مئات الآلاف الذين خرجوا في 21 أكتوبر ليسوا خلف زعيم أو نهج إيديولوجي
مئات الآلاف الذين خرجوا في 21 أكتوبر ليسوا خلف زعيم أو نهج إيديولوجي

الحراك الشعبي الذي ملأ شوارع السودان من الخرطوم الى أم درمان أمس فيه رسالة لا التباس فيها من مئات آلاف المتظاهرين بأن لا عودة إلى حكم العسكر ولا بديل عن دولة وحكم مدني يرتقي فيه القانون والمصالح الوطنية.

مئات الآلاف الذين خرجوا في 21 أكتوبر ليسوا خلف زعيم أو نهج إيديولوجي يريد العودة بالسودان إلى انقسامات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. الحراك الشعبي هو تعبير بمعظمه عن رغبة بدفع المرحلة الانتقالية بشكل دستوري، من دون تدخل من الجيش ومن دون قضمها من الإسلاميين.

الخرطوم التي عاصرت طوال عقود أنظمة خنقت شبابها ونموها وموقعها الاستراتيجي، حان لها أن تتحرر من هذه القيود. الدعم الغربي موجود وساهم في رفع ديون السودان التي تقارب المليار ونصف دولار، والدعم العربي موجود في حال اختارت القيادتين العسكريتين والمدنيتين شراكة للمضي بالإصلاحات الدستورية والوصول الى انتخابات في 2023 كما نص اتفاق جوبا.

اليوم أمام السودان فرصة ومخاطر. الفرصة هي في أن تتحد قيادتها خلف المرحلة الانتقالية والطي بالكامل مرحلة عمر البشير وخلاياه المتغلغلة في السلطة.

فبدل نهج البشير الذي جعل من السودان بوابة أفريقية لتنظيمات معادية للغرب وإسرائيل، هناك فرصة اليوم لجعله بوابة اقتصادية تنفتح على الأوروبيين والأميركيين بدل استضافة من يستهدفهم.

فمن زعيم القاعدة السابق أسامة بن لادن، إلى المساعدة في تسليح وتدريب وتمويل "حماس" و"حزب الله" ومغازلة الإخوان المسلمين، ودور المفكر الإسلامي حسن الترابي في إرشاد قيادات من حماس، أضاع السودان أجيالا في مستنقع التطرف والتسلط. هذا النهج كلف الخرطوم عقودا من العزلة وجاء على حساب التنمية الاقتصادية وبناء الدولة المدنية في السودان.

اليوم، واشنطن وخلفها أوروبا ودول الخليج تعطي السودان أفق مسار مدني لبناء دولة حديثة يتشارك فيها العسكر مع المدني، وتصغي لطموح شبابها وتستوعب تعدده الفكري والحزبي بدل فرض تفكير اللون الواحد.

عدم اقتناص هذه الفرصة والانزلاق مرة أخرى في دهاليز الانقلابات العسكرية والتفتت الداخلي وعداء الغرب، سيأخذ بالسودان إلى عزلة جديدة تشبه ما تمر به بورما اليوم.

من يريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء هو نفسه من يريد القضاء على انفتاح الخرطوم الخارجي. فهناك اليوم موجة مضادة لفتح السودان علاقة ديبلوماسية مع إسرائيل، رغم الفوائد التي اقتنصتها الحكومة السودانية من التطبيع مثل رفع السودان عن لائحة الإرهاب، وإعفاء ديون الخرطوم في صندوق النقد الدولي، وتسوية في الكونغرس لضحايا الاعتداءات. هذه التحولات ليست بالبسيطة، إنما يمكن أن تتبدل وتعود إلى الماضي الكئيب في حال أمسك الانقلابيون على الانقلابيين بالسلطة.

مفترق السودان والخطوات المقبلة لرئيس وزرائه عبدالله حمدوك هو محطة حاسمة منطقة القرن الأفريقي. نجاح حمدوك واستمرار شراكته مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، هي المفتاح لاستكمال نقلة الخرطوم إلى حكم مدني يكفل الانجازات الداخلية والخارجية، وتحصنه من أشباح الماضي والقوى التي تريد العودة الى زمن العزلة والبطولات الزائفة فوق جثامين المدنيين.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.