كارثة في الجونة. فضيحة. مس خطير بأخلاق المجتمع المحافظ بطبعه وزعزعة لقيم الأسرة المسلمة. تهديد عظيم للإسلام قد نعود بعده للجاهلية!!!
نعم، فملابس الفنانات فاضحات وتترجم إخلالا خطيرا بالأخلاق. لكن، في المقابل، التجسس على تلك الصور ومتابعتها بشراهة واقتسامها على مختلف موقع التواصل الاجتماعي والتنمر على الفنانات وعلى أسرهن وإهانتهن، لا يمثل أي مس بالأخلاق! الأخلاق لا ترتبط إلا بأجساد النساء. حتى أن البعض كتب التدوينات والتغريدات المفصلة عن المواقف المتخيلة لأزواج الفنانات المشاركات في دورة 2021، في تصور قد نحتاج ربما لسنوات ضوئية كي نحطم تركيبته المفاهيمية. تصور مفاده أن جسد الزوجة ملك لزوجها وأنه هو من يقرر ماذا تلبس وهو من "يغطي" ومن "يكشف". تدوينات وتغريدات تتهكم على الموقف المتخيل لزوج فنانة، باعتباره مالك صك الملكية والمقرر في جسدها!
ثم... كانت هناك التعليقات العجيبة حول "السيلوليت"!!! وهي في معظمها تعليقات قد نجد أصحابها غدا ينتقدون إجراء نفس الفنانات لعمليات تجميل. إجراء فنانة لعملية تجميل لا يعجب السادة والسيدات أصحاب خطاب "الجمال الطبيعي" الداعين لتقبل أجسادنا بترهلاتها وعيوبها. لكن، ما إن تظهر على نفس الفنانة بعض أعراض الترهل أو بعض التجاعيد، حتى تجدهم لها بالمرصاد (مرصاد لا يواجه بالضرورة الفنان السمين أو الذي تغزو وجهه التجاعيد).
من الذي قرر أن الفستان القصير من حق النحيفات فقط؟
حتى هذا ليس مقبولا في نظر النقاد الرسميين للفساتين والأجساد، فالنحيفة سيجدونها نحيفة أكثر من اللازم، والسمينة أو المتقدمة قليلا في السن سيعيبون عليها التجاعيد والسيلوليت، ومن تجري عمليات التجميل سيعلقون على هوسها المرضي بالشباب!
والأصل في كل هذا، خوف مرضي من أجساد انطلقت من عقالها لتعبر بحرية. حرية في التعامل مع الجسد تخيف من يختزلون الصلاح والأخلاق في عدد السنتميترات التي يكشفها لباس امرأة! جسدك سيدتي... بعبعهم!
المشكلة البسيطة هنا، والتي لم ينتبه لها البعض ربما، أن هؤلاء الفنانات لم يطلبن رأينا في أشكال فساتينهن ولا في أجسادهن ولا في تسريحات الشعر ولا في الألوان ولا حتى في مستويات قصر التنورة أو فتحة الصدر! هن اخترن الموديلات مع مصممين متخصصين، ثم قررن في تفاصيل الشعر والأكسسوارات، دون أن يفكرن بالضرورة في رأيكَ وفي رأيكِ وأنتما تجلسان في غرفتكما أو في صالون بيتكما تتلصصان عليهن وتعلقان وتتنمران. وهن بالتأكيد لن يغيرن اختياراتهن بناء على تعليقاتك!
الملابس أذواق والألوان أذواق. هذا مؤكد! لكن، هناك فرق جوهري بين أن يختلف ذوقك عن ذوق الآخر وبين أن تعتبر أن من حقك أن تقرر ما الذي يستطيع أن يلبسه وما الذي لا يلبسه؛ وأن تتنمر عليه وتهينه.
ثم، وأنت تتهم هؤلاء الفنانات بالعفن، تتذكر أنك أنت من يعلق على الملابس والأجساد، وينسى أن الأمر يتعلق بمهرجان سينمائي. مهرجان يفترض أن يتوجه الحديث فيه للأفلام والسيناريوهات والأداء. فمن الذي يركز على الجسد: أفنانة مدعوة اختارت فستانا يبدو أنه لم يرق لك وجاءت لتشارك كفنانة في مهرجان يشارك فيه فيلم لها، أم أنت الذي "ينسى" السينما ولا يركز إلا على الفستان؟ من الذي يتجاهل السينما ويركز على أجساد النساء؟ من الذي تخيفه انطلاقتهن، و"تهدد" خطابه الأخلاقي ودعوته لتغليف أجساد النساء، لكي تمطر السماء وينصلح حال المجتمع؟

