واحدة من التحديات الكبرى التي سوف نواجهها نحن البشر في هذا القرن سوف تكون القدرة على الموائمة بين المنافع الكثيرة التي يجلبها الذكاء الاصطناعي
واحدة من التحديات الكبرى التي سوف نواجهها نحن البشر في هذا القرن سوف تكون القدرة على الموائمة بين المنافع الكثيرة التي يجلبها الذكاء الاصطناعي

واحدة من التحديات الكبرى التي سوف نواجهها نحن البشر في هذا القرن سوف تكون القدرة على الموائمة بين المنافع الكثيرة التي يجلبها الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه المضار، وخاصة الحفاظ على الخصوصية والاستقلالية وقيمة العنصر البشري، كما يقول المؤرخ والمفكر الإسرائيلي يوفال نوا هراري.

وشرح هذه المسألة ليس صعبا، لكنه بحاجة إلى سياق. والسياق هنا هو أن الذكاء الاصطناعي وتطور قدرة الشركات على جمع البيانات عن الإنسان - اختياراته ورغباته وتفضيلاته.. الخ - مما نشهده اليوم في العديد من التطبيقات الإلكترونية، سوف يمكّن هذه الشركات، مع الوقت ومع تزايد قدرتها على تحليل هذا الكم الهائل من المعلومات، من إنشاء خوارزميات معينة بإمكانها أن تعمل على أساس التفاعلات البايوكيميائية في الإنسان، ما يجعلها قادرة على اختراقه - إذا جاز التعبير- ومعرفة كل شيء عنه، وربما أكثر مما يعرفه هو عن نفسه.

بالطبع قد يكون لهذا الأمر جانب سلبي، يتمثل في انتفاء الخصوصية عن الإنسان. فهو سيكون مثل الكتاب المفتوح. سوف يمكن معرفة ميوله ورغباته والطريقة التي يفكر بها، وما الذي يحزنه أو يفرحه وما هو نوع الموسيقى التي يفضلها والألوان التي يحبها والأطعمة والبضائع التي يميل لها... الخ.

وهذا بالطبع باب تستفيد منه الشركات والمصنعون، وربما أيضا أجهزة أخرى مهتمة بمعرفة هذه المعلومات عن الإنسان. مما يجعل هذه الشركات والجهات في وضع تنافسي أفضل مع مثيلاتها في العالم. لأنها سوف تقدم لهذا الإنسان بالضبط الأشياء التي يرغب فيها، حتى من دون أن يكون واعيا بالضرورة لهذه الاختيارات.

لكن من الناحية الأخرى فإن هذا التطور له جانب إيجابي أيضا، والذي يتمثل في مساعدة الإنسان على معرفة نفسه بصورة أفضل، بما في ذلك توقع نوعية الأمراض التي سوف تصيبه بصورة مبكرة، والقرارات الضارة التي قد يتخذها سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى البيئة المحيطة، وأيضا أنماط التفكير المختلفة التي قد تتطور لديه.

وبالتالي فإن السؤال سوف يصبح دائما هو: ما الثمن الذي يتعين على الإنسان أن يدفعه كي يحصل على خدمة متقدمة، وهل سيكون ذلك مقبولا حتى إذا جاء على حساب الخصوصية والاستقلالية؟ هل من الممكن مثلا أن يقبل الإنسان أن يعيش عمرا أطول أو يتخلص من أمراض معينة، في مقابل تنازله عن خصوصية المعلومات المتعلقة بتكوينه الوراثي أو الجسدي أو النفسي؟

 الواقع أنه حينما يتعلق الأمر بالتطور الهائل للذكاء الاصطناعي فإنه سوف يضع الكثير من المفاهيم التي نتداولها اليوم موضع تساؤل أو استفهام، بما في ذلك تلك المتعلقة بالسياسة والاقتصاد.

 من ذلك مثلا، ما هو مصير النظام الديمقراطي الذي نعرفه حاليا؟

فحتى الآن يواجه المرشحون صعوبات جمة في توقع اتجاه الناخبين على وجه الدقة أو معرفة القضايا التي على أساسها سوف يصوتون. هناك بالطبع استطلاعات الرأي وغيرها من الوسائل التقليدية، لكن هذه الوسائل تعطينا مجرد نتائج تقريبية وهي قد تخطئ مرة بعد أخرى لهذا السبب أو ذاك.

لكن في حالة الذكاء الاصطناعي، فإن الحصول على كم هائل من المعلومات عن الإنسان وتفضيلاته والقدرة على معالجتها، لن يمكّن هذه الجهة أو تلك من توقع ميول الناخب السياسية فحسب، وإنما أيضا تصميم برامج انتخابية لكل مرشح وبحسب الدائرة وميول الناخبين على النحو الذي يجعل التحكم في نتيجة الانتخابات أمرا محسوبا إلى حد كبير، وهذا من دون أن يتمكن الناخب نفسه من معرفة ما يجري.

وهذا إن حدث فهو سوف يفرغ العملية الديمقراطية من محتواها، وسوف يقضي على مفهوم الاستقلالية والاختيار الحر لدى الناخبين، وهي من الأمور الجوهرية في نجاح أي عملية ديمقراطية.

قد لا يكون هذا أمرا ممكنا في الواقع العملي، فهناك جهات رقابية سواء على مستوى البرلمان أو الحكومة أو غيرها لن تسمح للشركات أو أي جهات أخرى بالمضي في مخططها هذا، لكن من الناحية النظرية هو أمر ممكن، وهو يوضح نوعية التحديات التي يفرضها تطور الذكاء الاصطناعي.

وحتى الآن كان يمكن توقع نوعية الوظائف التي سوف يوفرها سوق العمل، على المستوى المنظور، وبالتالي تصميم برامج التعليم كي تتناسب مع هذه الحاجات، ولكن في ظل التطور السريع للتكنولوجيا، قد يكون من الصعب توقع نوعية الوظائف المتوفرة كل عشر سنين. والأصعب هو معرفة الطريقة التي يتعين على الناس من خلالها أن يتكيفوا مع هذه التغيرات السريعة والمهارات التي يتوجب عليهم اكتسابها كي يبقوا على فرصهم في العمل.

وما الذي سوف يفعله العدد المتزايد من العاملين، الذين سوف تختفي وظائفهم، ويتم إحلال الروبوتات أو الأجهزة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي في مكانهم؟

وإذا كانت الدول الغنية تناقش اليوم هذه القضايا وتبحث في التبعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لهذا التطور، بما في ذلك كيفية تأمين معيشة هؤلاء العاطلين، فإن الدول النامية أو دول العالم الثالث، وبينها دولنا العربية، تبدو للأسف غائبة تماما عن أية نقاشات مماثلة، رغم أنها ستكون في وضع صعب جدا.  

بعبارة أخرى، كما يقول المفكر يوفال، فإنه لأول مرة في التاريخ تصبح الحاجة للعنصر البشري من الناحية الاقتصادية موضع شك بسبب قدرة الكمبيوترات والآلات على أداء المهام بصورة أفضل وأكبر، الأمر الذي يفرض تحديات جمة وغير مسبوقة في الوقت نفسه.  

وهذه التحديات لن تكون في المستقبل المتوسط أو البعيد، كما تعودنا على الحديث عن ذلك، ولكنها باتت على مسافة عقود قليلة منا، وهي تتغير بصورة سريعة ويصعب التنبؤ بآثارها.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.