التيار الصدري حصد أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات التشريعية.
التيار الصدري حصد أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات التشريعية.

ليس من موقع وحالية سياسية مُضطربة في العراق اليوم مثل التي يشغلها التيار الصدري وزعيمه مُقتدى الصدر، بعد صدور نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

محتار بحاله التيار الصدري، لا هو قادر على تأليف الحكومة وتشكيل مؤسسات السلطة في العراق بدون وعلى التضاد من غرمائه من الأحزاب المركزية العراقية الأخرى، بالذات الذين من نفس بيئته المناطقية والطائفية، الذين ليسوا بأي شكل مُجرد قوى سياسية فقط. 

ولا هو قادر على الشراكة والوئام معهم من جديد، مثلما كان طوال عقد ونصف كامل مضى، ووعد قاعدته الجماهيرية طوال وشهور مضت ألا يُكرر تلك الفعلة، خصوصاً بعد أن نال هذا العدد من المقاعد البرلمانية في آخر انتخابات. 

وطبعاً ليس للتيار أن يترك السُلطة ويُغدو مُجرد تيار سياسي مُعارض. فمثل غيره، السُلطة بالنسبة للتيار الصدري مغنمة كُبرى، عليها يعيش ويرفد مؤسساته وقاعدة مؤيديه بكُل ما يُلحمهم ببعضهم، مناصب ومواقع ومنافع وسلطات وهيمنة على الفضاء العام. 

التيار الصدري يدرك جيدا أنه لا يستطع تشكيل الحكومة والسُلطة الجديدة في العراق، لأن أنداده السياسيين، بالذات من حزب الدعوة وتيار الفتح المُعبرين والممثلين السياسيين لفصائل الحشد الشعبي، يعتبران وجودهما في السُلطة ومؤسسات الدولة بمثابة ترياق حياة لا عيش بدونه، وأن خوض حروب أهلية كثيرة، وليس حرباً أهلية واحدة فحسب، أمر أهون من ترك السلطة تماماً لغيرهم. 

لكن أبداً ليس لذلك السبب فحسب. 

فالصدريون يعرفون تماماً أنهم لا يستطيعون تحقيق أي من وعودهم الانتخابية "الإصلاحية"، حتى لو دانت السُلطة والحكومة لهم، وفقط لهم. لأن ذلك الإصلاح الموعود أنما يعني فعلياً ومباشرة القضاء وتفكيك التيار الصدري نفسه، ويُستحال أن ينتحر أي تيار سياسي بتلك الطريقة. 

هل يستطيع الصدريون مثلاً أن يحلوا الميليشيات والسلاح خارج جيش والأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية العراقية مثلاً!!. لكن ماذا بالنسبة لسرايا السلام وقتها!!، التي هي فعلياً ومباشرة الذراع الأمني والعسكري للتيار الصدري، ومصدر شكيمة التيار وسبب التفاف ملايين العراقيين حوله، لحماية أنفسهم من حملات التصفية والحروب الأهلية والاجتماعية المُضنية، ما توقفت في العراق قط. وكيف في حال حدوث ذلك، أن يتحول التيار الصدري إلى مُجرد حزب سياسي عراقي مدني عادي، تستطيع دورية من أي جهاز أمني أن تعتقل قادته في حال تجاوزوا القانون العام، مثلهم مثل العشرات من الزعماء السياسيين العراقيين الآخرين، الذين استبعدوا وسُجنوا، فقط لأنه لم يكن لأحزابهم ميليشيا مُسلحة. وهو أمر يُستحال أن يتحمله التيار الصدري.

هذهِ الـ"هل" الإصلاحية الخاصة بحل المليشيات يُمكن سحبها وتطبيقها على كُل تفصيل إصلاحي آخر يدعي التيار سعيه له. 

هل يستطيع التيار الصدري أن يكف يد الآلاف من مناصريه في الموقع الوظيفي عن الفساد والمغانم التي يحصلون عليها!، وإذا كان ثمة نفي لذلك السلوك، فمن أين يأتي التيار الصدري بهذه الكُتلة المالية الضخمة التي يُيسر بها شؤون آلاف المؤسسات الرديفة له، والتي تشبه مؤسسات دولة داخل الدولة العراقية. 

نفس الـ"هل" تنسحب على موقف التيار الصدري من التدخل الإيراني في العراق، حيث لم يُعرف عن التيار الصدري إلا التصعيد الكلامي ضد ذلك، دون أي فعل ميداني وسياسي حقيقي تجاهه. 

