نسبة المشاركة الأولية في الانتخابات العراقية بلغت 41%
مصطفى فحص: الاعتراف بنتائج الانتخابات كما الاعتراف بالأخطاء فضيلة

الاعتراف بنتائج الانتخابات كما الاعتراف بالأخطاء فضيلة، هذه الفضيلة هنا وطنية قبل أن تكون سياسية، والحاجة إليها حماية لما تبقى من الدولة وحفاظا على السلم الأهلي وترسيخ لعملية تداول سلمي للسلطة في لحظة مفتوحة على احتمالات أحلاها مرّ، لذلك الشجاعة على تقبلها في هذا المرحلة  حاجة ملحة لتخفيف الخسائر بالأرواح وفي الثروات.

بين مخاطر الذهاب إلى حكم الأغلبية، أو العودة إلى التسوية ضمن معادلة أن الكل رابح، هناك هذه المرة من يعتقد ان الأرباح تنتزع بالقوة أو تؤخذ ضمن تسويات كبرى، في المقابل هناك من يرغب بإنجاز التسوية ولكن ضمن الاحجام التي أفرزتها صناديق الاقتراع، وهو يستند إلى تحولات في الرأي العام العراقي الانتخابية.

الحد الأدنى من المصلحة الوطنية يستدعي تنازلات شجاعة، والقبول بالواقع الانتخابي، لأن الظروف التي يمر بها العراق لا تتحمل أي خطأ في الحسابات، وهذه مسؤولية الرابحين قبل المهزومين، خصوصا إذا كان أمام الرابح استحقاقات كبيرة، وأمام الخاسر تحديات صعبة، تفرض على الاثنين الاحتكام إلى العقل وليس إلى شيء آخر.

المقلق في المشهد العراقي الحالي أنه منذ صدور النتائج الأولية للانتخابات التشريعية، بدأت معركة ليّ الأذرع بين كل الأطراف، فالرابح الأكبر لم يتردد في التحذير من الالتفاف على نتائج الانتخابات عبر قراءة استنسابية للقوانين تتيح للطرف المتضرر من النتائج الانقلاب عليها، فيما الخاسر الأكبر أعلن سريعا رفضه للنتائج واتهم الهيئة المستقلة للانتخابات والحكومة وجهات خارجية بتزويرها وبالتآمر عليه.

استدعاء المؤامرة في هذه اللحظة الوسيلة الأسهل للتهرب من مراجعة شاملة لأسباب الهزيمة، ورمي المسؤولية على الآخرين، تجنبا أو إنكارا للواقع السياسي الجديد الذي فرض مشهدا جديدا أصاب قوى اعتقدت أنها ثابتة وأدارت ظهرها لكل المتحولات التي بدأت من انتفاضة تشرين مرورا بتكليف رئيس الوزراء من خارج الطبقة السياسية لنظام 2003، وصولا إلى الانتخابات المبكرة والتمسك بنفس الخطاب العقائدي الذي فقد جاذبيته في الشارع ما أوصل العملية السياسية إلى حائط مسدود.

مأزق هذه القوى السياسية خصوصا المسلحة التي هيمنت على الدولة ومؤسساتها أنها تعاملت مع الانتخابات كإجراء مضمون النتائج، فلم تغير سلوكها حتى في التعاطي مع مؤيديها، وهذا ما عرضها إلى شروخ داخلية، دفعت بجزء كبير من جمهورها إلى خيارات مختلفة جاءت من صالح كتلة دولة القانون، فهي بالنتيجة تمثل الإسلام السياسي الشيعي الدولتي "حزب الدعوة"، وهو يتمايز عن باقي القوى الإسلامية التي لم تتبلور حتى الآن كاحزاب، ولم تقدم مشروعا سياسيا يتناسب مع فكرة الدولة التي يميل اليها اغلب الشيعة في العراق.

عمليا فرضت الانتخابات تبدلا كبيرا في موازين القوى داخل العملية السياسية، وعمقت الفجوة داخل الطبقة السياسية، خصوصا الشيعية كونها تمثل الأغلبية الوطنية وبيدها السلطة التنفيذية وهي تتحمل الجزء الأكبر في الاخفاقات السياسية منذ 2003، وذلك لأسباب داخلية وخارجية مرتبطة بالهوية الوطنية وصعود الحساسيات الشيعية العراقية، ودور العراقي وموقعه في الخارطة الإقليمية. وهي الآن ليست في مواجهة بعضها بل أمام تحد صعب بعد تمكن شباب تشرين برغم مقاطعة جزء أساسي للانتخابات من اختراق الندوة البرلمانية، والتأسيس لحالة سياسية جديدة عبر الآليات الدستورية.

مخاطر الانتخابات وتداعيات نتائجها واضحة، حيث يعمل كل طرف على تشكيل تحالفاته الأفقية والعمودية، وخطرها أن يدخل العراق في صراع ما بين الرابح الأكبر والكتلة الأكبر. هذا الكباش سينقل التسوية من أروقة السياسة إلى الشارع، فيصبح العراق أمام شارعين متقابلين لكل منهما أدواته حتى العنفية، وهذا ما يهدد بالانزلاق إلى الفوضى أو أكثر. الأكثر هنا مقامرة لا تحمد عقباها.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!