حسن نصر الله.. خطاب له دلالات
حسن نصر الله.. خطاب له دلالات

اتهم أمين عام حزب الله حسن نصر الله، صراحة ومباشرة، رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بأنه يسعى لإشعال حرب أهلية في لبنان، منبهاً أن الخاسر الأكبر في هذه الحرب، إن وقعت، سوف يكون المسيحيين، وأنه على هؤلاء بالتالي التنبه إلى مصلحتهم، والموافقة على إقصاء جعجع وحربه، بل ومحاكمتهما للجريمة الأخيرة الموصوفة، المندرجة في سياق السعي إلى إضرام نار الاقتتال الداخلي في لبنان، أي المجزرة التي ارتكبها القناصة القواتيون بحق المتظاهرين العزّل في الطيونة الأسبوع الماضي.

نصر الله كان حريصاً على اعتماد لغة المنطق والأخلاق أولاً، وإن أضاف إشارات إلى القوة للتأكيد على أن ما يظهره من الصبر والسماحة هو وليد القدرة لا الحاجة. فجاء كلامه مفحماً، مقنعاً، حاسماً. لمن يوافقه الرأي ابتداءً.

أما من كان مختلفاً معه، فقد يخرج من الإصغاء إلى كلمته الخطيرة الأخيرة بالموافقة على مقولته حول أنه ثمة مشروع حرب أهلية في لبنان. غير أن من يشرع بهذا الاتجاه هو حزب الله وأمينه العام.

المغالطة المنطقية الأولى، المبدئية والنهائية، والتي يمعن فيها نصر الله ومن يؤيده هو اعتبار الوضع الشاذ المتمثل بوجود جيش جرّار غير تابع للدولة وغير خاضع للمساءلة الوطنية بل مرتبط برؤية وخطة وقرار من الخارج، علناً ودون حرج، أمراً مستوجباً للقبول دون نقاش، بل التصرف قولاً وعملاً على أساس أنه من الخيانة والعمالة الاعتراض عليه، أو الدعوة إلى حصر السلاح القاهر بالدولة.

غير أن ما يطلبه نصر الله ومن يجاريه لا يتوقف عند حد هذه المغالطة القاضية، بل يزيد عليها أنه يصرّ على أن يتعامى اللبنانيون عن الظاهر الجلي، هو أن هذا الجيش، والبنى الحزبية والاقتصادية والاجتماعية المتفرعة عنه، هو جيش طائفي، بهويته وقيادته ورموزه وعقيدته وأدبياته، يتناقض بفعل وجوده وحسب مع مسعى لبنان إلى الارتقاء نحو تحقيق الوعد الذي قام عليه بأن يكون وطناً لمواطنيه، يضمن لكافة ناسه حقوقهم، على أساس المساواة والمواطنة.

وجود حزب الله لا يتعارض مع السير باتجاه تجاوز الطائفية وحسب، بل يكرّسها ويصادق على النزعات الطائفية الأخرى ويعمّقها. ما يبدو عَرَضياً في سلوك الجمهور المؤيد لحزب الله، أي اختصار الشعارات التي ينادي بها عند انغماسه بأعمال العنف إلى عبارة "شيعة، شيعة" هو إظهار تلقي هذا الجمهور لفائض القوة الذي يمنحه إياه الحزب دون التنميق الخطابي وبالصراحة الفجة. هي العصبية والغرائزية بما يولّد ما يشبهها.

ثم إن ما يطالب نصر الله من يستمع إليه بأن يلتزم به هو تجاهل الحقيقة المؤكدة قضائياً بأن حزب الله هو من قتل رفيق الحريري، وما يستتبعها من ظنون لا يمكن تبديدها إلا بالتغفيل الاستغبائي حول مسؤولية الحزب عن قتل العديد من خصومه على مدى الأعوام. بل يعمد نصر الله بمطلق الاعتزاز إلى المفاخرة بالجرائم التي لا مجال للتشتيت بشأنها، مثل عرض القوة القاتلة في 7 أيار 2008، "اليوم المجيد"، أو مثل استعراض القوة إلى حد التهديد عام 2011، "القمصان السود".

