الممثلة المصرية داليا شوقي
الفنانتان المصرية بشرا روزا والألمانية ميري مونز خلال الدورة الخامسة من مهرجان الجونة السينمائي

كارثة في الجونة. فضيحة. مس خطير بأخلاق المجتمع المحافظ بطبعه وزعزعة لقيم الأسرة المسلمة. تهديد عظيم للإسلام قد نعود بعده للجاهلية!!!

نعم، فملابس الفنانات فاضحات وتترجم إخلالا خطيرا بالأخلاق. لكن، في المقابل، التجسس على تلك الصور ومتابعتها بشراهة واقتسامها على مختلف موقع التواصل الاجتماعي والتنمر على الفنانات وعلى أسرهن وإهانتهن، لا يمثل أي مس بالأخلاق! الأخلاق لا ترتبط إلا بأجساد النساء. حتى أن البعض كتب التدوينات والتغريدات المفصلة عن المواقف المتخيلة لأزواج الفنانات المشاركات في دورة 2021، في تصور قد نحتاج ربما لسنوات ضوئية كي نحطم تركيبته المفاهيمية. تصور مفاده أن جسد الزوجة ملك لزوجها وأنه هو من يقرر ماذا تلبس وهو من "يغطي" ومن "يكشف". تدوينات وتغريدات تتهكم على الموقف المتخيل لزوج فنانة، باعتباره مالك صك الملكية والمقرر في جسدها!

ثم... كانت هناك التعليقات العجيبة حول "السيلوليت"!!! وهي في معظمها تعليقات قد نجد أصحابها غدا ينتقدون إجراء نفس الفنانات لعمليات تجميل. إجراء فنانة لعملية تجميل لا يعجب السادة والسيدات أصحاب خطاب "الجمال الطبيعي" الداعين لتقبل أجسادنا بترهلاتها وعيوبها. لكن، ما إن تظهر على نفس الفنانة بعض أعراض الترهل أو بعض التجاعيد، حتى تجدهم لها بالمرصاد (مرصاد لا يواجه بالضرورة الفنان السمين أو الذي تغزو وجهه التجاعيد). 

من الذي قرر أن الفستان القصير من حق النحيفات فقط؟ 

حتى هذا ليس مقبولا في نظر النقاد الرسميين للفساتين والأجساد، فالنحيفة سيجدونها نحيفة أكثر من اللازم، والسمينة أو المتقدمة قليلا في السن سيعيبون عليها التجاعيد والسيلوليت، ومن تجري عمليات التجميل سيعلقون على هوسها المرضي بالشباب!

والأصل في كل هذا، خوف مرضي من أجساد انطلقت من عقالها لتعبر بحرية. حرية في التعامل مع الجسد تخيف من يختزلون الصلاح والأخلاق في عدد السنتميترات التي يكشفها لباس امرأة! جسدك سيدتي... بعبعهم!

المشكلة البسيطة هنا، والتي لم ينتبه لها البعض ربما، أن هؤلاء الفنانات لم يطلبن رأينا في أشكال فساتينهن ولا في أجسادهن ولا في تسريحات الشعر ولا في الألوان ولا حتى في مستويات قصر التنورة أو فتحة الصدر! هن اخترن الموديلات مع مصممين متخصصين، ثم قررن في تفاصيل الشعر والأكسسوارات، دون أن يفكرن بالضرورة في رأيكَ وفي رأيكِ وأنتما تجلسان في غرفتكما أو في صالون بيتكما تتلصصان عليهن وتعلقان وتتنمران. وهن بالتأكيد لن يغيرن اختياراتهن بناء على تعليقاتك!

الملابس أذواق والألوان أذواق. هذا مؤكد! لكن، هناك فرق جوهري بين أن يختلف ذوقك عن ذوق الآخر وبين أن تعتبر أن من حقك أن تقرر ما الذي يستطيع أن يلبسه وما الذي لا يلبسه؛ وأن تتنمر عليه وتهينه.  

ثم، وأنت تتهم هؤلاء الفنانات بالعفن، تتذكر أنك أنت من يعلق على الملابس والأجساد، وينسى أن الأمر يتعلق بمهرجان سينمائي. مهرجان يفترض أن يتوجه الحديث فيه للأفلام والسيناريوهات والأداء. فمن الذي يركز على الجسد: أفنانة مدعوة اختارت فستانا يبدو أنه لم يرق لك وجاءت لتشارك كفنانة في مهرجان يشارك فيه فيلم لها، أم أنت الذي "ينسى" السينما ولا يركز إلا على الفستان؟ من الذي يتجاهل السينما ويركز على أجساد النساء؟ من الذي تخيفه انطلاقتهن، و"تهدد" خطابه الأخلاقي ودعوته لتغليف أجساد النساء، لكي تمطر السماء وينصلح حال المجتمع؟ 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.