيء الجوهري، هذا الشيء الفارق، ليس سِرًّا مُغَيّبا؛ حتى وإن كان يحتاج لكثير من "التجرّد" في البحث والتأمل للإمساك بشفرته الخاصة المتاحة للجميع!

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.