وعليه، فإنه على كل من يصغي إلى حسن نصر الله بإعجاب وتقدير ومودة، وهم في لبنان وجواره ليسوا قلّة، أن يدركوا أنه في مقابلهم من ليس مستعداً عن تجاوز اعتداء حزب الله على السيادة اللبنانية، وتكريس حزب الله للطائفية في لبنان، وإجرام حزب الله بحق معارضيه، ولا سيما المؤكد منه من اغتياله لرفيق الحريري.

يريد حسن نصر الله في خطابه أن يكون منطقياً، أخلاقياً، وقوياً. ولكن هذه السمات ليست لدى العديد ممن يسمعه مكتوبة على بياض، بل الصفحة التي هي مخطوطة عليها ملطّخة للتو بالدم والطائفية وانتهاك السيادة.

حزب الله لم يشارك بالحرب الأهلية. إلى حد ما، فاقتتاله مع حركة أمل لا يخرج عن هذا الوصف، إلا إذا كان المقصود بالحرب الأهلية حصراً التذابح بين المسلمين والمسيحيين. حزب الله حرّر الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي. يُشهد له ذلك، بغضّ النظر عن إقصائه لغيره، وعن بنائه على هذا الإنجاز الوطني للتأسيس لواقع الاستنزاف التاريخي للبنان، كما هو قائم اليوم.

لمقاتلي حزب الله من المناقبية المشهودة ما يستحق التقدير. بالفعل، إذا ما جرى التغاضي عن أن ثمن دعمه للنظام في دمشق هو تمكين هذا النظام القاتل من الإمعان في إجرامه، ودفع المعارضة الملتبسة باتجاه التطرف.

هذه، وغيرها من الحجج التبديدية التي يلجأ إليها من يستمع مؤيداً لخطاب حسن نصر الله، وإن انضوت على أوجه من الحق، لا تعوّض عن الباطل البنيوي في واقع حزب الله، النافي للسيادة، المكرّس للطائفية، والمجرم بسجلّه.

غير أن الاعتراض على كلام نصر الله لا يتوقف عند حد هذا الثابت. بل يشمل كذلك مساءلة الزعم الضمني للمنطق والأخلاق.

من أكثر الطرق ابتذالاً للطعن بموقف الخصم عزو التزام الخصم به إلى منفعة مادية، وعدم التطرق إلى مضمون الموقف. أما من يؤيد موقف الخصم، فهم المضلّلون الذين وقعوا في فخّ الغشّ والاحتيال الذي نصبه الخصم.

قد يكون بالفعل، بما يتوافق مع كلام نصر الله، أن كل العمالة التي يغوص فيها سمير جعجع تهدف إلى كسب موقع الرئاسة لإرضاء نفسه. وربما كذلك أن مسعى الرئيس "الجهنمي" الحالي لتوريث صهره الرئاسة هو قمة التفاني في خدمة الوطن والإنسانية.

ولكن ربما كان من الأجدى الإقرار بأن ما يشهده لبنان هو مواجهة مبدئية بين من يريده وطناً لأهله، ومن يريده جندياً عند خطوط التماس لدى محور يخوض حرباً عالمية.

الاقتراب من المنطق، الذي يثمنّه من يستمع مؤيداً لأمين عام الحزب، يكون بمواجهة الخصم بأقواله ومواقفه، لا بالمزاعم المبنية على "معلومات" طاعنة مرجعيتها قول القائل وحسب، ولا سيما حين تورد في سياق التسطيحات والمبالغات.

على أن الزعم الضمني للمنطق يهون أمام الادعاء الصريح للأخلاق. فرغم إصرار أمين عام حزب الله على إنكار التمنين في استعراضه لمآثر حزبه، فإن الجلي على مدى كلمته هو أنه من المطلوب من مستمعيه الإقرار بأن أخلاقية الحزب ومناقبيته هي بفعل إرادة والتزام ذاتي، وإن اشتقها من الدين، لا نتيجة إلزام خارج عن الحزب وقراره.