لأجل تلك النماذج من الـ"هل"، لا يُمكن للتيار الصدري أن يكون صاحب السُلطة في البلاد، لأنها ستكشف عجزه الواضح عن فعل أي شيء من كُل ما يعد به قواعده. فالتيار الصدري لا يستطيع أن يكون إصلاحياً لأسباب موضوعية على الأقل، تتعلق بتكوينه كتيار سياسي لا يحمل في دواخله أية نوازع ومضامين مختلفة جوهرياً عن باقي الأحزاب السلطوية العراقية، التي تتصارع على أمر واحد فحسب "من سيحظى بخيرات البلاد ومغانمها"!. 

لكن التيار الصدري أيضاً لن يستطيع أن يُشارك مُجدداً القوى التي شاركها من قبل عشرات المرات، والتي كان في النفس الوقت، يتهمها طوال السنوات الكثيرة التي مضت، بأنها المتسبب والمانع للتيار الصدري من تنفيذ برامجه وتطلعاه ومشروعه السياسي. 

ففي أوقات سابقة، وحينما كانت الكُتلة البرلمانية الصدرية مقاربة لغيرها من الكُتل البرلمانية، فأن ذلك كان يمنح التيار حُجة أولية ومُقنعة إلى حدِ ما "ليس باليد حيلة، هذا كُل ما نستطيع فعله في مواجهة الأقوياء هؤلاء". 

اليوم، ومع حصول التيار الصدري على هذا العدد المُفارق من المقاعد البرلمانية، صارت تلك الحُجة غير واقعية تقريبا. ولو تراجع التيار عن هذا الموقع المتمايز الذي منحه الناخبون إياه، وعاد لمشاركة باقي الكُتل السياسية المركزية في الحكومة والمؤسسات، فأنه سيظهر كراغب وطامح واضح لمشاركة الآخرين كعكة المغانم، واستخدامهم كشماعة للفشل، في الآن عينه. وهو موقع بقي التيار الصدري طوال عقد ونص كاملٍ يتبرأ ويتطهر منه، بالرغم من انخراطه الفعلي فيه. لكن الانخراط والنفي في الآن عيه، لم يعد متوفراً، صار أوضح بكثير من إمكانية تغطيته. 

لكن الجانب الأخطر على التيار الصدري، في حال مشاركته لباقي القوى السياسية المركزية في عملية تقاسم السُلطة، أنما سيكون من القواعد الاجتماعية العراقية المُنتفضة، التي استمات التيار الصدري طوال العامين الماضيين لأن يُميز نفسه في أعينهم عن باقي القوى السياسي العراقية، وهو أمر صدقته حتى بعض النُخب الثقافية والمدنية العراقية إلى حد بعيد. فقدان التمايز هذا لو حديث، سيعني أن لوحة الانقسام في العراق ستكون شديدة الوضوح، على دفة ثمة كُل القوى المركزية التقليدية التي أغرقت العراق بكُل مراراته، وعلى رأسها التيار الصدري، وفي الدفة الأخرى ثمة الجماهير المُنتفضة. 

أخيراً، فإن التيار الصدري لا يستطيع أن يكون مُعارضاً من داخل قُبة البرلمان. لأن الدولة بمؤسساتها وخيراتها وسُلطاتها هي طاقة الحياة الضرورية والمُطلقة بالنسبة لتيار مثل التيار الصدري، بآلاف مؤسساته ومتفرغيه وامتيازاته الخاصة للغاية. لكن أيضاً لمعرفته الدقيقة بطبيعة أنداده السياسيين، في بيئته الاجتماعية والطائفية بالذات، الذين لن يوفروا لحظة واحدة في حال انفرادهم بالسُلطة من تحجيم وتضييق هامش الحركة والحياة على كُل تنظيمات التيار الصدري، بما في ذلك جناحه المُسلح. 

فوق ذلك، فإن نزول التيار الصدري إلى مقام المعارضة السياسية، يعني قبوله وخضوعه لمفاهيم الدولة وأساس اللعبة الديمقراطية في البلاد، وهو أمر أصعب بكثير من أن يبتلعه تيار مثل التيار الصدري، الذي يشبه تنظيمات الحروب والحكايات القديمة، أكثر من أي شيء يمد لتنظيمات الحداثة بصلة.
 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.