احتفالات إيرانية بذكرى ثورة الخوميني (أرشيف)
احتفالات إيرانية بذكرى ثورة الخوميني (أرشيف)

تركيا وإيران، لاعبان إقليميان حضرا بقوة في معظم، إن لم نقل جميع، أزمات المنطقة وملفاتها المفتوحة، ومن أجل تدعيم هذا الحضور وتعظيمه، عمد البلدان إلى تبني "رزمة" استراتيجيات متنوعة، بعضها ناعم: الإغاثة والمساعدات والتبشير الديني – المذهبي، وبعضها خشن: التدخل العسكري المباشر، دعم مليشيات مسلحة، نشر قواعد عسكرية، اللجوء للقوة وعدم الاكتفاء بالتلويح بها.

بخلاف تركيا، لجأت إيران مبكراً إلى تفعيل استراتيجية تمكين الكيانات الموازية في الدول والساحات المستهدفة، سواء من خلال خلق تنظيمات عقائدية – سياسية – مسلحة أو تدعيم ما هو قائم منها، بالذات تلك التي تشترك معها بروابط مذهبية جزئياً أو كلياً...تركيا تخلفت عن ركب إيران في هذا المضمار، لكن ما أن اندلع الربيع، حتى شرعت في تبني الاستراتيجية ذاتها.

وإذ شكلت هذه الكيانات والتنظيمات، أجنحة حلّق بها البلدان خارج حدودهما، فقد وفرت في الوقت ذاته، قواعد ارتكاز لنفوذ مستدام، وبكلفة تقل بكثير عن كلف التدخل العسكري المباشر، وكانت حروب الوكالة هي الثمرة المرة لهذه الاستراتيجية التي برعت في توظيفها القوتان الإقليميتان، أكثر من دول وحكومات عربية، سلكت الطريقة ذاته، إن لأسباب دفاعية – وقائية، أو لأسباب تتعلق بأوهام القوة والأدوار الإقليمية المتورمة: السعودية، قطر والإمارات.

لكن حصاد عشرية دامية من الحروب الأهلية وحروب الوكالة والتدخلات العسكرية الخشنة، وحالة الإنهاك التي عاشتها المحاور الإقليمية المتصارعة، وحالة الانهيار التي تعصف بساحات المواجهة، دولاً ومجتمعات، أوصلت هذه اللعبة إلى خواتيمها، وأدخلتها في آخر فصولها، كما يعتقد كثيرون، سيما وأن أجنحة النفوذ لكل من تركيا وإيران، تبدو آخذةً في الانكسار، وقواعد ارتكاز الدولتين في دولنا ومجتمعاتنا العربية، آخذة في الاهتزاز، فكيف ذلك؟

أجنحة إيران وقواعدها

طوال عشريات ثلاث، عمد نظام ولاية الفقيه في طهران، إلى تحويل إيران إلى دولة المركز للعالم الإسلامي الشيعي، نجح في بعض المجتمعات، وفشل في غيرها...ولتعزيز دور إيران الإقليمي الممتد من قزوين إلى ضفاف المتوسط، كانت البداية من لبنان الذي يشكل عربه الشيعة أزيد من ثلث سكانه وفقاً لتقديرات مختلفة، والمنهك بحروبه الداخلية وحروب الآخرين عليه...عمدت إلى تدعيم وتمكين الثنائي الشيعي: حزب الله وحركة أمل، قبل أن تعطي الحزب "وكالة حصرية" لتمثيلها في بلاد الأرز، وللقيام بأدوار إقليمية نيابة عنها وعن حلفائها...أحدث تصريحات السيد حسن نصرالله كشفت عن امتلاك الحزب لمئة ألف مقاتل تحت السلاح، بما يعادل ضعف القوة العددية للجيش اللبناني، مع فارق نوعي لصالح الحزب لجهة نوعية التسلح والتدريب و"العقيدة القتالية...وإذا أضفنا إلى هؤلاء، قوة حركة أمل، يمكننا القول، أن ميزان القوى الداخلي في لبنان يميل على نحو طاغٍ لصالح حلفاء طهران.

وما أن سقط نظام الرئيس الراحل صدام حسين في العراق إثر الغزو الأمريكي لبلاد الرافدين عام 2003، حتى هرعت طهران لاستغلال هذه السانحة التاريخية، أولاً لتصفية الحساب مع خصم لدود، حاربها لثمانية أعوام متتالية، مستغلة الإدارة غير الرشيدة لعراق ما بعد صدام حسين، وتحديداً، قرارات بريمر بحل الجيش العراقي واجتثاث البعث، وبناء أطر وهياكل عسكرية وامنية جديدة، لم تصمد أياماً في وجه زحف داعش على الموصل والمحافظات الغربية.

