من مهرجان الجونة
من مهرجان الجونة

يعد مهرجان الجونة السينمائي، من أبرز المهرجانات على مستوى مصر، ويحرص عدد كبير من نجوم مصر والوطن العربي على حضوره كل عام.

وصاحب عرض المهرجان هذا العام صخب شديد واشتعال على "السوشيال ميديا" بعد هجوم لفظي ومعنوي من "أدعياء الفضيلة"، بسبب ارتداء الفنانات فساتين يرى المتطرفون أنها فساد ودعوة للفجور.

ووصل الهجوم إلى أن المهندس نجيب ساويرس، وهو من رعاة المهرجان، اضطر أن يرد عليهم خلال لقائه مع الإعلامية لميس الحديدي، عبر فضائية "أون تي في"،  فقال بالحرف الواحد: "بيصعبوا عليا ومش عايزين يشوفوا الجمال ولا فرح، ناس عايشه في القرون الوسطى وعاوزه ترجعنا لورا (للخلف)، كل ما نوري الثقافة بتاعتنا يتململوا ورا". وأقول للمهندس نجيب لا فض فوك يا باشمهندس..!

أما أدعياء الفضيلة فأسألهم بوضوح إن كان لبس المرأة الجميل تسمونه فسادا وانحلالا وفجورا، فبما تسمون وقوف النساء في أسواق النخاسة في دولة الخلافة الإسلامية عبر العصور عاريات الصدور، لكي يتحسس أجسادهن الرجال في الأسواق قبل شرائهن، وبما تسمون عملية "إرضاع الكبير" و"نكاح الصغيرات" التي أباحها فقهاؤكم؟

إن الجمال ليس قباحة يا سادة، لكن القباحة هي فكركم المريض الذي يظلم المرأة ويبيح ضربها وإهانتها وظلمها وقهرها نفسياً وجسدياً.

إن مشكلتكم الحقيقية تكمن في أفكاركم المريضة التي تفتقد لكل مبادئ الرجولة الحقيقية، فأي رجولة تلك أن يتمتع الرجل بنزول البحر بالمايوه ويحرم زوجته من التمتع بنفس الحق! كفاكم ظلماً للمرأة!

والحق أقول لكم إن الرجل الذي يعدل مع زوجته فيعطيها نفس الحقوق والحرية التي يتمتع بها هو أكثر رجولة بمئات المرات من أشباه الرجال الذين يقهرون حرية المرأة، في حين يسمحون لأنفسهم بالتمتع بكل مباهج الحياة. فالمرأة عندهم عورة لا يحق لها أن تتعطر أو تتجمل أو ترقص أو تغني، وفي نفس الوقت فإن هذه الأمور يرونها حقا مكتسبا لهم، فنراهم يتعطرون ويتجملون ويتمتعون بالحياة!

والعجيب أن نفس الأشخاص الذين يريدون تكفين المرأة وإجبارها على "الحجاب" هم أنفسهم الذين يعايرون البنات والنساء المسلمات على شبكات التواصل الاجتماعي في أي مناسبة بأنهن "غفر" وأقل جمالاً من "الأجنبيات"! وكلنا نعرف تعبيرهم المشهور على السوشيال ميديا: "جوزني روسية وإديني الجنسية"!

ودعوني أكون صريحاً معكم يا أدعياء الفضيلة من المتأسلمين الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الناس فأقول لكم إن الأمر عندكم لا علاقة له بأي أخلاق ولا أي فضيلة، وأن الأمر كله بالنسبة لكم هو "حرية المرأة". فلو قررت امرأة أن تلبس ثياباً تجعلها صارخة الجمال فهذا عندكم حرام الحرام! أما إذا أجبرها الرجال على الوقوف في الأسواق شبه عارية لتباع رغم إرادتها كما كان يحدث في أيام الخلافة الإسلامية فهذا عندكم حلال الحلال.. طالما تم بإرادة الرجل! فالأمر كما قلت لا علاقة له بالأخلاق والفضيلة، لكنه متعلق بمنع المرأة من أن يكون لها إرادة.

وإليكم أهدي شيئاً يسيراً من كتب التراث لكي تعلموا من هو الذي يدعو للفجور وخدش الحياء:

"عن ابن عمر رضي الله عنه (وهو ابن عمر بن الخطاب كما جاء في كتب التراث) أنه كان إذا اشترى جارية كشف عن ساقيها ووضع يده بين ثدييها وعلى عجزها (مؤخرتها) وكأنه كان يضعها عليها من وراء الثياب".. الراوي: نافع مولى ابن عمر - المحدث: الألباني - المصدر: إرواء الغليل - الصفحة أو الرقم: 6/201 خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.

فيا ترى من الذي يدعوا إلى الفسق والفجور والفساد والانحلال والرذيلة وغيرها من التعبيرات التي ترمون بها غيركم من البشر!

والأمر كما ذكرت أعلاه أن ما تم روايته عن أسواق الخلافة وعن أخلاقيات ابن عمر المذكورة فأنتم ترونه حلالا لأنه يتم بإرادة الرجل وبإجبار للمرأة، أما إن وقفت نفس النساء بإرادتهن يفعلن نفس الشيء فستصبون عليهن كل اللعنات وتتهموهن بالفاحشة والفسق والفجور! أفيقوا وانظروا إلى أنفسكم في المرآة قبل أن تهاجموا مهرجان الجونة الرائع! وأذكرك بالمثل الشعبي المعروف "اللي بيته من قزاز (زجاج) مايرميش الناس بالطوب"؟

وأخيراً شكراً لكل من شارك في عمل هذا المهرجان داعماً للفن كأداة هامة وراقية للارتقاء بالناس، وبأفكارهم، وداعماً للجمال والفكر والإبداع.

وللحديث بقية..

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!