نيران الخميس الدامي في بيروت
نيران الخميس الدامي في بيروت

 أحالتنا وقائع الأيام الفائتة في العراق، وفي لبنان، إلى خطاب تخويني يكاد يكون واحداً في كلا البلدين، لا سيما وأنه صادر عن وجدان مذهبي واحدٍ ترعاه دولة الولي الفقيه، وتحمله منابر وحناجر لطالما صدحت بما في هذا الإناء من مواد هذيانية، لا تحترم ذكاء مخاطبها، وهذه نماذج مما شهدناه وقرأناه:

جريدة الأخبار اللبنانية المقربة من حزب الله، كتبت في أعقاب يوم الخميس الأسود اللبناني: "من سفارات القتل والقهر والسرقة التي تمثل أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والسعودية والإمارات، إلى الجيش والقوى العسكرية والأجهزة الأمنية على اختلافها، إلى الأحزاب والقوى الثورية التي تريد استعادة رونق الزمن الجميل في بلاد الأرز، إلى الصيصان الذين يقترحون أنفسهم بدلاء لإدارة ما تبقى من دولة، إلى قضاة اختارهم النظام الفاسد ويريدون إقناعنا بأنهم ينتفضون للكرامة الوطنية حتى ولو شاركوا في التحريض على ما يقود إلى جريمة بحجم حرب أهلية".

بيان الهيئة للتنسيقية للمقاومة العراقية، في أعقاب هزيمة الحشد في الانتخابات الأخيرة: "إن تلاعب الأيادي الأجنبيّة في نتائج الانتخابات وطرق تزويرها الفاضح بإشراف حكوميّ أدّى بالنتيجة إلى فشل أداء عمل المفوضيّة وعجزها عن الوقوف بوجه الإرادات الخارجيّة، وهو ما قد يتسبب بإيصال البلد إلى حافة الهاوية".

والحال أن واقعتي البلدين، أي مقتلة يوم الخميس الفائت في بيروت، وهزيمة فصائل الحشد في الانتخابات العراقية، لا يمكن وصلهما بخطاب "السفارات" أو "المؤامرات الخارجية"، ولم يسعف البعد الخطابي حسن نصرالله هذه المرة في إقناع دجاجة أن وراء قاضي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت طارق بيطار مؤامرة كبرى. لكن هذا لا يعني أن موقع نصرالله ضعيف في هذا السجال الركيك، ذاك أن الرجل كان قد أنجز مهمة توسيع الصدع الأهلي بما يتيح له أن يقول ما يريد من دون الحاجة لما هو مقنع. فأي هراء سيجد مكاناً له في ظل حرب الغرائز الدائرة رحاها في لبنان وفي العراق. هزيمة الحشد الشعبي في الانتخابات العراقية "مؤامرة على الشيعة" حتى لو كان الفائز شيعياً، لا بل أنه ليس خصماً لإيران، وهو مقتدى الصدر، أي أنه صاحب عمامة أين منها عمامة قيس الخزعلي!

خطاب الهراء ليس ضعيفاً في ظل هذا الشقاق الأهلي، وهرائيته قد تكون مصدر قوة له، ذاك أنه لا يتوجه إلى العقول ولا يتوهم الانعقاد على منطق، المهم بالنسبة إليه أن يملك قدرة على النفاذ إلى الغرائز وأن ينجح في الشحن والتعبئة. أما من يتوهم أنه سينتصر عليه بحكم امتلاكه قرينة العقل والحقيقة، فسيكون خصماً سهلاً وغافلاً عن الوقائع الثقيلة التي أرساها هذا الخطاب طوال عقود من الحروب الأهلية.

علينا هنا أن نتعِض مجدداً، ففي لبنان كما في العراق، استقرت السلطة لإيران، وهو استقرار يشوبه بعض الارتجاجات، لكنها ارتجاجات غير مهدِدة. خسارة الحشد الشعبي للانتخابات هي انتكاسة صغيرة لنفوذ إيران في العراق، والقاضي طارق بيطار لا يشكل تهديداً لصورة أمين عام حزب الله حسن نصرالله، لكن نوع النفوذ الذي يشكله كل من حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق، لا يستقيم من دون محفزات مذهبية تُبقى على الاستنفار الأهلي. وأي اشتغال عادي لآليات الدولة من خارج "الماكينة الثورية" سيفتح أفقاً لمزيد من الارتجاجات. حزب الله، حتى لو أدين في انفجار المرفأ، فإن ذلك لن يهدد نفوذه، فهو سبق أن أدين في اغتيال رفيق الحريري ولم يتمكن أحد من محاسبته، وهزيمة الحشد في الانتخابات لن تفضي إلى سحب سلاحه، ولا إلى تراجع نفوذ الحرس الثوري الإيراني في بلاد الرافدين.

إذاً لما كل هذا الهراء؟ لا بل لما كل هذه الدماء طالما أن الأمر يقتصر على بعض الارتجاجات غير المهددة للنفوذ؟ والجواب على هذا السؤال يفترض أننا في سجال مع خطاب يشتغل على مصادر ذهنية صدر منها السؤال نفسه! وهنا نكون ضحية هذا الخطاب مرة أخرى، ذاك أنه نجح في استدراجنا إلى حلبة التخوين. فأنت أيها السائل لست سوى مجرد عميل. من توجه إليك بهذه التهمة لا يعنيه دفعك للتهمة. هي مجرد شتيمة عابرة وتمضي، فهل ينتظر الشتام تفكيكاً منطقياً لشتيمته؟ هو لا يخاطبك أصلاً، فثمة من سيستقبل الشتيمة ويحولها إلى أغنية، وسيجد آلافاً يرقصون على موسيقاها.

الحل إذاً في مكان آخر تماماً، ويحتاج سنوات موازية للسنوات التي أمضاها خطاب التخوين حتى نجح في تحويل الشتيمة إلى تعويذة أهلية تزخم الحروب ويستعاض بها عن العقول.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.