يمكن هنا استعادة قول الرئيس عون، في إطار تبريره للاتفاق الذي عقده مع حزب الله، بأنه نتيجة لهذا الاتفاق لم يتعرّض أي مسيحي لضربة كف. يتلاقى عون هنالك ونصر الله هنا على اعتبار أن عدم صفع المواطن اللبناني، مسيحياً كان أو غير مسيحي، هو إنجاز يشكران عليه، ومكرمة ينالها هذا المواطن، إذ يدخل في ذمة حزب الله.

كلام الأخلاق في مسامع من يؤيد حزب الله هو تعزيز لمقام الحزب المعنوي. غير أنه، لدى من لا يرضى بالدور الذي أناطه هذا الحزب بنفسه وألزم الوطن به، هو تجريد للمواطن من حقّه وإلحاقه صاغراً بذمة حزب الله.

كلمة حسن نصر الله الأخيرة منطقية أخلاقية ذاتياً، ولكنها تعسفية استذمامية لدى من يسمعها خارج فرض التبجيل المحيط بالمتكلم وحزبه. فيها، عند هوامشها كماً، إشارات عابرة لقوة الحزب وقدراته وجبروته، من باب أن الحزب وأهله الصابرين يعوّلون طوعاً على الدولة، ولكنهم في حال تخلّفت هذه عن أداء المهام المطلوبة منها، يعتبرون أنه "لكل حادث حديث"، ليس من باب التهديد طبعاً، إنما التحذير والتنبيه.

بل هو التهديد الصريح، وهو منطق القوة النافي لكل ما سبقه من مزاعم العقل والأخلاق. حسن نصر الله يتهم من يرفض اختطاف لبنان والافتداء به في حرب إيران العالمية، بأنه صاحب مشروع حرب أهلية. هي حرب أهلية أخرى لن تقع، من وجهة نظر أمين عام حزب الله، لأنه، وفق ما أوضح بإسهاب، هو وحزبه قد انتصرا للتوّ، مستبدلاً منطق الحوار، بين فرقاء مختلفين بالسياسة ومتفقين على أسس الوطن، بمنطق التخوين والعمالة، ومستعيضاً عن منطق الحقوق الإلزامية بمنطق الأخلاق الاختيارية، مع التأكيد بأن سلوك الحزب قد يتبدل في حال لم يصل إلى مرامه عبر المؤسسات.

هو مشروع حرب أهلية وإن رمى غيره به. فائض القوة اليوم لصالح حزب الله، ولكن ذلك لا يعني استقرار الأمر له دوماً. ثمة مشروعان للبنان، أحدهما متضح، هو الممانعة الحاضنة للمنظومة، أي ربط مصير لبنان بالتوجه العقائدي لإيران في المنطقة مهما كان الثمن، مع إتاحة المجال أمام الطبقة السياسية الناهبة بالاستمرار وإن مع دفعها باتجاه بعض الإصلاح منعاً للانفجار بين الحين والآخر.

أما المشروع الثاني، وهو المطالبة باستعادة السيادة كاملة، وبالإصلاح البنيوي الذي يحقق الدولة الحديثة، وبالعلمانية الكاملة الصادقة الحافظة لحقوق الجميع، فله من يحلم به، وله من يريده. الطريق إليه شاقة وطويلة، لكنها واضحة المعالم. ولن تعترضها كلمات الأمين العام لحزب الله ولا استهدافه جميع معارضيه عبر استفراد القوات اللبنانية في استعادات متكررة لفصول الحرب الأهلية السابقة.

الخيار الذي يقدّمه حسن نصر الله في كلمته للبنانيين عامة، والمسيحيين خاصة، هو إما أن تعيشوا كما رعايا النظام القاتل في دمشق ذميين خانعين، أو أن تواجهوا حرباً أهلية ضروس ترحّل منكم من يصرّ على الرفض، تقتل أكثركم أذىً لنا، وتبقي من عدا هؤلاء وأولئك في وهم مساحة تضيق من القدرة على التنفس. هنا بالذات مشروع الحرب الأهلية القادمة.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.