بدأت إيران بدعم ميليشيات مسلحة تتبع فصائل شيعية، وتحت شعار "مقاومة الاحتلال الأمريكي" انتفخت هذا الميلشيات وباتت قوة تعادل قوة الدولة الناشئة، واختلط السياسي بالمليشيوي في تركيبة الطبقة السياسية العراقية الجديدة...وبعد فتوى "الجهاد الكفائي" لصد زحف داعش في العراق، نشأ الحشد الشعبي، المكون أساساً من الأحزاب والمليشيات ذاتها، وتحول إلى قوة ضاربة (170 ألف مقاتل) كاملي التسليح والتدريب، ونجحت إيران في ضمان ولاء وتبعية عدد من فصائله الأساسية، ليشكل قاعدة ارتكاز للنفوذ الإيراني.

وحين وصلت شرارات الربيع العربي إلى كل من سوريا واليمن (وبدرجة أقل البحرين)، قفزت إيران لتفعيل استراتيجيتها المفضّلة: خلق كيانات موازية تشكل قواعد ارتكاز لنفوذ مستدام...في اليمن جرى تسريع مسار احتواء الحوثيين وتعميق روابطهم المذهبية بدولة المركز الشيعي، فضلاً عن الدعم التسليحي والتدريبي الذي لم يتوقف...في سوريا، وبعد الانهيارات التي سجلها الجيش والدولة السوريين في بدايات الأزمة، تم استحضار ميليشيات خارجية (زينبيّون وفاطميون)جنباً إلى جنب مع محاولات خلق ميليشيات محلية، وتمت الاستعانة بحزب الله إلى أبعد الحدود لتحقيق هذه الغاية، وبقية القصة معروفة.

اليوم، تواجه إيران عنتاً ومشقة مع معظم، وجميع، أجنحتها في هذه الدول، وليس مستبعداً أن يستحدث التاريخ استدارة كبرى على هذا المسار...الحشد الشعبي سجل خسارة مُذلّة في انتخابات 2021، وليس مستبعداً أن يقوم البرلمان العراقي القادم، بطرح مشاريع قوانين تتصل بمستقبل الحشد وتركيبته وارتباطاته وتمويله وإعادة هيكلته ودمجه...فيما يغرق حزب الله اللبناني في "زواريب" السياسة المحلية اللبنانية، وسط حالة انفضاض مسيحي – إسلامي (سني)، وتعالي أصوات شيعية مستقلة عن "الثنائي" وخارج دائرته، ومن دون أن يقوى الحزب على الإفادة من "فائض القوة" التي يتمتع بها...فالحزب الذي نجح في خلق "ميزان ردع متبادل" مع إسرائيل، يعجز عن الرد على الضربات المتلاحقة التي تلقاها مؤخراً في خلدة (السنة) وشويّا (دروز) والطيونة – عين الرمانة (موارنة)...لا مكان في هذه المواجهات لترسانة حزب الله الصاروخية، وإن استمر الحال على هذا المنوال، ولم يخرج الحزب من معادلة الداخل اللبناني، سيصيب الصدأ ترسانته الصاروخية، كما أصاب من قبل ترسانات لبنانية وفلسطينية كانت ملآى بمختلف صنوف السلاح.

وحده اليمن يسجل نجاحات لأصدقاء إيران وحلفائها: أنصار الله الحوثيين، الذين يقفون اليوم على عتبات مأرب (أم المعارك اليمنية)، لكن الأسئلة التي لا يتعين أن تغيب عن البال، إنما تتعلق بموقع ومكانة الحوثيين، في مرحلة ما بعد الحرب، وفي حال تقدمت عملية السلام، وهو أمرٌ يبدو حتمياً في نهاية المطاف، وكيف ستكون علاقات هذه الجماعة ببقية المكونات اليمنية، وكيف ستتعامل معها، مختلف كيانات ومكونات المجتمع اليمني، وما مصيرها عندما تُخلي صناديق الرصاص مكانها لصالح صناديق الاقتراع.

لا يعني ذلك كله أن إيران فقدت قواعد ارتكازها في الإقليم، أو أن أجنحتها قد تكسرت وحُرقت، لكن ليس من الحصافة بشيء، إغماض الأعين عن اتجاه متراجع لنفوذ إيران وكياناتها الموازية في الإقليم، سيما إن جاءت نتائج الانتخابات العراقية الأخيرة، بحكومة تواصل ما بدأه مصطفى الكاظمي من انفتاح على الجوار العربي، وسعي لاستحداث التوازن في علاقات العراق الإقليمية والدولية، أو إن تواصلت مسيرة الانفتاح العربي على سوريا بغرض استعادتها، وهو مسار يتقدم برغم "قانون قيصر"، ويلقى تشجيعاً من "قيصر الكرملين" الذي يدفع بقوة من أجل إحراز تقدم، ولو جزئي، في مسار الحل السياسي – الدستوري لسوريا، لتسريع تعويم النظام، ومعه ملفات إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية.

نهاية "العثمانية الجديدة"

يتعين التمييز بين مرحلتين من حكم العدالة والتنمية في تركيا، الأولى؛ مرحلة الصعود، واستغرقت العشرية الأولى من حكمه، وتميزت باللجوء لـ"الأدوات الناعمة" و"قوة النموذج" و"صفر مشاكل" و"المعجزة الاقتصادية" و"الاتجاه شرقاً وجنوباً" وغير ذلك مما احتواه قاموس أحمد داود أوغلو من مفردات ونظريات...والثانية؛ ويمكن وصفها بمرحلة الهبوط، وتغطي العشرية الثانية، عشرية الربيع العربي: قوة خشنة، "عثمانية جديدة"، خطاب ديني مذهبي متدثر بنزعة قومية طورانية، تدخل عسكري مباشر، نشر قواعد عسكرية من شرق المتوسط إلى شمال أفريقيا والخليج وشمال سوريا والعراق، خلق ميليشيات وكيانات موازية (سوريا، العراق وليبيا وأذربيجان)، اعتماد "المرتزقة"، والنتيجة: صفر أصدقاء.

عشرية الربيع العربي، كانت "المصيدة" التي وقع فيها الحزب الحاكم ورئيسه رجب طيب أردوغان...صعود الإسلاميين الإخوان) للحكم وتعاظم أدوارهم في معظم الدول والمجتمعات العربية غذّا هذا الوهم وعزز تلك الأحلام، ووجود قطر، الإمارة الصغيرة بمساحتها وسكانها، الغنية بمواردها، على ذات الخط: خط تدعيم الإخوان، مكّن تركيا من نشر قواعد ارتكاز في معظم دول عربية، بعضها كان ميلشيوياً – مسلحاً بالنظر لفشل الدولة الوطنية وغيابها، وبعضها الآخر وفر رصيداً معنوياً للدور التركي الساعي للهيمنة.

لكن عقارب ساعة "الإخوان" ستدور للوراء، بعد منتصف 2013، وسيخسرون الحكم في أكبر دولة عربية: مصر، وبعد ذلك بداية هبوط وتراجع تيارات الإسلام السياسي في العربي: النهضة في تونس ستفقد خلال عشر سنوات ثلثي طاقتها التصويتية (قبل إجراء الرئيس سعيد الاستثنائية)، العدالة والتنمية في المغرب سيختتم عشر سنوات من الحكم بهزيمة أقرب للانهيار (13 مقعداً فقط)...إخوان اليمن (التجمع اليمني للإصلاح) على وشك خسارة أكبر – وربما آخر - معاقلهم في مأرب...إخوان البحرين يقرأون مع الملك ونظامه من الصفحة ذاتها...إخوان سوريا لا مع المعارضة بخير ولا مع النظام بخير، ودورها في تناقص ملموس...إخوان العراق لم يحصلوا على مقعد واحد في انتخابات 2021...إخوان الأردن لم يتمكنوا من تشكيل كتلة برلمانية بعد انتخابات 2020 (8 مقاعد فقط والحد الأدنى للكتلة 13 مقعداً)، وحماس تختنق بقطاع غزة الذي يختنق بها كذلك، وجل أولوياتها "العودة إلى كان عليه الحال قبل 11 أيار الفائت، أي قبل الحرب الأخيرة على غزة".

في الوقت ذاته، تُجري قطر، حليفة تركيا الرسمية العربية الوحيدة، إعادة تموضع على خرائط المحاور والتحالفات في الإقليم...وتعيد تعريف دورها الإقليمي مقدمةً نفسها كمنصة للحوار والوساطة بين الأطراف، بعد أن كانت طرفاً خشناً في معظم أزمات الإقليم، بالذات سوريا...الأمر الذي يقطع مع سياسة اتبعت لسنوات عشر، لم تنل منها الدوحة سوى تجربة حصار "الرباعي العربي" الصادمة.

تركيا أيضاً تخسر قواعد ارتكازها، وتسهم ضائقتها الاقتصادية وتدهور عملتها الوطنية، في إضعاف شهيتها للتوسع والتبشير بعثمانية جديدة أو قديمة، فيما علاقاتها مع المراكز الدولية الفاعلة، من موسكو إلى واشنطن مروراً ببروكسيل، لا تسمح لخيالها الجامح بالذهاب بعيداً في رسم خرائط التوسع الإمبراطورية.
يبدو أن لحظة الحقيقة، والنزول على قمة الشجرة العالية تدهم كل من طهران وأنقرة، بأشكال مختلفة ومقادير متفاوتة، لكأن مرحلة الاحلام الإمبراطورية على وشك أن تنطوي، ونافذة الفرص التي توفرت للبلدين للتوسع والتمدد، قد استُنفذت، وما كان ذخراً لهما من قبل، بدأ يتحول إلى عبء عليهما.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.